


بقلم الكاتب الصحفي: محمد حبوشة
مما لاشك فيه أن المسلسل السعودي (حفرة جهنم) واحدا من الأعمال التي أثارت جدلاً واسعًا عند عرضها قبل أسابيع قليلة ماضية، كونه ينتمي لنوعية الدراما التي تخلط بين الأكشن، الغموض، والبعد النفسي أو الاجتماعي العميق في جرأة غير معهودة في الدراما السعودية الحديثة.
في البداية تميز مسلسل (حفرة جهنم) بقدرته على خلق حالة من التوتر المستمر، فكرة (الحفرة) كرمز للسقوط الأخلاقي أو المجتمعي في أحراش مدينة جدة كانت ذكية، حيث تدور الأحداث في بيئة منغلقة تفرض قوانينها الخاصة عبر أحداث مشحونة بالغضب.
لكن في الوقت ذاته يعاني العمل أحيانا من تمطيط في الأحداث (Filler) خاصة في الحلقات الوسطى، حيث يبدو أن القصة تراوح مكانها لإطالة أمد المسلسل، مما قد يصيب المشاهد بالملل قبل الوصول للذروة في سياق اومع ذلك كان الأداء هو الحصان الرابح في المسلسل.
فالممثلون مثل (ماجد الكعبي، خالد يسلم، قصي خضر، نزار السليماني، فاطمة البنوي)، استطاعوا تجسيد الصراعات الداخلية ببراعة، خاصة في التحولات الشخصية من (الضحية) إلى (الجاني)، ويبدو ملحوظا أن بعض الشخصيات الثانوية كانت (أحادية البعد)، أي أنها إما شريرة تماما أو خيرة تماما، مما أفقدها الواقعية التي كانت تتطلبها القصة الحقيقية.
هناك حقيقة ثابتة: مهما عانى النص من ثغرات في الحبكة، ومهما جنح الإخراج نحو (البهرجة البصرية) أو التغريب، فإن الأداء الصادق والمقنع قادر على منح العمل روحاً وحياة.. الممثل الذي يغوص في أعماق الشخصية النفسية ويقدمها دون زيف، هو الذي يحول الورق الجامد إلى لحم ودم، ويجبر المشاهد – والناقد – على احترام تجربته الخاصة.

شعور الاختناق والضياع
في مسلسل (حفرة جهنم) اعتمد المخرج على الإضاءة الخافتة والألوان القاتمة (Cinematic Dark Mood) لتعزيز شعور الاختناق والضياع، وهو ما نجح فيه بامتياز، كما لعبت دورًا جوهريا في رفع مادة الأدرينالين، وكانت متزامنة بشكل دقيق مع لحظات التحول الدرامي من حين لآخر.
وعلى الرغم من أن مسلسل (حفرة جهنم) هو تجربة بصرية ودرامية جريئة، تخرج عن المألوف في الدراما التقليدية، لكنه يبدو عملا يغلب عليه لون الإثارة المتعمدة، ومن ثم لا يبحث عن إرضاء المشاهد بنهايات سعيدة، بل يهدف لترك أثر (مزعج) يدفعه للتفكير في الطبيعة البشرية الفطرية.
الفانتازيا السوداء أو (Dark Fantasy) هي الوصف الأنسب للعمود الفقري الذي بنيّ عليه هذا (حفرة جهنم)، فالمسلسل لم يكن مجرد دراما واقعية ترصد جريمة أو صراعا اجتماعيا، بل خلق (ديستوبيا) مصغرة (عالما سوداويا بديلا) داخل الحفرة، وهو ما منحه أبعاداً مميزة للغاية.
في الفانتازيا السوداء، البيئة المحيطة لا تكون مجرد ديكور، بل تتحول إلى شخصية بحد ذاتها.. (الحفرة) هنا تبتلع براءة شخوصها، تفرض قوانينها القاسية، وكأنها كيان حي يتغذى على أخطاء البشر وصراعاتهم.. هذا الرمز أعطى العمل عمقا فلسفيا تجاوز حدود الواقعية المتوقعة.
