

بقلم الكاتب الصحفي: محمود حسونة
إذا كانت إسرائيل تحرص دوماً على إظهار نفسها للعالم في صورة الدولة القوية التي تحارب على عدة جبهات وتقتل وتبيد، فإن حقيقتها أنها دولة كرتونية هشة ضعيفة مخلخلة، فقط تمتلك القوة الغاشمة، والدليل على ذلك أنها هاجت وماجت بسبب فيلم وثائقي وهو فيلم (نازا) الذي زلزل قادتها وحكومتها وخرج مسؤوليها وعلى رأسهم نتنياهو ووزراءه وقادة جيشه ليتوعدوا مخرجيه بالويل والثبور وعظائم الأمور.
مهما حاولت إسرائيل التعتيم على جرائمها في حربها على غزة فإن هذه الحرب ستظل سبة في جبين دولة الاحتلال والضمير الدولي الصامت؛ حربٌ لم تكن يوماً تستهدف عناصر مسلحة لحركة حماس بقدر ما كانت تستهدف كل إنسان يعيش داخل القطاع المحاصر، بصرف النظر عن عمره، جنسه، أو عدم تعاطفه مع الفصائل المسلحة. تحول كل غزيّ في نظر المنظومة الأمنية إلى مجرد رقم مباح في بنك أهداف خوارزمي أصم.
وسط هذا الانهيار الأخلاقي لمجتمع فَقَدَ إنسانيته وانقاد لخطاب الكراهية، يجيء الفيلم الوثائقي البريطاني (نازا NAZA) من قلب إسرائيل كالشهادة السينمائية الأشرس التي وثقت فظائع الإبادة الجماعية.. الأهمية الكبرى لهذا الفيلم اليوم، لا تكمن فقط في كونه أول وثيقة سينمائية تستخدم لغة الفن لتعرية الجلاد، بل في كونه العمل الذي أحدث زلزالاً وجودياً كشف عن هشاشة إسرائيل وفزعها المطلق من الحقيقة.

زلزال في (البندقية)
حقق الفيلم الذي أخرجه الإسرائيلييْن يوفال أبراهام وراشيل تسور وأنتجته صحيفة “الغارديان” البريطانية صدمة أخلاقية هزت كل من شاهدوه. لم يكن تفاعل الحضور في مهرجان البندقية السينمائي الدولي الذي أختتم مؤخراً عادياً؛ بل تُرجم هذا الذهول إلى تصفيق حار ومتواصل امتد لـ 25 دقيقة كاملة خلال عرض الفيلم، وهو تعبير جماعي عن الإنصاف لضحايا الإبادة.
هذا الاحتفاء الاستثنائي توّجه المهرجان بمنح الفيلم “جائزة لجنة التحكيم الخاصة”، وهي إحدى أرفع الجوائز الدولية التي تؤكد القيمة الفنية البالغة لهذا العمل.
الصحافة العالمية تفاعلت مع الفيلم باهتمام مثير؛ حيث وصفت (الجارديان) العمل بأنه (وثائقي تقشعر له الأبدان)، يكشف كيف تحول البشر إلى مجرد أرقام وجداول بيانات داخل منظومة قتالية آلية غابت عنها الروح الإنسانية، ووصفت منصة (سكرين ديلي) الفيلم بأنه (ضربة قوية في أمعاء المنظومة العسكرية).
أما مجلة (ذا هوليوود ريبورتر) فقد اعتبرت (نازا) الوثيقة السينمائية الأهم لفهم طبيعة الحروب الحديثة في القرن الحادي والعشرين، حيث يتم تجريد الضحايا من إنسانيتهم عبر خوارزميات صماء تديرها الدولة لقتل أكبر عدد من المدنيين لأجل مسلح واحد.

