
بقلم المخرج المسرحي الكبير: عصام السيد
على مدى خمسة أسابيع، كنت أكتب عن وزارة (الثقافة)، وكيف أن مشكلتها ليست أن الاستراتيجية غائبة، وإنما أن لدينا من الاستراتيجيات ما يكفي لطمأنة كل القلقين على مستقبل الثقافة المصرية، فهناك رؤية مصر 2030 التي أطلقتها الدولة في عام 2016، ثم جرى تحديثها، وهناك وثائق وأهداف ومحاور ومؤشرات، وكلها تقول كلامًا جميلًا جدًا عن بناء الإنسان، ودعم الإبداع، وتعظيم القوة الناعمة، وتنمية الصناعات الثقافية والإبداعية.
أي أن (الثقافة) على الورق، بخير والحمد لله، ومستقبلها مشرق، وربما أكثر إشراقًا من حاضرها.. المشكلة الوحيدة أن هناك فارقًا صغيرًا بين الورق والحياة، فلم نسأل أنفسنا: من الذي سينفذ؟ وكيف؟ ومتى؟ ومن سيحاسب إذا لم يحدث شيء؟
وهنا تذكرت إفيه الفنان الكبير فؤاد المهندس في فيلم (عائلة زيزي): (الماكينة مش بتطلع قماش)، وكلما تأملت الطريقة التي ندير بها كثيرًا من قضايانا العامة، ازداد اقتناعي بأن الإفيه لم يكن مجرد نكتة سينمائية، وإنما ربما كان نبوءة إدارية مبكرة.
فنحن نملك الماكينة، ولدينا الكهرباء، ولدينا المهندسون والفنيون والعمال، ولدينا كتيبات التشغيل، ولدينا لجنة تبحث في أسباب ضعف الإنتاج، ثم لجنة أخرى لمتابعة اللجنة الأولى، ثم لجنة ثالثة لتقييم نتائج اللجنة الثانية، وبعد ذلك كله نقف أمام الماكينة التي لا تعمل ونسأل في دهشة شديدة: أين القماش؟

رؤية مصر 2030
المشكلة إذن ليست في نقص الأفكار، ولا في نقص الرؤى، فنحن دولة غنية جدًا في هذه الأشياء، ولدينا قدرة استثنائية على تحويل أي مشكلة إلى مؤتمر، وأي مؤتمر إلى توصيات، ثم نكتشف – بعد أن يهدأ التصفيق – أننا لم نتحرك من المكان.
وكأننا اخترعنا وسيلة جديدة للسفر: أن يجتمع المسؤولون حول خريطة الطريق، ويجمعوا الناس ليتناقشوا طويلًا حول أفضل الطرق، ثم يعود كل مسؤول إلى بيته لينام، وسيستيقظ في موعد اللجنة التالية!
ولعل (رؤية مصر 2030) هى النموذج الأكثر وضوحًا لهذه الحالة.. فقد وضعت الدولة في 2016 رؤية طويلة المدى للتنمية المستدامة، ثم جرى تحديثها مع تغير الظروف، وكان للثقافة فيها مكان باعتبارها جزءًا من بناء الإنسان ومن القوة الناعمة ومن الاقتصاد الإبداعي.
وهذا كله صحيح وضروري، بل إنني أعتقد أن (الثقافة) المصرية تستحق أن تكون في قلب الرؤية لا في هامشها، لأن مصر تملك في الثقافة ما لا تملكه دول كثيرة، لكن السنوات مرت، واقتربنا من نهاية المدى الزمني للرؤية، فوجدنا أنفسنا نعود مرة أخرى إلى معهد التخطيط القومي وغيره من مؤسسات التخطيط لنسأل: ماذا تحقق؟ وما الذي لم يتحقق؟ وماذا نفعل في السنوات المتبقية؟ وما شكل الرؤية في السنوات العشر التالية؟ ولم نسأل: لماذا لم يتحقق؟ ومن هو السبب؟
وهكذا ننتقل من رؤية إلى رؤية كما ينتقل المسافر بين محطات المترو، وكل محطة تحمل اسمًا جميلًا، وكل محطة لها ألوانها وشعارها، لكن أحدًا لا يسأل: هل وصلنا فعلًا إلى المحطة السابقة؟ أم أننا اكتفينا بتغيير اسم المحطة في الخريطة؟
إنها حالة من الانفصال بين ما تقوله الدولة وما تفعله الحكومة، وهو ليس مقصورًا على (الثقافة) وحدها، فلقد رأينا هذا بوضوح في الحوار الوطني الذي دعا إليه السيد الرئيس – وهى دعوة لا أعتقد أن أحدًا يستطيع أن ينكر أهميتها – فلقد جلس المصريون من اتجاهات مختلفة، وتحدث سياسيون ومثقفون وخبراء، وانعقدت جلسات، ونوقشت أوراق، وخرجت توصيات.
لكن الحوار ليس هو التقرير النهائي، بل الحوار الحقيقي يبدأ عندما تتحول الفكرة إلى قرار، والتوصية إلى سياسة، والسياسة إلى إجراء يشعر به الناس، فهل فعلت الحكومة ذلك؟
ثم جاء المؤتمر الاقتصادي – مصر 2022، وكان مؤتمرًا كبيرًا بكل المقاييس، وشارك فيه عدد كبير من الخبراء والمسؤولين وممثلي قطاعات الأعمال، وخرجت منه مئات المقترحات والتوصيات، وتحدث السيد الرئيس في ختامه عن أهمية تنفيذ هذه التوصيات ومتابعتها، وعن تقارير دورية لمتابعة ما تم إنجازه.
لكن الحكومة لم تقل لنا يومًا: ماذا نفذنا تحديدًا من توصيات المؤتمر؟ وما الذي لم ينفذ؟ ولماذا لم ينفذ؟ ومن المسؤول؟ ومتى سيتم التنفيذ؟