ربما يبدو مسلسل (حفرة جهنم) غريباً ومفارقا للبيئة الاجتماعية السعودية بمفهومها الواقعي والتقليدي، وهذا الغرق في الغرابة يعود إلى سببين رئيسيين يتعلقان بالبناء الدرامي والبيئة المحلية:
- الدراما السعودية، حتى في تجاربها الحديثة التي ناقشت قضايا الجريمة أو الغموض، كانت دائما تحرص على أن تظل أقدامها مغروسة في أرض الواقع، محكومة بـ (المنطق الاجتماعي) والأنظمة السائدة في المجتمع السعودي الحالي.
- عندما يأتي مسلسل مثل (حفرة جهنم) ليطرح عالمًا معزولا (ديستوبيا) له قوانينه الخاصة وعنفه المفرط، فإنه يخلق فجوة واضحة بين ما يراه المشاهد في حياته اليومية وبين ما يعرض على الشاشة.. هذا التجريد يجعل الأحداث تبدو وكأنها تحدث في (لا مكان) أو في عالم موازٍ لا يتقاطع مع تفاصيل المجتمع السعودي المعاصر.

التجريب الفلسفي والبصري
الغرابة هنا ليست عيبا بالضرورة، بل هي نتيجة طبيعية لخيار صناع العمل بالابتعاد عن (الواقعية الفوتوغرافية) نحو (التجريب الفلسفي والبصري).. المشاهد السعودي الذي يبحث عن مرآة لمجتمعه سيجده عملا مغترباً بينما من يتعامل معه كـ (نوع درامي) من فضيلة (Genre) مستقل، سيراه محاولة لكسر النمط التقليدي السائد في المجتمع.
عندما يتجه (حفرة جهنم) نحو عالم الجريمة في مدينة مثل جدة، فإن الجنوح نحو (الفانتازيا السوداء) أو العوالم المعزولة مثل (الحفرة) يضحي بثرائنا الواقعي.. جدة، بطبيعتها التاريخية كمدينة ساحلية ومركز تجاري وبوابة للحجاج من كل أنحاء العالم، تحتوي على (مجتمع جريمة) ذي خصوصية شديدة، نابع من جغرافيتها وتنوعها الديموغرافي في واقع الأمر.
السيناريو والحوار هما روح العمل.. يمكن للمشاهد أن يتغاضى عن كادر ضعيف الإضاءة أو هفوة إخراجية عابرة، لكنه لن يسامح نصا يستخف بذكائه أو يقدم له حوارا مصطنعاً يخرجه من حالة الاندماج كما ينبغي أن تكون.
الكاتب الحقيقي في الدراما السعودية الحديثة هو من يملك الشجاعة لـ (أنسنة) الخطأ، وتفكيك القضايا الشائكة عبر حوارات حقيقية تشبه ما يدور خلف الأبواب المغلقة، لا ما يُقال أمام شاشات التلفزيون بشكل مباشر.
إذا أراد نص درامي أن يغوص في (واقع) هذا العالم بدلاً من تغريبه، فهناك نماذج لشخصيات حقيقية من لحم ودم تفرزها قاع المدينة:
في أحياء جنوب جدة القديمة وعشوائياتها المعقدة (قبل مشاريع التطوير الأخيرة)، تنشأ شخصية (الوسيط)، هذا ليس مجرمًا بالمعنى التقليدي (لا يحمل سلاحًا ولا يسرق بيده)، ولكنه يملك (المفاتيح).
يعرف كيف يوظف العمالة المخالفة، وأين تُخزن البضائع المهربة، ومن يشتري الذهب المسروق.. قوته تكمن في علاقاته العابرة للجنسيات، وقدرته على الاختفاء داخل أزقة ضيقة لا يدخلها الغرباء من الأساس.
مع الطفرة الاقتصادية والمشاريع الكبرى في جدة، ظهر نمط جريمة (الياقات البيضاء)، هذه الشخصية قد تكون لوافد متعلم أو مواطن يستغل نظام (التستر التجاري).. يدير شركات وهمية، ومحلات تجارية تبدو راكدة لكنها تمرر ملايين الريالات خلف الكواليس.. صراعه ليس جسديا، بل هو صراع ذكاء رقمي وقانوني لإخفاء مصادر الأموال وتحويلها للخارج.
