


بقلم الدكتور: محمد الطربيلي
هناك فنانون نراهم على الشاشة فنبتسم، وهناك فنانون يدخلون الذاكرة دون استئذان، فيصبح حضورهم جزءًا من وجدان الناس، وتتحول جملة قالوها في فيلم قديم إلى (إفيه) يتناقله الناس جيلاً بعد جيل، ومن هؤلاء يأتي (توفيق الدقن).. ذلك الرجل الذي ربما لم يحصل في حياته على المساحة التي يستحقها فوق أفيشات الأفلام، لكنه حصل على شيء أكبر وأبقى: مكان لا ينازعه عليه أحد في ذاكرة الجمهور.
لم يكن البطل التقليدي، ولم يكن صاحب الوسامة التي صنعت نجومية كثيرين، ولم يكن في حاجة إلى أن يقف طويلًا أمام الكاميرا حتى يثبت أنه ممثل كبير. كانت لديه موهبة من نوع آخر؛ موهبة تجعل الشخصية التي يؤديها تبدو وكأنها خرجت من الشارع المصري نفسه، بضحكتها، وشرّها، وارتباكها، وطمعها، وطيبتها أحيانًا.. كان (توفيق الدقن) واحدًا من أولئك الذين حوّلوا الدور الثاني إلى بطولة كاملة.
ولد توفيق أمين الدقن في 18 مايو 1923 في قرية (هيلانة) التابعة لمركز بركة السبع بمحافظة المنوفية، ونشأ في أسرة مصرية بسيطة.. انتقلت الأسرة بعد ذلك إلى القاهرة، وهناك بدأت ملامح شخصية الطفل الذي سيصبح لاحقًا واحدًا من أشهر وجوه السينما المصرية.
لم تكن الطريق مفروشة بالورود، ولم يكن أمامه منذ البداية مستقبل فني مضمون. لكنه كان يحمل شيئًا لا يُشترى: موهبة التمثيل.. التحق بمعهد التمثيل، وكانت علاقته بالمسرح محطة شديدة الأهمية في تكوينه الفني، قبل أن تتوالى خطواته في الإذاعة والمسرح والسينما والتليفزيون.
وهنا يمكن أن نفهم جانبًا مهمًا من عبقرية (توفيق الدقن)؛ فهو لم يكن مجرد ممثل سينمائي يعتمد على ملامحه أو طريقته في الكلام، وإنما كان ممثلًا حقيقيًا تشكل على خشبة المسرح، والمسرح، كما يعرف أهل المهنة، مدرسة لا ترحم.


الشرير الذي أحبه الناس
فوق الخشبة لا توجد فرصة لإعادة المشهد، ولا يستطيع الممثل أن يختبئ خلف المونتاج، ولذلك فإن الممثل المسرحي الجيد يستطيع أن يصنع شخصية كاملة من الصوت والجسد والنظرة والحركة.
وهذا تحديدًا ما امتلكه توفيق الدقن.. الشرير الذي أحبه الناس.. قد يبدو الأمر غريبًا.. كيف يمكن لجمهور أن يحب ممثلًا ارتبط في أذهانهم بأدوار البلطجي والفتوة والنصاب والشرير واللص؟.. لكن هنا تحديدًا كانت عبقرية (توفيق الدقن).
لقد أدرك مبكرًا أن الشرير ليس مجرد رجل يصرخ ويهدد الآخرين، وإنما شخصية لها تفاصيلها الإنسانية.. كان يضيف إلى الشخصية لمسة ساخرة، أو نظرة ماكرة، أو حركة جسد، أو طريقة خاصة في نطق كلمة واحدة، فيخرج الشرير من الصورة النمطية ويتحول إلى شخصية لها روح مستقلة.
وهكذا لم يعد المشاهد يتذكر (اسم الشخصية) فقط، وإنما يتذكر توفيق الدقن نفسه، وكانت هذه واحدة من أكبر مفارقات مسيرته.. فقد كان كثير من نجوم زمانه يدخلون الفيلم ليؤدوا أدوار البطولة، بينما كان الدقن يدخل ليؤدي شخصية ثانوية، ثم يخرج الجمهور من السينما وهو يتحدث عنه.. وهنا كانت النجومية الحقيقية.
من الصعب الحديث عن (توفيق الدقن) دون الحديث عن قاموسه الخاص من الإفيهات والجمل التي التصقت به (أحلى من الشرف مفيش، صلاة النبي أحسن، يا آه يا آه)، وجمل أخرى كثيرة أصبحت جزءًا من الثقافة الشعبية المصرية.
لكن المسألة ليست في الكلمات وحدها، فلو قال ممثل آخر الجملة نفسها ربما مرت مرور الكرام، لكن (توفيق الدقن) كان يمتلك طريقة خاصة في صناعة الجملة.. نبرة صوته، وانحناءة وجهه، وحركة يده، وتوقيت الكلمة، والوقفة التي تسبقها أو تعقبها.. كل ذلك كان جزءًا من الجملة، ولهذا بقيت الجملة بعد رحيله.
لقد كان يصنع (الإفيه) من الشخصية، وليس من الورق فقط.. وهذا فرق هائل.. العتبة جزاز).. و(همبكة).. لغة توفيق الدقن الخاصة، ومن العلامات المميزة في شخصية (توفيق الدقن) أنه لم يكن مجرد ممثل ينطق الحوار المكتوب، بل كان قادرًا على تحويل الحوار إلى بصمة شخصية.


