رئيس مجلس الادارة : محمد حبوشة
رئيس التحرير : أحمد السماحي

من سيد درويش إلى عمرو دياب.. 100 حكاية في لحن واحد اسمه (مصر)

من سيد درويش إلى عمرو دياب.. 100 حكاية في لحن واحد اسمه (مصر)
الدكتور عبد العزيز قنصوة
من سيد درويش إلى عمرو دياب.. 100 حكاية في لحن واحد اسمه (مصر)
الموسيقار الكبير راجح داوود

كتبت: سما أحمد

هناك أشياء لا تحتاج (مصر) إلى أن تتذكرها، لأنها ببساطة لم تغب عنها يومًا.. والموسيقى واحدة من هذه الأشياء، فمنذ آلاف السنين، والمصري يغني ويعزف ويرقص ويحتفل ويعبّر عن أفراحه وأحزانه بالنغمة والإيقاع في حب (مصر)، ومن جدران المعابد والمقابر التي حفظت صور العازفين والمغنين والراقصين، إلى مسارح القاهرة وميكروفونات الإذاعة وشاشات السينما ومنصات الاستماع الحديثة، ظلت الموسيقى جزءًا أصيلًا من الحكاية المصرية.

ومن هنا تأتي أهمية الاحتفال بـ (اليوم المصري للموسيقى) الذي يوافق 15 سبتمبر من كل عام، بالتزامن مع ذكرى وفاة فنان الشعب سيد درويش، أحد أهم الذين غيروا شكل الموسيقى والغناء في مصر، وجعلوا صوت الشارع والناس جزءًا أساسيًا من الأغنية المصرية.

وتحتفل وزارة الثقافة بهذه المناسبة اليوم الثلاثاء 15 سبتمبر 2026، من خلال مجموعة واسعة من الفعاليات في القاهرة ومختلف المحافظات، برعاية الأستاذ الدكتور عبد العزيز قنصوة، وزير التعليم العالي والبحث العلمي والقائم بأعمال وزير الثقافة، وبإشراف الدكتور أيمن الشيوي، رئيس قطاع المسرح، وبتنسيق من المركز القومي للمسرح والموسيقى والفنون الشعبية برئاسة المخرج عادل حسان.

اختارت وزارة الثقافة الموسيقار الكبير الدكتور راجح داوود لكتابة كلمة الاحتفال هذا العام، وهي كلمة لا تتوقف عند حدود المناسبة، وإنما تحاول قراءة علاقة (مصر) والمصريين المصري بالموسيقى عبر التاريخ.

من سيد درويش إلى عمرو دياب.. 100 حكاية في لحن واحد اسمه (مصر)
يبدأ داوود كلمته بعبارة شديدة الدلالة، وجدها المصريون على جدار مقبرة مصرية قديمة في الأقصر

الإيقاع جزءًا من الحضارة

ويبدأ داوود كلمته بعبارة شديدة الدلالة، وجدها المصريون على جدار مقبرة مصرية قديمة في الأقصر: (ضع الغناء والموسيقى أمامك، وألقِ كل شر خلفك، وتذكر الأفراح، حتى يأتي يوم الرسو في الأرض التي تحب الصمت).

ثم يستدعي كلمات كبار المفكرين والفلاسفة عن الموسيقى، فيتوقف عند شوبنهاور الذي رأى أن كل الفنون تطمح إلى أن تكون موسيقى، ونيتشه الذي اعتبر أن الحياة من دون الموسيقى ستكون خطأ، وهانس كريستيان أندرسن الذي رأى أن الموسيقى تتكلم حين تعجز الكلمات.

ومن هذه النقطة ينطلق داوود إلى (مصر) القديمة، مؤكدًا أن الموسيقى لم تكن بالنسبة للمصري القديم ترفًا أو شيئًا هامشيًا، وإنما كانت حاضرة في العمل والاحتفال والطقوس والمناسبات المختلفة، بل كانت مرتبطة بإيقاع الحياة نفسها.

يرى راجح داوود أن الحضارة المصرية القديمة لم تعتمد فقط على العلم والمعرفة، وإنما قامت أيضًا على الإيقاع والتنظيم والتنسيق والإحساس بالتناغم والتآلف.

