

بقلم الكاتب الصحفي: محمد حبوشة
بمشاهدة سريعة لأفلام (السينما) المصرية التي عرضت في الفترة الأخيرة أو الموجودة حاليا في دور العرض الحالية مثل (برشامة، الكلام على إيه، إذ ما، الكراش، أسد، سفاح التجمع، القصص، 7 Dogs)، وغيرها سنجد أن (السينما) تمر بكبوة كبيرة، جراء عوامل متعددة تتعلق بنوعية الأفلام والمنتجين والجمهور أيضا، كما شاهدت على الطبيعة كل تلك الأفلام التي ذكرتها.
وهنا تبرز الأسئلة حول الأفلام الحالية:
* أسد: هل نجح في أن يعيد الأفلام التاريخية والإنتاج الضخم إلى الواجهة؟.. وهل نجح في كسر هيمنة الأكشن التقليدي؟
* (سفاح التجمع) هل قدم معالجة نفسية وجنائية عميقة، أم وقع في فخ استغلال الجرائم الحقيقية لإثارة الجدل؟
* (برشامة): هل ناقش قضية اجتماعية بجدية أم اكتفي بالكوميديا التجارية؟
* (الكلام على إيه): هل قدم كوميديا قائمة على الموقف والكتابة، أم اعتمد على الإفيهات السريعة؟
* (إذ ما): هل راهن على فكرة جديدة وسيناريو مختلف أم انتمي إلى القوالب المعتادة؟
* (القصص): هل أعاد أفلام التشويق والانتقام بصياغة معاصرة أم كرر حبكات سبق تقديمها؟
* أما 7 Dogs فأكد أن الفيلم العالمي لا ينجح بسبب الانفجارات أو المطاردات أو المؤثرات البصرية وحدها، وإنما لأنه يبني شخصيات معقدة، ويقدم صراعا دراميا متماسكًا، ويجعل المشاهد يهتم بمصير أبطاله، أما عندما تنقل العناصر الخارجية فقط، دون الاهتمام بالسيناريو أو البناء النفسي للشخصيات، يصبح العمل أقرب إلى تقليد بصري يفتقد الروح.



هل تعيش السينما الكبوة
وبنظرة فاحصة سنجد أن (السينما) المصرية لم تكن يوما مجرد وسيلة للترفيه، بل كانت القوة الناعمة الأكثر تأثيرا في العالم العربي، والمرآة التي عكست تحولات المجتمع المصري لعقود طويلة، فمنذ ثلاثينيات القرن الماضي استطاعت القاهرة أن تصبح (هوليوود الشرق)، وأن تقدم آلاف الأفلام التي صنعت وجدان الملايين، وخلدت أسماء مخرجين وكتاب وممثلين أصبحوا جزءا من تاريخ الفن العربي.
لكن، مع كل موسم سينمائي جديد، يزداد السؤال إلحاحا: هل تعيش السينما المصرية اليوم كبوة حقيقية؟
الإجابة: نعم، أولى ملامح الأزمة تبدو في السيناريو، الذي كان لعقود طويلة هو البطل الحقيقي للفيلم المصري، فالأعمال التي كتبها نجيب محفوظ، وأسامة أنور عكاشة، ووحيد حامد، وبشير الديك، ورأفت الميهي، لم تكن تعتمد على الإبهار البصري، بقدر اعتمادها على شخصيات حقيقية وحكايات تعيش في وجدان الناس على مدار الأيام والسنين.
أما اليوم، فقد أصبحت نسبة كبيرة من الأفلام تدور في دوائر متشابهة؛ مطاردات، وعصابات، وكوميديا تعتمد على الإفيهات السريعة والساذجة، أو قصص رومانسية لا تترك أثرا بعد انتهاء العرض، ليس لأن الجمهور لم يعد يحب القصص الجيدة، بل لأن النصوص القوية أصبحت أقل حضورا في سوق يبحث عن الربح السريع في ظل التطورات الحالية.
ولا يمكن إنكار أن شباك تذاكر (السينما) أصبح المحرك الأساسي لكثير من قرارات الإنتاج، فالمنتج، في ظل ارتفاع تكاليف التصوير والأجور والدعاية، أصبح أكثر ميلا إلى الأفكار المضمونة، حتى وإن كانت مكررة، وهكذا تتراجع مساحة المغامرة الفنية، ويصبح النجاح التجاري معيارا يكاد يطغى على كل شيء.
تبدو لي المشكلة الحقيقية التي تواجه (السينما) في مصر اليوم ليست في قلة الإنتاج، وإنما تراجع المستوى الفني في عدد غير قليل من الأفلام، فالمتابع للمواسم الأخيرة يلاحظ أن بعض الأعمال تُطرح في دور العرض لأسابيع طويلة دون جدوى أو قيمة.
وهى تفتقر إلى الحد الأدنى من عناصر الفيلم الجيد؛ سيناريو مرتبك، وشخصيات بلا عمق، وحوارات يغلب عليها الارتجال، واعتماد مفرط على الإفيهات السريعة أو مشاهد الأكشن بوصفها بديلا عن الدراما الحقيقية التي يمكن أن تمنح الترفيه الحقيقي، وترسخ للقيمة والمعنى.