بسبب طبيعة جدة كمنفذ بحري وجوي رئيسي، يعج مجتمع الجريمة بشخصيات (الناقلين) أو المروجين الصغار (خاصة في حبوب الكبتاجون أو الشبو).. هؤلاء غالبًا شخوص مأساوية: شباب غارقون في الديون، أو أفراد من جنسيات محددة يتم استغلال حاجتهم.. الجريمة هنا لا تدور حول (العنف الشرير)، بل حول الحاجة، الخوف، والوقوع في فخ شبكات دولية تدير الأمر عن بعد.

البناء الدرامي الناجح
الفارق الدرامي: شخصيات واقع جدة لا تعيش في (حفرة) معزولة؛ إنهم يعيشون بيننا، يلبسون الثياب النظيفة، ويشربون القهوة في المقاهي الحديثة، لكن خطوط نشاطهم تمتد إلى سراديب القاع.. البناء الدرامي الناجح هنا لا يحتاج إلى اختراع (عالم موازٍ) بل يحتاج إلى تتبع المنطق الواقعي لكيفية تعايش هذا القاع مع السطح اللامع للمدينة الحاشدة بالسكان.
عادة ما تحتدم النقاشات النقدية عندما يقترب صناع الدراما من ملف (المخدرات) في المجتمع السعودي؛ فالجرأة هنا ليست مجرد سقف رقابي يتم رفعه، بل هى محك فني خطير يتأرجح فيه العمل بين العمق السوسيولوجي الصادم، وبين السقوط في فخ (الإثارة المجردة) أو التغريب.
في السنوات الأخيرة، وتزامنًا مع الحملات الأمنية الواقعية الصارمة ضد المخدرات (مثل الشبو والكبتاجون)، حاولت الدراما مواكبة هذا الزخم، لكن التقييم النقدي لـ (جرأة التناول) يكشف عن تفاوت ملحوظ في النضج البنيوي.
تخطت بعض الأعمال الخطوط الحمراء التقليدية عبر عرض تفاصيل التعاطي، طقوس (الجرعات)، أو استخدام لغة الشارع الحادة والمصطلحات الدارجة في عالم الترويج.
هذه الجرأة غالبا ما تكون قشرة خارجية.. صناع العمل يظنون أن عرض صدمة المشهد (مثل تشنج المدمن أو تفاصيل الصفقة) يعكس واقعية، بينما هو في الحقيقة (استسهال إخراجي) يداعب رغبة المشاهد في رؤية الممنوع، دون تقديم تفسير درامي عميق لأسباب السقوط.
المجتمع السعودي محكوم بشبكة أمان حذرِة وصارمة (العائلة الممتدة، الوازع الديني والاجتماعي، والقبضة الأمنية والمستشفيات التأهيلية).. بعض النصوص الجريئة تفصل الشاب المدمن أو المروج عن هذا السياق تمامًا، وتظهره وكأنه يعيش في (فقاعة معزولة) أو ضاحية غربية هامشية.
هذا التناول يفقد العمل صدقيته المحلية.. الجرأة الحقيقية لا تكمن في إظهار الشاب وهو يتعاطى في غرفته، بل في تفكيك (الدراما الاجتماعية).. كيف تنهار قيم عائلة سعودية محافظة بسبب فرد واحد؟.. كيف يتواطأ المقربون بالصمت خوفا من الفضيحة؟.. هذا هو العمق السايكولوجي الذي يُبنى عليه النص المتماسك.
الخلاصة: سقف الحرية المرتفع في المشهد الثقافي السعودي الحالي هو فرصة ذهبية للدراما، لكنه يضع الصُنّاع أمام اختبار (النضج البنيوي).. الوعي بالقضايا الشائكة لا يعني الخوف منها وتجنبها، بل يعني امتلاك أدوات كتابية وإخراجية قادرة على غمس المشرط في الجرح الاجتماعي بذكاء، وبصدق محلي خالص، دون الاستعانة بـ (مساحيق تجميل) بصرية أو (أقنعة) تغريبية مستعارة يمكن توظيفها في سياق الدراما.