(هاني شنودة).. الغائب الذي سيقود افتتاح (مهرجان الغردقة) بألحانه الخالدة


كتبت: سما أحمد
قبل أن تُضاء شاشة الافتتاح، وقبل أن يصفق الجمهور لأول فيلم في الدورة الرابعة، قرر (مهرجان الغردقة) لسينما الشباب أن يبدأ حكايته بنغمة… نغمة صنعت ذاكرة السينما المصرية. فالمهرجان لن يكتفي بعرض الأفلام، بل سيعيد الحياة إلى موسيقى ما زالت تسكن وجدان أجيال كاملة، عبر تحية خاصة لروح الموسيقار الكبير هاني شنودة، الذي غادر الدنيا، لكنه ترك خلفه إرثًا يصعب أن يغادر الذاكرة.
ففي افتتاح الدورة الرابعة لـ (مهرجان الغردقة)، المقرر إقامتها يوم 10 سبتمبر المقبل بقصر ثقافة الغردقة، ستتحول القاعة إلى مسرح يستعيد أشهر المقطوعات الموسيقية التي ارتبطت بأهم أفلام السينما المصرية، في لفتة وفاء لفنان كان أحد أبرز من أعاد تعريف الموسيقى التصويرية، وجعلها بطلاً خفيًا داخل الفيلم، لا مجرد خلفية للأحداث.
وسيقدم الفنان رضوان عبد الكريم باقة من أشهر مؤلفات هاني شنودة، تتصدرها موسيقى فيلم (الحريف) الذي اختاره المهرجان شعارًا لدورته الحالية احتفاءً بالذكرى العاشرة لرحيل المخرج الكبير محمد خان، إلى جانب مقطوعات خالدة من أفلام (المشبوه، شمس الزناتي، الأفوكاتو، عصابة حمادة وتوتو، لا عزاء للسيدات)، وغيرها من الأعمال التي صنعت جزءًا من الهوية السمعية للسينما المصرية.
ولم يكن اختيار هاني شنودة مجرد تكريم لفنان راحل، بل احتفاء بمؤسس مدرسة موسيقية كاملة، فمنذ سبعينيات القرن الماضي، نجح في كسر القوالب التقليدية للموسيقى العربية، وأدخل روحًا جديدة تمزج بين الحداثة والهوية المصرية، سواء من خلال ألحانه أو عبر تأسيسه فرقة المصريين التي غيّرت شكل الأغنية الشبابية، وقدمت أسماء أصبحت لاحقًا من أهم نجوم الغناء العربي.
كما لعب دورًا محوريًا في اكتشاف وصناعة مواهب عديدة، وكان من أوائل من آمنوا بأصوات جديدة صنعت فيما بعد تاريخًا فنيًا كبيرًا، بينما امتدت بصماته إلى عشرات الأفلام والمسلسلات التي أصبحت موسيقاها جزءًا لا يتجزأ من ذاكرة الجمهور.

تأثيره تجاوز حدود التأليف الموسيقي
وأكد السيناريست محمد الباسوسي، رئيس (مهرجان الغردقة) لسينما الشباب، أن الاحتفاء بهاني شنودة يأتي تقديرًا لفنان منح السينما المصرية جزءًا من روحها، مشيرًا إلى أن موسيقاه كانت أحد أهم عناصر نجاح العديد من الأفلام، وأن تأثيره تجاوز حدود التأليف الموسيقي ليصل إلى تقريب الموسيقى التصويرية من الجمهور، حتى أصبحت تُستمع إليها خارج قاعات السينما.
أما الكاتب الصحفي قدري الحجار، مدير (مهرجان الغردقة)، فأشار إلى أن هاني شنودة لم يكن مجرد ملحن أو مؤلف موسيقي، بل أحد أهم صناع الهوية الفنية الحديثة، مستشهدًا بالانتشار العالمي لمؤلفاته.
وعلى رأسها مقطوعة (لونجا 79) التي عادت إلى الواجهة عالميًا عندما استُخدمت في مسلسل (رامي)، وعُزفت خلال حفل توزيع جوائز Golden Globe عام 2020، لتؤكد أن الموسيقى المصرية قادرة على تجاوز الحدود والوصول إلى أهم المحافل الدولية.
ومن جانبه، أعرب الفنان رضوان عبد الكريم عن اعتزازه بتقديم هذه المقطوعات أمام جمهور (مهرجان الغردقة)، مؤكدًا أن عزف موسيقى هاني شنودة ليس مجرد أداء فني، بل مسؤولية تجاه تراث موسيقي صنع وجدان ملايين المشاهدين، وما زال يحتفظ ببريقه رغم مرور العقود.
ويحمل هذا التكريم دلالة خاصة، لأنه يأتي بعد أيام قليلة من رحيل هاني شنودة، ليؤكد أن الفنان الحقيقي لا تنتهي رحلته بغيابه، بل تبدأ مرحلة جديدة من الخلود، حين تتحول أعماله إلى جزء من ذاكرة وطن.
لقد رحل صاحب الألحان، لكن موسيقاه ما زالت تمشي في شوارع القاهرة، وتجري خلف أحمد زكي في (المشبوه)، وترافق عادل إمام في (الأفوكاتو)، وتمنح (الحريف) نبضه الخاص، وتعيد إلينا زمنًا كانت فيه الموسيقى تُكتب بحب، وتُعزف بإحساس، وتعيش للأبد.
وهكذا، يبعث (مهرجان الغردقة) لسينما الشباب برسالة مؤثرة مفادها أن السينما لا تُخلّد بالصورة وحدها، بل أيضًا بالنغمة التي تبقى في الذاكرة حتى بعد إسدال الستار، وأن هاني شنودة سيظل حاضرًا كلما عادت تلك الموسيقى لتعلن بداية فيلم.. أو بداية حكاية جديدة.