شاشة تقدم محتوى أفضل
وعندما انتقد السيد الرئيس الدراما المصرية في أكثر من مناسبة، وكان واضحًا أن الدولة تريد شاشة تقدم محتوى أفضل، وأن الأمر بالنسبة إليها ليس ترفًا، لأن الدراما جزء من تشكيل الوعي والصورة التي تصدرها مصر عن نفسها، لكننا، كعادتنا عندما تواجهنا مشكلة معقدة، وجدنا الحل السحري: لجنة، وفي حالة الدراما بالذات تعددت اللجان.
ولكن يأتي رمضان التالي، فنكتشف أن المشكلة ما زالت موجودة.. وهنا يكون السؤال الطبيعي: أين ذهبت اللجنة؟ فتكتشف أن اللجنة لم تذهب إلى أي مكان، وإنما ذهبت أخبارها، فاللجان عندنا لا تموت، لكنها أحيانًا تدخل في حالة من السبات الإداري، فلا أحد يعرف هل ما زالت تعمل أم أنها انتهت، ولا أحد يعرف أين ذهبت توصياتها، ولا ماذا فعلت بها الماكينة التي كانت اللجنة قد شُكلت أصلًا لإصلاحها؟
والطريف في قضية الدراما أن الدولة ليست بعيدة عن هذه الصناعة، ولا تقف خارجها تتفرج، فهناك كيانات وشركات ومؤسسات إنتاج وإعلام ذات صلة بالدولة بدرجات مختلفة، وهناك جهات تنظيمية، وهناك لجان للدراما، وهناك مجالس وهيئات مسؤولة عن الإعلام، ومع ذلك تظل الدراما في كل موسم مناسبة لإعادة طرح السؤال نفسه: لماذا لا ننتج ما نريده؟
الغريب في الأمر أن الحكومة لا تنتبه لأي أمر، وأن هناك خللًا أو قصورًا، إلا عندما يتحدث السيد الرئيس، فلم تنتبه الحكومة أنها منفصلة عن الشعب، ولا يحس لها إنجازًا، إلا عندما طالب السيد الرئيس أن تتحدث الحكومة إلى الشعب وتشرح له إنجازاتها.
وأنا أعتقد أن هذا طلب منطقي جدًا ولا يحتاج إلى لجنة، بل نحتاج فقط إلى إعلام جيد، وإلى صحفيين ومذيعين يعرفون كيف يتحدثون إلى الناس، وإلى وجوه يثق بها الجمهور، وإلى خطاب لا يعامل المواطن كأنه في حصة مدرسية، وإلى شخص يقول له ببساطة: هذا ما فعلناه، وهذا ما لم نفعله، وهذا سبب نجاحنا، وهذا سبب فشلنا، وهذه المشكلة التي لم نحلها بعد.

هذه ليست فلسفة معقدة
الناس لا تحتاج إلى أن نخبرها بأن لدينا إنجازات؛ الناس تريد أن تعرف ما هى الإنجازات، وهذه ليست فلسفة معقدة، وإنما أبسط قواعد الاتصال، لكن الإعلام نفسه مر خلال السنوات الماضية بتغييرات مؤسسية وهيكلية كثيرة.. تغيرت الهيئات، وتغيرت المسميات، وتغيرت الاختصاصات، وانتقلت مسؤوليات من هنا إلى هناك، ثم عاد الحديث مرة أخرى عن ضرورة إصلاح الإعلام.. وفي كل مرة كان هناك أمل بأن التغيير الهيكلي سيأتي بتغيير حقيقي في الأداء.
لكن المشكلة أن تغيير اسم الماكينة لا يجعلها تنتج قماشًا جديدًا، خصوصًا إذا ظل العامل نفسه يضع القماش بالطريقة نفسها، فلا يمكن أن تغير لافتة المصنع عشر مرات، وتنتظر أن تخرج منه نتيجة مختلفة وهو يعمل بالطريقة نفسها، فنحن بارعون في تغيير الهياكل، وأقل براعة في تغيير طريقة العمل.
ربما تكون المفارقة أننا لسنا بلدًا فقيرًا في الأفكار، وإنما بلد غني جدًا فيها، فلدينا مثقفون يستطيعون أن يكتبوا عشر استراتيجيات قبل الغداء، وخبراء يستطيعون أن يضعوا عشرين مؤشرًا للأداء قبل العشاء، لكن ما ينقصنا هو أن تنتقل الفكرة من الورقة إلى القرار، ومن القرار إلى المؤسسة، ومن المؤسسة إلى الواقع، ومن الواقع إلى المواطن.
لذلك، فعندما يدعو المسؤولون المواطنين إلى الحوار، فلنسألهم منذ البداية: ماذا ستفعلون بما ستسمعونه؟ وعندما يقال لنا إن الإعلام سيشرح إنجازات الحكومة، فلنسأل: هل سيشرحها لنا إعلام نثق به، أم سنحتاج إلى لجنة جديدة لشرح سبب عدم ثقتنا فيه؟
فالماكينة بتشتغل آه… بس مفيش قماش؟