كلماته أصبحت مرتبطة به
وحتى عندما لا يتذكر الناس اسم الفيلم، فإنهم يتذكرون الجملة، وهذه واحدة من أعلى درجات النجاح بالنسبة لأي فنان، فالفيلم قد يختفي من شاشات العرض، لكن الجملة تظل حية على ألسنة الناس، ولعل هذا يفسر لماذا ما زال توفيق الدقن حاضرًا حتى الآن في (الكوميكس) ومقاطع الفيديو ووسائل التواصل الاجتماعي.
الرجل الذي رحل منذ سنوات طويلة ما زال يعيش في لغة المصريين اليومية.. لم تكن رحلة توفيق الدقن السينمائية منفصلة عن المسرح، فقد عمل في المسرح وشارك في العديد من العروض، وارتبط اسمه بفرق مسرحية مهمة، كما عمل في الإذاعة والتليفزيون.
ومن أعماله السينمائية التي رسخت حضوره في وجدان الجمهور: (سر طاقية الإخفاء، ابن حميدو، في بيتنا رجل، الأرض، مراتي مدير عام، أفواه وأرانب) وغيرها من الأعمال التي كشفت عن قدرته على التنقل بين الكوميديا والدراما والأدوار المركبة، وفي كل مرة كان يثبت أنه ليس (ممثل إفيه) كما قد يتصور البعض.
كان ممثلًا يستطيع أن يضحكك، ثم يفاجئك في المشهد التالي بقدرة درامية حقيقية، وهذا تحديدًا ما ظهر في أعماله التي قدم فيها شخصيات أكثر عمقًا من الصورة الكوميدية الشائعة عنه.
من الظلم أن نضع توفيق الدقن في خانة واحدة.. فهو لم يكن مجرد بلطجي سينمائي، ولم يكن مجرد شرير، ولم يكن مجرد كوميديان.. كان ممثلًا يمتلك قدرة نادرة على تلوين الشخصية.. قد تجده في لحظة قاسيًا، ثم تكتشف في اللحظة التالية أنه جبان، وقد يظهر في مشهد باعتباره رجلًا شديد القوة، ثم تكشف التفاصيل عن إنسان ضعيف أمام موقف معين.
وهذه المنطقة الرمادية هي التي جعلت شخصياته قابلة للتصديق، فالحياة نفسها لا تعرف الشخصيات ذات اللون الواحد.. ليس كل شرير شريرًا طوال الوقت، وليس كل طيب طيبًا طوال الوقت.. و(توفيق الدقن) فهم هذه الحقيقة بالفطرة.
لماذا لم يحصل على النجومية التي يستحقها؟: السؤال هنا مشروع.. كيف لم يتحول توفيق الدقن إلى (نجم أول) بالمعنى التقليدي رغم موهبته وشهرته؟.. ربما لأن صناعة السينما في عصره كانت شديدة الارتباط بصورة (البطل) التقليدي.. البطل الوسيم، صاحب الاسم الكبير، الذي يحمل الفيلم على كتفيه.