منطق (الخلطة المضمونة)
وفي كثير من الأحيان، يبدو أن بعض الأفلام تُصنع بمنطق (الخلطة المضمونة)، نجم جماهيري، وعدد من مشاهد الحركة، وبعض الكوميديا السهلة، وأغنية دعائية، على أمل تحقيق إيرادات مرتفعة، بينما يتراجع الاهتمام بالقيمة الفنية التي تجعل الفيلم قادرا على البقاء في ذاكرة الجمهور طويلا.
ولعل أخطر ما في الأمر أن هذا النهج يرسخ فكرة أن النجاح التجاري وحده هو معيار النجاح، في حين أن تاريخ (السينما) المصرية يؤكد أن الأفلام الخالدة لم تعش لأنها حققت أعلى الإيرادات، بل لأنها امتلكت نصوصًا قوية، ورؤية إخراجية واضحة، وشخصيات بقيت حاضرة في وجدان المشاهد لعقود.
إن الأزمة ليست في الإمكانات، فـ (السينما) في مصر لا تزال تمتلك ممثلين موهوبين، ومخرجين متميزين، وتقنيات حديثة، وإنما في طريقة توظيف تلك الإمكانات، فحين يصبح الاهتمام بالشكل أكبر من المضمون، وبالدعاية أكبر من السيناريو، تكون النتيجة أفلاما تحقق حضورا مؤقتا في شباك التذاكر.
لكنها تغادر ذاكرة الجمهور سريعًا، لتؤكد أن الصناعة لا تحتاج فقط إلى أفلام أكثر، بل إلى أفلام أفضل على مستوى الشكل والمضمون.
ولابد أنك تلاحظ تراجعا كبيرا على مستوى (السينما) الكوميديا المصرية، وهى التي كانت لعقود طويلة، واحدة من أهم أدوات النقد الاجتماعي، حيث نجح كبار صناعها في الجمع بين الإضحاك والتأمل، فخرجت أعمال لا تزال حاضرة في الذاكرة لأنها احترمت عقل المشاهد قبل أن تبحث عن ضحكته التي تبقى على وجهه.
أما في السنوات الأخيرة، فقد اتجه بعض الإنتاجات إلى نوع من الكوميديا يقوم على المبالغة والصخب والإفيهات السريعة، مع الاعتماد على المواقف المفتعلة أو السخرية اللفظية أكثر من بناء موقف كوميدي متكامل يمكن أن يصيب المشاهد بالبهجة.

