(بعد الليل).. هل يقدم (محمد الشرنوبي) أهم محطة في مشواره الفني؟

كتبت: صبا أحمد
هناك فنانون يطرحون ألبومات جديدة، وهناك فنانون يطرحون أنفسهم من جديد، و(محمد الشرنوبي) ينتمي إلى الفئة الثانية، فعندما أعلن عن ألبومه الجديد (بعد الليل) لم يكن يقدم مجرد ثماني أغنيات جديدة، بل كان يعلن انتهاء رحلة طويلة من المراجعة، والبحث، والتغيير، بدأت منذ سنوات، وانتهت بولادة نسخة يؤمن بأنها قادرة على الاستمرار، بعدما قال بنفسه: (النسخة اللي بقدمها.. مفيش حاجة هتوقفها).
هذه العبارة لم تكن مجرد جملة دعائية، بل كانت تلخيصًا لسنوات عاش خلالها الشرنوبي صراعات فنية وشخصية، جعلته يعود هذه المرة أكثر نضجًا، وأكثر رغبة في أن يكون صاحب مشروعه، لا مجرد مطرب يؤدي ما يُكتب ويُلحن له.
منذ ظهوره الأول، لفت (محمد الشرنوبي) الأنظار بصوت مختلف يجمع بين الإحساس والتمكن، ونجح سريعًا في أن يحجز مكانًا بين أبناء جيله، ليس فقط كمطرب، بل أيضًا كممثل أثبت حضوره في الدراما والسينما، وشارك في أعمال تركت بصمة لدى الجمهور، قبل أن يقرر أن يمنح الموسيقى الأولوية خلال المرحلة الحالية.
وعلى مدار السنوات الماضية، قدم (محمد الشرنوبي) مجموعة من الأغنيات التي حققت انتشارًا واسعًا، واستطاع من خلالها أن يكوّن قاعدة جماهيرية تؤمن بصوته وأسلوبه الرومانسي، لكنه ظل يشعر أن هناك مساحة أكبر لم يكتشفها بعد داخل نفسه.. لذلك جاءت السنوات الأربع الماضية مختلفة تمامًا.
ابتعد قليلًا عن الضجيج، وأعاد ترتيب حياته بالكامل، وقرر أن يغيّر أسلوب معيشته قبل أن يغيّر موسيقاه. فقد خسر وزنًا كبيرًا، والتزم بنظام غذائي ورياضي صارم، واهتم بصحته ونومه، وهو ما انعكس بوضوح على شكله الجديد وثقته بنفسه، لتصبح الصورة الخارجية انعكاسًا لحالة داخلية أكثر نضجًا واستقرارًا.

تلحين ست أغنيات كاملة
في ألبوم (بعد الليل)، قرر (محمد الشرنوبي) أن يضع بصمته على معظم تفاصيل المشروع، فقام بتلحين ست أغنيات كاملة، وشارك في التوزيع الموسيقي لخمس أغنيات، وللمرة الأولى يكتب كلمات أغنية تحمل اسم الألبوم نفسه، في خطوة تؤكد أنه لم يعد يكتفي بدور المطرب، بل يسعى إلى تقديم نفسه كموسيقي متكامل يمتلك رؤيته الخاصة.
ويضم الألبوم ثماني أغنيات متنوعة هي: (زي الغجر، حبيت، أنا هعمل، غربة، على مهلك، فين ما تروح، بعد الليل، خمسة)، وهي أعمال تجمع بين الرومانسي والإيقاعي والدرامي، وتعكس حرصه على التنوع وعدم الوقوف عند لون غنائي واحد.
وتعاون (محمد الشرنوبي) في الألبوم مع مجموعة من أبرز صناع الأغنية، من بينهم الشعراء مصطفى ناصر، وفلبينو، ومصطفى حدوتة، والملحنان إيهاب عبد الواحد وعطار، إلى جانب الموزعين عمرو البنا، وإسماعيل نصرت، والوايلي، وخوليو، بينما احتفظ لنفسه بمساحة واسعة من صناعة العمل.

الوجه الجديد لمحمد الشرنوبي
أما أغنية (خمسة) التي جاءت كأول واجهة بصرية للألبوم، فقد كشفت عن الوجه الجديد لمحمد الشرنوبي، سواء من حيث الشكل أو أسلوب التصوير، إذ اعتمد الكليب، الذي أخرجه مصطفى عامر، على إيقاع سريع، واستعراضات راقصة، وألوان زاهية، وصورة حديثة تتناسب مع التحول الذي أراد الفنان أن يقدمه لجمهوره.
ولعب المنتج محمد جابر، من خلال شركة GAMMA Music، دورًا مهمًا في توفير إمكانات إنتاجية كبيرة، ظهرت بوضوح في الصورة والإخراج والتنفيذ، ليخرج العمل بصورة تنافس أحدث الإنتاجات الغنائية العربية، لكن القيمة الحقيقية للألبوم لا تكمن فقط في جودة الإنتاج، وإنما في الرسالة التي يحملها.
فالشرنوبي لم يعد يبحث عن أغنية تحقق ملايين المشاهدات فحسب، بل يبدو أنه يبحث عن هوية فنية مستقرة، وهو ما يفسر سيطرته على معظم تفاصيل المشروع، بدءًا من الكتابة، مرورًا بالتلحين والتوزيع، وصولًا إلى الصورة البصرية.. إنه ألبوم يحمل ملامح صاحبه أكثر مما يحمل أسماء المشاركين فيه.
ولهذا السبب، احتفى الجمهور بعودة (محمد الشرنوبي)، وتصدر اسمه قوائم البحث ومنصات التواصل الاجتماعي منذ الإعلان عن الألبوم، حيث رأى كثيرون أن الفنان عاد بثقة مختلفة، وصوت أكثر نضجًا، وشخصية فنية أصبحت أكثر وضوحًا.
وربما يكون عنوان الألبوم نفسه (بعد الليل) هو أفضل وصف لما مر به (محمد الشرنوبي) خلال السنوات الأخيرة.
فالليل هنا ليس مجرد وقت، بل مرحلة كاملة من المراجعة والتحديات والصمت، بينما تمثل العودة بداية صباح جديد لفنان اختار أن يبدأ من نفسه قبل أن يبدأ من أغانيه.
ويبقى الحكم الأخير، كما هو الحال دائمًا، للجمهور.. لكن المؤكد أن (محمد الشرنوبي) لم يعد الفنان نفسه الذي عرفناه قبل أربع سنوات، بل عاد وهو يحمل مشروعًا مختلفًا، وإيمانًا أكبر بنفسه، ورغبة واضحة في أن يترك بصمة لا تُقاس بعدد الأغنيات، بل بقدرتها على البقاء.