وهنا تتحول الموسيقى من مجرد فن إلى معنى أكبر؛ فانتظام الأصوات لا يعني بالضرورة التشابه، وإنما يمكن أن يعني القبول والتضامن والتكاتف رغم الاختلاف، وربما لهذا السبب ظلت الموسيقى قريبة من الشخصية المصرية عبر العصور؛ فهي قادرة على الجمع بين المختلفين، وعلى تحويل التنوع إلى حالة من التناغم.

وإذا كان المصري القديم قد ترك لنا صورًا للعازفين والمغنين والراقصين على جدران المعابد والمقابر، فإن مسؤولية الأجيال الحالية، بحسب داوود، هى استخدام ما تملكه من أدوات تكنولوجية واتصالات عابرة للقارات لإحياء هذه الصور والمدونات وتحويلها إلى موسيقى قادرة على الوصول إلى العالم.

وفي قلب هذه الرحلة التاريخية يأتي سيد درويش، الذي يمثل واحدة من أهم نقاط التحول في الموسيقى المصرية، فمعه خرج الغناء من دائرة الصالونات والنخب، واقترب من العامل والفلاح والجندي والشارع، وأصبح التعبير الموسيقي أكثر التصاقًا بالحياة اليومية وبالناس، لكن سيد درويش لم يكن نهاية الطريق، بل كان بداية لمرحلة واسعة من التطور.

جاء بعده القصبجي وزكريا أحمد ومحمد عبد الوهاب ورياض السنباطي وأم كلثوم وعبد الحليم حافظ، ثم بليغ حمدي ومحمد فوزي ومحمد الموجي، وكل منهم أضاف طبقة جديدة إلى البناء الموسيقي المصري، وفتح أبوابًا مختلفة أمام اللحن والتوزيع والغناء.

من سيد درويش إلى عمرو دياب.. 100 حكاية في لحن واحد اسمه (مصر)
ظهرت الموسيقى السيمفونية والأكاديمية المصرية من خلال أسماء مهمة رفعت اسم (مصر)

الموسيقى السيمفونية المصرية

وفي مسار آخر، ظهرت الموسيقى السيمفونية والأكاديمية المصرية من خلال أسماء مهمة رفعت اسم (مصر)، بينها يوسف جريس وأبو بكر خيرت وجمال عبد الرحيم وحليم الضبع وعزيز الشوان ورفعت جرانة وعطية شرارة وجمال سلامة وغيرهم، في محاولة لصياغة موسيقى مصرية تتفاعل مع التقاليد الكلاسيكية الغربية دون أن تفقد خصوصيتها.

ولأن الموسيقى المصرية لم تكن يومًا صوتًا واحدًا، جاءت تجارب وردة ورشدي وأحمد عدوية وغيرهم لتؤكد قدرة الموسيقى على الوصول إلى الشارع بلغته الخاصة، دون أن يعني ذلك التخلي عن الثراء الموسيقي.

ثم جاءت موجات التجديد والتحديث مع هاني شنودة وفتحي سلامة ومحمد منير وعمرو دياب، لتفتح الموسيقى المصرية نوافذ جديدة على العالم، سواء في التوزيع أو شكل الأغنية أو أدوات الإنتاج.

وفي السنوات الأخيرة، ظهرت فرق موسيقية معاصرة مثل مسار إجباري وكايروكي وغيرها، لتواصل البحث عن لغة جديدة، وتؤكد أن الموسيقى المصرية لا تعيش على أمجاد الماضي وحدها، ولهذا تبدو الموسيقى المصرية، كما يصفها راجح داوود، أشبه بتراكم الحضارة المصرية نفسها؛ طبقات وأجيال وأطياف وقوالب مختلفة، لكنها في النهاية تنتمي إلى حكاية واحدة.

(صوت الماضي) يبحث عن صوت المستقبل، وربما تكون الفكرة الأهم في كلمة راجح داوود أن الموسيقى المصرية لا ينبغي أن تتحول إلى مجرد (صوت للماضي)..

