
* موسم صيف 2026 بين استسهال الكلمة، واستنساخ اللحن، و(AutoTune) فمن ينقذ الغناء المصري من التلوث السمعي؟
* الأغنية المصرية في غرفة الإنعاش.. )التريند(يقتل الخيال والذكاء الاصطناعي يهدد الملحن!

بقلم الكاتب: أحمد السماحي
كان الشاعر الكبير الراحل بيرم التونسي يملك منذ عشرات السنين قدرة نادرة على رؤية المستقبل من خلال سخريته اللاذعة، ولذلك تبدو صرخته الشهيرة: (يا أهل المغنى دماغنا وجعنا.. دقيقة سكوت لله) وكأنها لم تُكتب في زمن مضى، وإنما خرجت للتو من غرفة ستوديو غاضبة على إيقاع (التريند)، بعد الاستماع إلى جانب كبير من إنتاج صيف 2026!
المشكلة أن الأمر لم يعد مجرد اختلاف في الأذواق، ولا مجرد معركة أبدية بين جيل يرى أن زمنه كان أفضل وجيل جديد يريد أن يفرض لغته وموسيقاه. القضية أخطر من ذلك بكثير.
نحن أمام تحول في مفهوم صناعة الأغنية نفسها؛ من عمل فني يحتاج إلى شاعر لديه ما يقوله، وملحن لديه ما يضيفه، ومطرب لديه ما يشعر به، وموزع يعرف كيف يصنع من العناصر السابقة حالة موسيقية متكاملة، إلى منتج سريع مصمم في الأساس لكي يلتقطه الهاتف، وتلتقطه الخوارزمية، ثم يلتقطه (التريند) قبل أن ينساه الجمهور!
وهنا يصبح السؤال المؤلم: هل ما زلنا نصنع أغنيات تعيش في الذاكرة، أم مجرد مقاطع تعيش حتى موعد التريند التالي؟
الأغنية المصرية لم تكن يومًا مجرد وسيلة للتسلية… منذ أم كلثوم وعبدالحليم حافظ ومحمد عبدالوهاب ووردة ونجاة وشادية وفايزة أحمد، وصولًا إلى أجيال لاحقة، كانت الأغنية جزءًا من تكوين الوجدان المصري والعربي. كانت تحمل صورة شعرية، وفكرة، وحالة، وموقفًا، وأحيانًا قضية وطن بأكمله.
أما اليوم، فقد أصبح الهم الأكبر لدى قطاعات من صناعة الغناء هو: كم مشاهدة؟ كم مشاركة؟ كم مرة يمكن أن تتحول الجملة إلى (التريند)؟.. وهكذا أصبح «النجاح» في بعض الأحيان منفصلًا تمامًا عن القيمة الفنية.




أربع أغنيات أسيرة جملة واحدة
المشكلة أن الأمر لم يعد مجرد اختلاف في الأذواق، ولا مجرد معركة أبدية بين جيل يرى أن زمنه كان أفضل وجيل جديد يريد أن يفرض لغته وموسيقاه. القضية أخطر من ذلك بكثير.
والمتابع الدقيق للموسم الصيفي هذا العام 2026، يجد أن صرخة الشاعر الراحل بيرم التونسي الخالدة (يا أهل المغنى دماغنا وجعنا.. دقيقة سكوت لله) تخترق جدار الزمن لتلخص بدقة متناهية المشهد الراهن لصناعة الموسيقى والغناء في مصر.
فلم تعد الأزمة مجرد تراجع عابر في الذوق العام، بل تحولت إلى حالة معلنة من الإفلاس الفكري واللحني، غاب فيها الطرب الحقيقي لصالح صخب تجاري استهلاكي عابر، وافتقدنا الصورة الشعرية، والمفردات الجديدة.
وهذا راجع للأسف الشديد لأن كثير من المطربيين الحاليين، يغلب عليهم عدم الوعي والثقافة، فالأغنية عبر تاريخ الطرب العربي لم تكن مجرد كلمات تُلحن للتسلية أو الاستهلاك السريع، بل كانت تاريخياً قوة ناعمة حقيقية.
ومرآة تعكس وجدان الأمة، وأداة تربوية وثقافية تُشكل وعي الشباب وتؤثر في سلوكياتهم، ولقد حمل عمالقة الفن رسائل عميقة في حب الوطن، والأخلاق، والانتماء، وتجاوز الفن الصوتي ليكون خط دفاع أول عن الهوية والذوق العام.
إلا أن المشهد الغنائي المعاصر يشهد تحولات جذرية، يغلب عليها في كثير من الأحيان تراجع واضح في إدراك بعض المطربين الحاليين لقيمة الكلمة ونبل رسالتها، مما أفرز أزمة حقيقية في المحتوى المقدم للأجيال الجديدة.
وبات الشغل الشاغل للعديد من الأصوات الموجودة حاليا هو (التريند)، والأرقام القياسية للمشاهدات، والمظهر الاستعراضي السطحي ـ (اللوك) ـ، على حساب بناء لحني أو شعري يستفز العقل أو يثير وجدان المتلقي.
وتناولت كلمات العديد من الأغاني الحالية، مفاهيم مغلوطة حول العلاقات، واليأس، والمظاهر السلبية، مما يكرس قيماً هابطة ويغذي حالة من الفراغ الفكري لدى المراهقين والشباب.