لم يكن نجم شباك
أما الدقن فكان شيئًا مختلفًا.. كان نجم الشخصية، وهذا النوع من النجوم لا يحتاج إلى البطولة المطلقة حتى يثبت وجوده، لكن المشكلة أن تاريخ السينما أحيانًا يظلم هذا النوع من الفنانين عند كتابة صفحات النجومية.. فقد يحصل البطل على مساحة أكبر، بينما يحصل ممثل الشخصية على مساحة أقل، رغم أن الجمهور قد يتذكره أكثر.
وهنا تظهر المفارقة: (توفيق الدقن) لم يكن نجم شباك بالمعنى التقليدي.. لكنه كان نجم ذاكرة.. والنجومية الحقيقية، في رأيي، هي أن تبقى بعد أن يختفي كل شيء.. الرجل الذي لم يترك نفسه لشخصياته.
من المعلومات المهمة عن حياة (توفيق الدقن) أنه كان يعيش حياته بعيدًا عن الصورة التي صنعتها السينما له، وهذه نقطة تستحق التأمل، فالفنان الذي اشتهر بتجسيد اللص والبلطجي والشرير كان في حياته الخاصة شخصًا مختلفًا، شديد الارتباط بأسرته وحياته الخاصة، وحرص على أن تكون له حياة بعيدة عن صخب الشهرة، وهذا يؤكد أن الممثل العظيم لا يشبه الشخصية التي يؤديها بالضرورة.
إنه فقط يستطيع أن يدخل عالمها ثم يخرج منه.. وهذه هي المهنة.. في سنواته الأخيرة، عانى (توفيق الدقن) من المرض، وابتعد تدريجيًا عن الأضواء، لكنه لم يبتعد عن ذاكرة الناس.. رحل في 26 نوفمبر 1988، عن عمر ناهز الخامسة والستين عامًا.. رحل الجسد، لكن الشخصيات بقيت.
وهذه هي المعجزة التي يبحث عنها كل فنان.. أن يموت الإنسان ويبقى الفن.. أن تنتهي حياته وتستمر جمله.. أن يمر الزمن ولا يستطيع أحد أن يمحو ملامحه من الذاكرة.
لماذا ما زال توفيق الدقن حيًا؟.. لأن (توفيق الدقن) لم يكن يؤدي شخصيات بعيدة عن الناس.. كان يأخذ نماذج من المجتمع المصري ويعيد تقديمها على الشاشة.. كان في صوته شيء من (ابن البلد)، وفي ضحكته شيء من الشارع، وفي حركاته شيء من الفهلوة المصرية، وفي شره شيء من الشخص الذي نعرفه جميعًا، وربما تعاملنا معه يومًا.
ولهذا صدقه الناس.. ولهذا أحبوه.. ولهذا لم يحتاجوا إلى أن يكون بطل الفيلم حتى يعتبرونه نجمًا.


الدقن.. مدرسة في صناعة الحضور
هناك ممثلون يحتاجون إلى دقائق طويلة حتى يثبتوا وجودهم، و(توفيق الدقن) كان يحتاج إلى ثوانٍ.. يدخل الكادر، يرفع حاجبه، يقول كلمتين، فتتغير حرارة المشهد، وهذا ليس حظًا.. هذه هى الكاريزما.
والكاريزما ليست جمالًا فقط.. الكاريزما أن يكون لك حضور لا يستطيع المشاهد تجاهله.. وهذا ما امتلكه الدقن بامتياز، لذلك فإن الحديث عنه اليوم ليس مجرد استعادة لذكريات أفلام الأبيض والأسود.. إنه حديث عن موهبة مصرية خالصة صنعت لنفسها مكانًا لا يزال موجودًا رغم تغير الزمن والذوق ووسائل المشاهدة.
ربما كانت أعظم مفارقة في حياة (توفيق الدقن) أنه لم يحتج إلى لقب (البطل الأول) كي يكون بطلًا.. لم يحتج إلى أن يتصدر الأفيش.. لم يحتج إلى عشرات المشاهد.. لم يحتج حتى إلى قصة تدور حوله.. كان يستطيع أن يأخذ مشهدًا صغيرًا ويتركه كبيرًا.. كان يستطيع أن يقول جملة عابرة، فيحفظها الجمهور لعشرات السنين.. كان يستطيع أن يؤدي شخصية هامشية، فيصبح هو العلامة الأهم فيها، وهنا تكمن عظمة الموهبة.
في النهاية.. توفيق الدقن ليس مجرد اسم في أرشيف السينما المصرية.. إنه حالة فنية.. ممثل استطاع أن يجعل من الشر كوميديا، ومن الكوميديا مرآة للمجتمع، ومن الجملة العابرة علامة لا تموت.
وإذا كانت النجومية تقاس بعدد البطولات، فقد يكون الدقن قد ظلمته المقاييس، أما إذا كانت النجومية تقاس بقدرة الفنان على البقاء في ذاكرة الناس، فإن توفيق الدقن واحد من أكبر نجوم السينما المصرية على الإطلاق.
لقد رحل منذ عقود..، لكن جملته ما زالت تُقال، وضحكته ما زالت تُسمع، وشخصياته ما زالت تتحرك أمام أعيننا، وكأن الرجل لم يرحل.، وكأن السينما المصرية قالت له ذات يوم: خذ دورك.. ولو كان صغيرًا.. فأخذ الدور الصغير.. وصنع منه تاريخًا كبيرًا.