أحمد صبحي يكتب: (الحلم) الذى بدأ من شاشة صغيرة (8).. طباعة (الكتاب)


بقلم الكاتب والسيناريست: أحمد صبحي
وكان عليّ أن أدفع المال لدار النشر على أقساط متتالية حتى يكتمل المبلغ وتتم طباعة (الكتاب)، وفي الوقت نفسه كنت أشتري الكتب التي أحبها، وأحاول أن أجد مساحة صغيرة أتعافى فيها من النقد المستمر الذي كان يرهقني ويجعل عقلي أحيانًا يطلب مني الاستسلام والتراجع.
وهنا ظهر أثر الفلسفة الحقيقي في حياتي.. كانت تمنحني يقينًا داخليًا بنفسي، وتؤكد لي أن البحث عن الذات هو الطريق الأصعب… لكنه الطريق الوحيد الذي يستحق أن يُسلك هو صناعة (الكتاب).
وفي تلك الفترة كتبت بعض القصص القصيرة التي كانت تعبر عن حالتي النفسية، وكانت أولى تلك القصص بعنوان شرخ فى جدار النفس.. كنت أبحث عن طريقة أتعافى بها من الكلمات الهدامة التي كانت تطاردني.
وكان لي صديق يذهب إلى الإسكندرية ضمن معسكرات تنظمها وزارة الشباب والرياضة، فسألته إن كان بإمكاني الذهاب معه، خصوصًا أن رسوم الاشتراك كانت بسيطة جدًا.
وبالفعل دفعت الرسوم لطباعة (الكتاب)، وذهبت قبل موعد السفر بيوم إلى مركز شباب الجزيرة، حيث كان من المفترض أن نتلقى التعليمات الخاصة بالمعسكر.
وفي الاجتماع طلبوا من كل شخص أن يعبر عن موهبته.. التفت إليّ صديقي وقال: احكِ لهم قصة.

أول جائزة أحصل عليها
لا أعرف لماذا وافقت بهذه السرعة، لكنني صعدت إلى المسرح، وبدأت أحكي شرخ في جدار النفس.. كانت القصة تتحدث عني دون أن أقول ذلك صراحة.. عن إنسان يعيش بين الوهم والحقيقة، وعن شخص لم يعد قادرًا على التعايش مع نفسه، حتى بات يتحدث إلى ذاته أكثر مما يتحدث إلى الآخرين.
كنت أحكي لهم قصة (الكتاب).. لكنني في الحقيقة كنت أحكي لنفسي.. وتفاعل الجميع مع القصة بشكل لم أتوقعه، خصوصًا مع النهاية، حين اكتشف الحاضرون أن الشخص الذي يعاني.. والشخص الذي يحاول علاجه.. هما شخص واحد.
وكانت تلك أول جائزة أحصل عليها في حياتي عن قصة قصيرة.. لم أصدق أن هناك من استمع إليّ فعلًا.. ومن شعر بما أكتبه.. والأجمل أن الجائزة كانت مقدمة من رئيس مركز شباب الجزيرة نفسه في ذلك الوقت.. ثم سافرت إلى المعسكر، وهناك شعرت للمرة الأولى أنني لست غريبًا بالكامل.
كنت نجم المعسكر بلا منازع.. وفي تلك المرحلة بدأت قراءاتي تتسع أكثر، فقرأت لـ أمل دنقل، وأحمد مطر، وأحمد فؤاد نجم.. كما أصبحت الدراما التليفزيونية عالمًا ساحرًا بالنسبة لي.. كان هناك مسلسل يُعرض في السابعة مساءً، وآخر في الواحدة ظهرًا، وكأن التليفزيون نفسه أصبح مدرسة موازية للحياة.
وحين عدت من المعسكر كنت أكثر قوة من أي وقت مضى.. قررت أن أواصل عملي كمندوب مبيعات في دار النشر، لكن هذه المرة كان هناك شيء مختلف بداخلي.. شيء يؤكد لي أن ما أفعله هو عين الصواب.
أنف وثلاث عيون وسمارة
وانطلقت مع عصام في سيارته نجوب محافظات مصر للدعاية لكتب المؤسسة، وكانت تلك الرحلات فرصة لرؤية أماكن كان من المستحيل أن أزورها في الظروف العادية، لكن الأمتع من الطريق نفسه كان الراديو.. كان الراديو رفيق السفر الدائم.كنا نستمع إلى إعادة المسلسلات الإذاعية مثل (أنف وثلاث عيون وسمارة)، وفي الليل كانت تأخذنا أغاني أم كلثوم إلى عالم آخر.
وأحيانًا كنا نستمع إلى حلقات ألف ليلة وليلة بصوت زوزو نبي،. وكان خيال (ألف ليلة وليلة) يحملني بعيدًا، كأنني استطعت أخيرًا أن أخترق كل الحواجز والسدود التي كانت تحاصرني.
وبقي السؤال معلقًا داخلي: هل أستطيع حقًا؟.. أم أن الطريق ما زال غارقًا في الضباب؟