سرقة بهاء الدين محمد ونادر عبد الله
وللأسف الشديد يتعامل الكثير من الفنانين بمنطق (الجمهور عايز كده)، متخلين عن دورهم الريادي في الارتقاء بالذائقة العامة وتقديم القدوة الحسنة.
ونادراً ما نجد أعمالاً تعبر عن قضايا الشباب الحقيقية، أو تعالج طموحاتهم، أو تقدم حلولاً ومعالجات فنية لإحباطات العصر، واقتصرت الغالبية العظمى من الأغاني على تيمات إستهلاكية، سبق وعالجت ألف المرات مثل الحب، والغزل، والفراق، والتباهي، والمفردات الاستعراضية الفارغة.
فضلا عن قيام كثير من الشعراء الحاليين بسرقة كثير من الجمل والمفردات من أغنيات سابقة لزملائهم الموجودين على الساحة، ولعل أكثر الشعراء الذين تسرق أعمالهم (بهاء الدين محمد، ونادر عبدالله)، وقريبا سننشر هذه السرقات.
المتابع للموسم الصيفي الحالي يجد أن لغة الأغنية المصرية انحدرت من رقي شعراء الأغنية الكبارـ الذين لو ذكرنا أسمائهم لإحتاجنا مجلدات كبيرة ـ إلى مفردات الشارع العشوائية، والكلمات المعلبة الإستهلاكية، والمفردات التافه التى تسعى لتكون (تريند).
وبرز في الموسم الحالي ظاهرتين أساسيتين تلفتان انتباه المتابعين، الأولى هي الاستسهال اللفظي، والتكرار المفرط لجمل بعينها، والثانية هي استنساخ الألحان، وتدوير التراث الغنائي القريب في قوالب جديدة.
فالمتابع لكم الأغنيات الكثير التى طرحت يجد سيطرة ظاهرة الاعتماد على الجمل الاستعراضية الخفيفة ذات الإيقاع الراقص بغرض ضمان النجاح السريع والتفاعل الجماهيري ـ (التريند) ـ، حتى وإن جاء ذلك على حساب المضمون الشعري.
وكأن الغرض الاعتماد على اللفظ الاستفزازي حتى يصبح الجدل والتريند هما المعيار الأول للنجاح، مما دفع صناع الأغنية للبحث عن الكلمات الأكثر غرابة وإسفافاً لجذب الانتباه عبر منصات التواصل الاجتماعي.
وتصدرت جملة (وله يا وله) المشهد الغنائي بعدما تكررت بصورة لافتة في أربع أغنيات مختلفة، لأربع مطربين من أجيال مختلفة هم (عمرو دياب، محمد حماقي، أحمد سعد، محمد الشرنوبي).
ويعكس هذا التكرار حالة من الإفلاس الإبداعي المؤقت لدى بعض صناع الأغنية، حيث يُلجأون إلى استنساخ التراكيب الناجحة سريعة الحفظ بدلاً من ابتكار صور شعريّة جديدة.