صحيح أنها تحمل ذاكرة أجيال، وتحتفظ بألحان أصبحت جزءًا من الوجدان المصري، لكنها في الوقت نفسه لا تتوقف عن البحث عن صوت المستقبل.. إنها حكاية لا تنتهي، تتغير أدواتها وأصواتها وأشكالها، لكن جوهرها يظل حاضرًا.. ومن المقرر أن تتم قراءة كلمة راجح داوود قبل الفعاليات التي تقام في هذا اليوم، من خلال أحد الرموز الموسيقية.

ويضم برنامج وزارة الثقافة للاحتفال عددًا كبيرًا من الفعاليات، في مقدمتها برنامج الهيئة العامة لقصور الثقافة برئاسة الفنان هشام عطوة، التي تقدم حفلات موسيقية من خلال فرقها الفنية في عدد كبير من محافظات الجمهورية.

من سيد درويش إلى عمرو دياب.. 100 حكاية في لحن واحد اسمه (مصر)
المايسترو محمد عبد الستار

احتفال قومي حقيقي

وتشارك فرق القاهرة للموسيقى العربية وكورال مركز الجيزة الثقافي، إلى جانب فرق الموسيقى العربية في السلام والفيوم وبني سويف وشبرا الخيمة والغوري وأبو قير والتذوق الفني ومصطفى كامل وغزل المحلة وطنطا وكفر الدوار والبحيرة والمنوفية ومحمد عبد الوهاب وبلبيس ومنيا القمح وكفر الشيخ والمنصورة وبورسعيد والعريش والمنيا وأسيوط وسوهاج والوادي الجديد وقنا والأقصر.

وهكذا تتحول المناسبة إلى احتفال قومي حقيقي لا يبقى محصورًا في العاصمة، وإنما يصل إلى مختلف المحافظات، ويشارك المجلس الأعلى للثقافة، بإشراف الأمين العام الدكتور أشرف العزازي، بجلسة تثقيفية بعنوان (قبل الستارة.. سيد درويش وصناعة الأوبريت).

وتدير الجلسة أ.د. حنان أبو المجد، أستاذ التاريخ والتحليل الموسيقي وعميد المعهد العالي للموسيقى (الكونسيرفتوار) سابقًا، ويتحدث خلالها كل من أ.د. تحية شمس الدين، وأ.د. عمرو ناجي، والمايسترو نادر عباسي.

كما يشارك قطاع الفنون التشكيلية برئاسة الدكتور محمود حامد بورشة رسم لنخبة من كبار الفنانين التشكيليين في حارة سيد درويش بكوم الدكة في الإسكندرية، إلى جانب فعالية بقاعة (ممر 35).

ويقدم البيت الفني للفنون الشعبية والاستعراضية برئاسة الفنان تامر عبد المنعم عرضًا خاصًا للفرقة القومية للموسيقى الشعبية بقاعة صلاح جاهين.. بينما تشارك أكاديمية الفنون برئاسة الدكتورة نبيلة حسن بحفل لفرقة أم كلثوم للموسيقى العربية بقيادة المايسترو محمد عبد الستار.

وتشارك الهيئة العامة لدار الكتب والوثائق القومية برئاسة الدكتور أسامة طلعت بندوة بعنوان (اليوم المصري للموسيقى)، بمشاركة الدكتورة فينوس أحمد فؤاد، والملحن والمطرب حسن محمد أحمد أبو دنيا، والكاتب الصحفي والشاعر فوزي محمد إبراهيم، والفنان محمد نشأت كمال.

ويرافق الندوة معرض فني وتوثيقي عن سيد درويش، يضم مجموعة من الصور والمواد التي تستعرض مسيرته وإسهاماته في تاريخ الموسيقى والغناء المصري.

وفي النهاية، لا يبدو الاحتفال بـ (اليوم المصري للموسيقى) مجرد مناسبة لإحياء ذكرى سيد درويش، وإنما محاولة لاستعادة شريط طويل من الذاكرة المصرية؛ من عازفي مصر القديمة إلى فنان الشعب، ومن أم كلثوم وعبد الوهاب وبليغ ومحمد فوزي، إلى شنودة ومنير وعمرو دياب والفرق الجديدة.

إنها حكاية مصر حين تتكلم بالنغمة.. وحين يتحول تاريخها الطويل إلى لحن يتغير مع الزمن، لكنه لا يعرف النهاية.

👀 Views:

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.