رئيس مجلس الادارة : محمد حبوشة
رئيس التحرير : أحمد السماحي

أحمد صبحي يكتب: (الحلم) الذى بدأ من شاشة صغيرة (4).. كان (الفن) يمر في أرواحهم!

أحمد صبحي يكتب: (الحلم) الذى بدأ من شاشة صغيرة (4).. كان (الفن) يمر في أرواحهم!
مدافع نفارين
أحمد صبحي يكتب: (الحلم) الذى بدأ من شاشة صغيرة (4).. كان (الفن) يمر في أرواحهم!
سبارتاكوس
أحمد صبحي يكتب: (الحلم) الذى بدأ من شاشة صغيرة (4).. كان (الفن) يمر في أرواحهم!
أحمد صبحي

بقلم الكاتب والسيناريست: أحمد صبحي

لم يكن الانتقال من حكايات الطفولة البسيطة، التي تشعل الخيال وتفتح أبواب المغامرة، إلى عوالم الفكر والفلسفة أمرًا سهلًا.. كانت نقلة مربكة وصعبة، كأن الإنسان يغادر شارعًا مليئًا بالألوان والضحكات ليدخل مدينة أخرى أكثر عمقًا وغموضًا من بوابة (الفن) التي تحتاج إلى التأمل أكثر مما تحتاج إلى الدهشة.

والغريب أن أغلب من كانوا يعيشون في منطقتنا كان (الفن) يمر في أرواحهم بطريقة أو بأخرى. كثيرون منهم أصبحوا لاحقًا ممثلين أو مخرجي مسرح أو موزعين موسيقيين أو كتاب سيناريو أو مهندسي صوت وديكور.. وكأن وجود أكاديمية الفنون والمعهد العالي للسينما بالقرب منا لم يكن مجرد صدفة جغرافية، بل تأثيرًا خفيًا يتسلل إلى أحلام سكان المنطقة جميعًا دون أن يشعروا.

كان أبي يحب السينما بشكل خاص، لكنه لم يكن يتحدث كثيرًا عن ذلك.. إلى أن جاء يوم جلس فيه بجواري يشاهد فيلم (مدافع نافارون)، الذي كان يُعرض وقتها باسم عربي تجاري هو (نضال الأبطال)، أخذ يشرح لي كل لقطة وكل حركة وكل جملة، يتحدث عن الكادرات والموسيقى والانفعال وكأنه عاش داخل الفيلم لا أمامه.. يومها شعرت أنني أكتشف أبي للمرة الأولى.

ثم فوجئت أنه شاهد أفلامًا ضخمة مثل كيلوباترا وسبارتاكوس وأنه كان مرتبطًا ببرامج مثل (نادي السينما، وأوسكار، واخترنا لك) التي كانت تقدمها الإعلامية اللامعة نجوى إبراهيم بالتناوب مع المذيعة الجميلة فريال صالح.

أحمد صبحي يكتب: (الحلم) الذى بدأ من شاشة صغيرة (4).. كان (الفن) يمر في أرواحهم!
ماكجيفر
أحمد صبحي يكتب: (الحلم) الذى بدأ من شاشة صغيرة (4).. كان (الفن) يمر في أرواحهم!
سيدتي الجميلة

حلقة من حلقات (ماكجيفر)

وكانت السهرة غالبًا تنتهي بحلقة أجنبية لا تُنسى؛ حلقة من حلقات (ماكيفر) أو رجل من اطلنتس أو (ملحوظة أنا أحبك، امرأة بمليون دولار، الرجل الأخضر)، كانت تلك الأعمال تبدو لنا وكأنها رسائل قادمة من عالم آخر أكثر اتساعًا وإثارة.

لكن كانت لدي أزمة أسبوعية حقيقية.. فبرنامج (أوسكار) كان يُعرض ليلة الخميس على القناة الثانية، بينما كانت القناة الأولى تعرض مسرحية في التوقيت نفسه.. وكان عليّ دائمًا أن أختار: هل أترك الفيلم من أجل المسرحية؟ أم أضحي بالمسرحية لأشاهد الفيلم؟

لكن الحقيقة أن الكفة كانت تميل بلا مقاومة إذا كانت المسرحية بطولة فؤاد المهندس وشويكار. وقتها كانت المسرحية تنتصر باكتساح.