الذكاء الأصطناعي هو بطل الموسم
ورغم تحقيق هذه الأغنيات لأرقام مشاهدة مرتفعة على منصات التواصل الاجتماعي، إلا أنها تواجه انتقادات حادة بسبب تشابه المضامين وسطحيتها.
مع غياب شبه تام للأغنيات التى تتضمن قصص إنسانية عميقة أو مشاعر صادقة، باستثناء أغنيات قليلة جدا لأنغام، ولطيفة، وفرقة كاريوكي.
ما ذكرناه سابقا خاص بالكلمات، أما الألحان، فكان الذكاء الأصطناعي هو بطل الموسم بجدارة، سواء في كثير من الألحان أو التوزيع، مع استساغة “الاستظرف” الموسيقي، حيث غابت الجُمل اللحنية الطربية الأصيلة التي تميز الهوية المصرية (الشرقية).
ونشط الذكاء الأصطناعي بقوة في الأستديوهات، وحلت الإيقاعات الإلكترونية الصاخبة والمتشابهة إلى حد التطابق، وتكررت وقائع التشابه الصارخ أو اقتباس الألحان الغربية والشرقية دون إبداع حقيقي، مما أدى إلى حالة من (التلوث السمعي).
وتراجع دور الملحن المحترف، إلا قلة قليلة جدا تعد على أصابع اليد الواحدة، وتحولت الأستوديوهات إلى برامج هندسة صوتية تعتمد على تقنيات (AutoTune) تعديل أصوات من لا يمتلكون موهبة الغناء، مما ألغى الفارق بين المطرب المؤدي ومن لا صوت له.
برزت في صيف 2026 ظاهرة إعادة إحياء واستنساخ أعمال غنائية سابقة، فشاهدنا وسمعنا لحن الموسيقار الكبير صلاح الشرنوبي الشهير لأغنية (سلملي على الحبايب)، والتي قدمها صوتاً وطرباً الفنان نور مهنا عام 2006.
تم استنساخ ذات اللحن، مع تغيير التوزيع الموسيقي، وإعادة تقديمه بصوت سلطان الطرب (جورج وسوف) تحت عنوان (طمني على الحبايب)، والأغنيتين من كلمات الشاعر أحمد شتا.

الخوارزميات وأزمة الأغنية
مما لاشك فيه أن أزمة الأغنية الآن ترجع إلى هيمنة خوارزميات (التريند)، كما أن شركات الإنتاج ومنصات البث باتت تقيس النجاح بالأرقام والمشاهدات السريعة، مما جعلها تدعم الأنماط الهابطة التي تضمن الربح السريع بغض النظر عن قيمتها الفنية.
وتراجع دور نقابة المهن الموسيقية في فرض معايير حقيقية للجودة، وانهيار المنظومة الثقافية التي كانت ترعى المواهب الحقيقية.
مع تقاعد وابتعاد جيل العمالقة الكبار مثل (نجاة، ماجدة الرومي، جوليا بطرس، محمد الحلو، محمد ثروت، غسان صليبا، أحمد دوغان، لطفي بوشناق، مدحت صالح) وغيرهم من الكبار، وعدم ظهور بدائل بنفس الوزن الفني، فخلت الساحة أمام أصوات الفرقعة الإعلامية.

الكوبليه الأخير
تعيش الأغنية المصرية اليوم حالة من التيه الإبداعي والتراجع، فرغم وفرة الإمكانيات التكنولوجية الحديثة في التوزيع والتسجيل، إلا أن الفراغ الروحي والفكري بات هو السائد.
واستمرار هذا التراجع ينذر بتجريف الوعي الجمعي وإفراغ الأجيال الجديدة من حصانتهم الثقافية والفنية، وإذا استمر الحال على ما هو عليه، فإن مقولة (بيرم التونسي) التى بدأنا بها الموضوع، ستظل هي العنوان الأدق لمرحلة تاريخية تشهد تراجع القوة الناعمة الموسيقية الأهم في العالم العربي.
يا جماعة الخير الأغنية قادرة دائماً على العودة لدورها الريادي متى ما استشعر المطرب خطورة الكلمة وعظم أمانة الصوت، فالغناء الراقي ليس ترفاً، بل هو غذاء للروح وبوصلة تبني الإنسان والوطن.
وإلى الأسبوع القادم وقراءة جديدة في أغنيات الموسم الصيفي