رئيس مجلس الادارة : محمد حبوشة
رئيس التحرير : أحمد السماحي

عمر عبيد غباش يكتب: دور الفن والدراما في سرد الوجع!

عمر عبيد غباش يكتب: دور الفن والدراما في سرد الوجع!
دفع المواطن العربي في كثير من الأحيان الثمن الأكبر؛ من أمنه واستقراره

بقلم المسرحي الإماراتي: عمر عبيد غباش

شهد الموقف الدولي من الحرس الثوري الإيراني تحولاً لافتاً خلال السنوات الأخيرة، ولم يعد الجدل حوله مقتصراً على دوره العسكري داخل إيران، بل امتد إلى نشاطه خارج حدودها وعلاقته بالجماعات المسلحة وشبكات النفوذ في عدد من دول المنطقة، وهو ما يستدعي أن تجسد تلك الأحداث في نوع من (الدراما) السوداء.

وقد صنفت الولايات المتحدة الحرس الثوري منظمة إرهابية أجنبية عام 2019، ثم تبعتها كندا ودول أخرى. ولكن بعيداً عن الجدل السياسي والقانوني حول التصنيف، يبرز أمامنا سؤال من نوع آخر: أين الفن والثقافة والدراما العربية من كل ما جرى ويجري في منطقتنا، وخاصة (الدراما).

لقد عانت دول عربية خلال العقود الماضية من الحروب والصراعات والجماعات المسلحة والتدخلات الخارجية، ودفع المواطن العربي في كثير من الأحيان الثمن الأكبر؛ من أمنه واستقراره وتعليمه واقتصاده ومستقبل أبنائه، بل في كثير من الأحيان حياته وحياة أحبائه.

وهنا أعتقد أن للفن  و(الدراما) دوراً لا يقل أهمية عن أدوار السياسة والإعلام في كشف خبايا ما يدور وما يُحاك ضد الشعوب العربية. فالسينما والدراما التلفزيونية والمسرح والأعمال الوثائقية تستطيع الاقتراب من الإنسان الذي يقف خلف الأحداث والأخبار، وأن تقدم للمشاهد العربي صورة أعمق عن انعكاسات الصراعات والتدخلات الخارجية على حياته.

عمر عبيد غباش يكتب: دور الفن والدراما في سرد الوجع!
يأتي الفن ليمنح الضحايا أسماء ووجوهاً وحكايات، بصورة قد تكون أبلغ من عشرات الخطب

التفاصيل الإنسانية الصغيرة

فالخبر السياسي قد يخبرنا عن اندلاع مواجهة أو سقوط مدينة أو سيطرة جماعة مسلحة على منطقة، لكنه غالباً لا يستطيع أن ينقل لنا التفاصيل الإنسانية الصغيرة التي تختبئ خلف الخبر.. وهنا يأتي الفن ليمنح الضحايا أسماء ووجوهاً وحكايات، بصورة قد تكون أبلغ من عشرات الخطب وليجعل المشاهد يعيش التجربة بدلاً من أن يكتفي بسماع أرقامها.

لماذا لا نشاهد أعمالاً في (الدراما) العربية تتناول، استناداً إلى وقائع موثقة، كيفية نشوء الجماعات المسلحة وتمويلها؟ وكيف يُستقطب الشباب إليها؟ وكيف تتحول بعض الشعارات إلى وسيلة للتأثير في عقولهم وتجنيدهم؟ وما تأثير انتشار السلاح خارج سلطة الدولة على حياة المواطن؟ وكيف تتحول بعض المدن والمجتمعات إلى ساحات لصراعات لا علاقة للإنسان البسيط بها؟

وفي رأيي ومن خلال تجربتي الشخصية الطويلة في العمل المسرحي والدرامي، يمكن لـ (الدراما) أن تأخذنا إلى أسرة فقدت منزلها أو عزيزاً عليها، أو شاب وجد نفسه أمام جماعة تحاول تجنيده، أو تاجر انهارت أعماله بسبب هذه الصراعات، أو طفل حرمته الحرب من مدرسته، أو أم تنتظر عودة ابنها الذي أخذته حرب لم يخترها.. ومن خلال هذه الحكايات نستطيع فهم النتائج الإنسانية والاجتماعية والاقتصادية للصراع بصورة قد تكون أبلغ من عشرات الخطب والتقارير السياسية.

والأمثلة أمامنا كثيرة في العراق وسوريا ولبنان واليمن وغيرها من الدول العربية، وهى ليست مجرد ملفات سياسية نقرأ عنها في نشرات الأخبار، بل تجارب إنسانية قاسية عاشها ملايين العرب وما زالت آثارها حاضرة في حياتهم حتى اليوم.

وإذا كانت هناك ممارسات منسوبة إلى الحرس الثوري أو إلى جماعات مرتبطة به في هذه الدول، فإن تناولها فنياً يجب أن يقوم على البحث والتوثيق والحقائق والشهادات الموثوقة، لا على المبالغة أو التحريض.. فالفن يفقد مصداقيته عندما يتحول إلى منشور سياسي أو أداة دعائية، مهما كانت عدالة القضية التي يحاول الدفاع عنها.

 عمر عبيد غباش يكتب: دور الفن والدراما في سرد الوجع!

عمر عبيد غباش يكتب: دور الفن والدراما في سرد الوجع!
تقع مسؤولية كبيرة على كتّاب (الدراما) والسينما والمسرح

مسؤولية كتّاب (الدراما)

ومن هنا تقع مسؤولية كبيرة على كتّاب (الدراما) والسينما والمسرح، وكذلك على المنتجين والمؤسسات الإعلامية والثقافية العربية.. فلدينا عشرات، وربما مئات، الحكايات الحقيقية التي يمكن أن تتحول إلى أفلام ومسلسلات ومسرحيات وأعمال وثائقية مؤثرة، إذا وجدت من يبحث عنها ويكتبها وينتجها بمستوى فني رفيع.

كما يمكن أن تكون هناك أعمال عربية مشتركة، تجمع فنانين وكتّاباً من أكثر من دولة، وتروي قصصاً تمتد من بغداد إلى دمشق وبيروت وصنعاء، لا لتقديم خطاب سياسي مباشر، وإنما لإظهار الثمن الذي يدفعه الإنسان عندما تتحول أرضه إلى ساحة لصراع الآخرين.

وفي الوقت نفسه، يجب أن نفرق بوضوح بين سياسات المؤسسات وبين إيران كدولة وشعب وثقافة عريقة. فليس الهدف صناعة عداوة بين الشعوب، ولا التحريض ضد الشعب الإيراني، وإنما توثيق الممارسات والأحداث ونتائجها على الإنسان العربي، وترك الحقائق والحكاية الفنية تتحدثان إلى المشاهد.

نحن بحاجة إلى أفلام ومسلسلات ووثائقيات ومسرحيات عربية تمتلك الشجاعة الفنية لمناقشة هذه القضايا، ولكن بلغة الفن لا بلغة المنشور السياسي.

فالمعركة الحقيقية ليست في تصنيف جهة هنا أو هناك فقط، وإنما أيضاً في وعي الإنسان العربي وذاكرته، وهنا يستطيع الفن أن يؤدي واحداً من أهم أدواره: أن يحكي الحقيقة، ويسرد الوجع، ويحفظ الذاكرة، ويجعل المشاهد يدرك أن أمن وطنه واستقراره ورفاهيته ليست قضايا سياسية بعيدة عنه، بل جزء من حياته وحياة أسرته ومستقبل أبنائه.

👀 Views:

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.