عندما تزلزل الكاميرا أركان (الدولة المدججة)
رد الفعل الإسرائيلي لم يكن مجرد غضب إعلامي عابر، بل تحول إلى أزمة سياسية وعسكرية طاحنة كشفت عن رعب المنظومة من فضح أسرارها.. لقد تدخل الجيش الإسرائيلي بقوة في الأزمة؛ حيث أصدر رئيس الأركان أمراً عاجلاً بفتح تحقيق وإعداد (حملة مضادة) شرسة، وكأنه يصدر أمراً بعملية عسكرية أو يخوض حرباً جديدة على جبهة القتال.
هذا التحرك العسكري يعكس بوضوح كيف ترى إسرائيل في (الكاميرا) خطراً يوازي الصواريخ، وخرج رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو بتصريح مباشر يؤكد فيه أن الفيلم يشكل (خطراً مباشراً على أمن وسمعة جنود الجيش الإسرائيلي)، في اعتراف ضمني بأن الحقائق المخفية التي ظنت حكومته أنها ستبقى طي الكتمان قد طفت على السطح.
ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل تقدم وزير الثقافة والرياضة ميكي زوهار بطلب رسمي وفوري لسحب الجنسية الإسرائيلية من المخرجين يوفال أبراهام وراشيل تسور، بتهمة (الخيانة العظمى والكراهية الذاتية)، في محاولة لعقاب كل من يجرؤ على قول الحقيقة أمام العالم.

24 شهادة
قوة فيلم (نازا) القاتلة للاحتلال في أنه لا يعتمد على روايات الضحايا، بل يرتكز بالأساس على شهادات حية ومسجلة لـ 24 عنصراً وضابطاً من داخل الجيش والمخابرات الإسرائيلية.
هؤلاء الشهود كشفوا كيف تعمل أنظمة الذكاء الاصطناعي مثل نظام (لافندر) ونظام التتبع (أين أبي؟) لتحويل عمليات التصفية إلى خط إنتاج آلي سريع يبيح قتل عشرات المدنيين والنساء والأطفال مقابل استهداف شخص واحد دخل بيته ليلاً؛ حيث اشتق اسم الفيلم من اختصار عسكري عبري يشير إلى عدد المدنيين المتوقع قصفهم كـ (أضرار جانبية) في كل غارة.
هذه الشهادات السرية تؤكد أنه حتى داخل الأجهزة الأمنية الأكثر انغلاقاً وتطرفاً، توجد عناصر مارست عملها إذعاناً وخوفاً، ولكنها حينما رأت تجاوز الظالمين كل مدى وانفلات الوحشية بلا ضوابط أخلاقية، لم تستطع الصمت، فقررت فضح الآلة التي شاركت فيها.
وفي تصريح مؤثر يعكس هذه العقيدة، قال المخرج يوفال أبراهام: (لقد اخترنا أن تكون هذه الشهادات باللغة العبرية تحديداً، لأننا نريد من المجتمع الإسرائيلي بالدرجة الأولى أن يستمع لجنوده، وأن ينظر بصدق ووضوح إلى حقيقة الفظائع التي ارتكبت باسمه في قطاع غزة، فالصمت هنا تواطؤ).


السينما سلاح المحاسبة
الاستنفار العسكري والسياسي الإسرائيلي ضد الفيلم يثبت أن دولة الاحتلال تستعد اليوم لخوض حرب تزييف (بروباجندا) جديدة.. إنها حرب تسعى لإعادة تجميل الصورة المشوهة واستخدام نفوذها التقليدي لفرض رقابة دولية على الرواية؛ غير أن هذا الزمان قد ولى.
السينما اليوم، ويؤازرها الإعلام الرقمي الجديد وشبكات التواصل الاجتماعي، تتحول إلى أهم الأدوات التي تفضح إسرائيل وتكشف عورة جرائمها، ولن تنجح حملات الرقابة ولا قرارات سحب الجنسية في إفراغ الفيلم من أثره.
لن يكون (نازا) الفيلم الأخير، بل لعله حجر الأساس لموجة سينمائية قادمة، إسرائيلية وعالمية، ستواصل تفكيك بنية الاحتلال. السينما اليوم تستعيد دورها الأصيل كضمير للإنسانية وسجل للعدالة، لتثبت للعالم أن دماء الأبرياء في غزة لن تذهب هباءً، وأن آلة التكنولوجيا الباردة لن تنتصر على الحقيقة الموثقة بالصوت والصورة والشهادة الحية من قلب معسكر الجلاد.