شاهدنا (أنا وهو وهي، حواء الساعة 12، سيدتي الجميلة، السكرتير الفني)، وكنا نضحك بشكل هستيري، خصوصًا مع (سيدتي الجميلة) التي تحولت إلى جزء من ذاكرتنا الجماعية في صنوف (الفن) آنذاك.

وفي المقابل، أصبحت برامج مثل (العلم والإيمان) للدكتور مصطفى محمود شيئًا يشبه الطقوس المقدسة داخل البيت، وكذلك برنامج (العالم يغني، ومن أغاني الأفلام)، حيث بدأت الموسيقى ترتبط داخلنا بالصورة والدراما والمشاعر.

ولا أتذكر تحديدًا متى أصبحت روايات نبيل فاروق جزءًا أساسيًا من حياتنا اليومية.. فجأة صار (ملف المستقبل، ورجل المستحيل، والمكتب رقم 19) من ضروريات القراءة، وتحول نبيل فاروق إلى ظاهرة حقيقية بيننا.

أحمد صبحي يكتب: (الحلم) الذى بدأ من شاشة صغيرة (4).. كان (الفن) يمر في أرواحهم!
رجل المستحيل
أحمد صبحي يكتب: (الحلم) الذى بدأ من شاشة صغيرة (4).. كان (الفن) يمر في أرواحهم!
روايات عبير

رواية (رجل المستحيل)

كنا ننتظر أعداد الروايات كما ينتظر الناس مواعيد الأعياد.. وكان يكتب أيضًا سلاسل أخرى مثل (كوكتيل 2000) بينما ظهرت روايات رومانسية بعنوان (عبير)، ثم جاءت سلسلة (زهور) كنسخة موازية، لكنها لم تستطع أن تأسرنا كما فعل (رجل المستحيل) و(المكتب رقم 19).

ارتبطنا بالشخصيات بشكل غير منطقي؛ أصبحت (منى، أدهم صبري، سونيا جراهام) شخصيات حقيقية بالنسبة لنا.. كنا نتناقش حولهم كما لو كانوا يعيشون بيننا، ونتخيل من يصلح لأداء أدوارهم لو تحولت الروايات إلى أفلام.

كنا نرى أن نادية الجندي هى الأنسب لشخصية سونيا جراهام، بينما بدت هالة فؤاد الأقرب لشخصية منى.. أما أدهم صبري فكان أزمة حقيقية بالنسبة لنا، لأننا كنا نراه نسخة مصرية من جيمس بوند، ولم نكن نجد ممثلًا مصريًا يملك، من وجهة نظرنا وقتها، المواصفات الجسدية المناسبة لهذا البطل الأسطوري.

لكن كل ذلك لم يمنعنا من الصعود خطوة أخرى نحو أدب أكثر عمقًا ونضجًا.. هناك اكتشفنا سحر عبد الحميد جودة السحار، ووقعنا في أسر روايات إحسان عبد القدوس.. وكنا كلما شاهدنا فيلمًا مأخوذًا عن رواية لإحسان نتسابق لشراء الرواية، لا لنقرأ القصة فقط، بل لنكتشف الفارق بين الأدب والسينما، بين الكلمة والصورة، وبين ما يكتبه الروائي وما يضيفه المخرج على الشاشة من مختلف أنواع (الفن).,

وفي ليالي القاهرة الجميلة، كنا نجلس داخل السيارات نراقب أفيشات الأفلام والمسرحيات المضيئة في الشوارع، ونتأمل وجوه النجوم المعلقة على الجدران، ونتمنى في سرّنا أن يتحرك الزمن سريعًا.. حتى يصبح لنا يومًا ما مكان بين تلك الأفيشات الساحرة.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.