استسهال الأداء التمثيلي
من أكثر الظواهر التي تستحق التوقف أمامها في بعض أفلام (السينما) المصرية الحديثة حالة استسهال الأداء التمثيلي، إذ يبدو أحيانا أن بعض الممثلين يكررون الشخصيات نفسها والانفعالات ذاتها من عمل إلى آخر، حتى أصبح المشاهد قادرا على توقع طريقة الحديث، ونبرة الصوت، وردود الأفعال قبل أن تبدأ الأحداث على جناح التشويق.
ولم يعد التحدي لدى بعض النجوم هو تقديم شخصية جديدة، بقدر ما أصبح إعادة إنتاج الصورة التي نجحت جماهيريًا في أعمال سابقة، وهكذا تتحول الشخصية إلى امتداد لشخصية أخرى سبق أن قدمها الممثل، فتختفي الفروق النفسية والإنسانية التي تمنح كل دور خصوصيته المطلوبة في (السينما).
ويزداد الأمر وضوحا عندما يعتمد الأداء على الارتجال غير المنضبط أو المبالغة في الانفعالات، أو الاكتفاء بالحضور الشخصي للنجم الأوحد باعتباره كافيا لحمل الفيلم، بينما يؤكد تاريخ السينما المصرية أن النجومية الحقيقية كانت دائما قائمة على القدرة على التحول الكامل إلى الشخصية، وليس على تكرار الأداء نفسه في كل عمل بشكل يبعث على الممل والتكرار الممقوت.
ولم يعد غريبا أن تتشابه أفلام كثيرة في بنيتها الدرامية، أو في نوعية الشخصيات والصراعات، وكأن الصناعة تدور داخل دائرة مغلقة، هدفها تكرار النجاح السابق بدلًا من البحث عن تجربة جديدة، ومع مرور الوقت، يؤدي هذا النهج إلى حالة من التشبع، فيشعر الجمهور بأنه يشاهد القصة نفسها بأبطال مختلفين عبر أدوار متشابه.
إن ازدهار (السينما) لا يتحقق بسيطرة نوع واحد من الأفلام، بل بتوازن صحي بين الأعمال الجماهيرية، والأفلام ذات الطابع الفني، والتجارب الجديدة التي تمنح المواهب الشابة فرصة للظهور، فالتنوع هو الذي صنع قوة (السينما) المصرية، وهو القادر اليوم على استعادة بريقها، لأن الجمهور لا يبحث فقط عن الترفيه، بل عن فيلم يحترم ذكاءه ويمنحه تجربة تستحق أن يتذكرها بعد مغادرة صالة العرض.
لذلك، فإن السؤال الحقيقي ليس: لماذا يقبل الجمهور على شباك التذاكر؟.. بل: هل يخرج من قاعة السينما وهو يشعر بأنه شاهد فيلما سيظل في ذاكرته، أم مجرد ساعتين من الترفيه العابر؟.. فالنجاح التجاري يضمن استمرارية الصناعة، لكن الجودة الفنية هى التي تصنع تاريخها وتبقى في ذاكرة الجمهور.


الفن لا يعيش بمعزل عن الواقع
لطالما كانت (السينما) المصرية مرآة للمجتمع، ومن الطبيعي أن تتناول قضايا تمس الدين، والعادات، والأسرة، والتحولات الاجتماعية، فالفن لا يعيش بمعزل عن الواقع، بل يكتسب قيمته من قدرته على طرح الأسئلة وفتح مساحات للنقاش. لكن الإشكالية تظهر عندما تتحول هذه القضايا إلى وسيلة لإثارة الجدل أو جذب الانتباه، دون معالجة درامية عميقة أو رؤية فكرية واضحة.
وفي بعض الأعمال، يبدو أن موضوعات شائكة تتعلق بالدين أو القيم الاجتماعية تُطرح بصورة مبسطة أو تعتمد على الاستفزاز أكثر من اعتمادها على التحليل، فتُختزل قضايا معقدة في حوارات مباشرة أو شخصيات نمطية، وهو ما يضعف القيمة الفنية للعمل ويُفقده قدرته على تقديم رؤية متوازنة.
كما أن بعض الأفلام تقع في فخ تقديم صور مبالغ فيها عن المجتمع، أو تعميم سلوكيات فردية على أنها تمثل الواقع كله، فيتحول العمل السينمائي من قراءة فنية للواقع إلى صورة مشوهة أو منقوصة عنه، و(السينما)، بحكم تأثيرها الواسع، تتحمل مسؤولية تقديم شخصيات وقضايا بقدر من الصدقية والعمق، حتى عندما تتبنى رؤية نقدية.
ولا يعني ذلك أن الفن يجب أن يتجنب الموضوعات الحساسة أو يكتفي بالقضايا الآمنة، بل على العكس، فالأعمال الكبرى في تاريخ السينما المصرية والعالمية تناولت قضايا الدين والهوية والعدالة والفساد والفقر بشجاعة، لكنها فعلت ذلك من خلال كتابة محكمة، وشخصيات إنسانية، ورؤية تحترم عقل المشاهد وتترك له مساحة للتفكير، لا أن تفرض عليه استنتاجا جاهزا أو تعتمد على الصدمة وحدها في سياق الأحداث.
إن قيمة (السينما) لا تُقاس بجرأة الموضوع فقط، بل بعمق معالجته.. فالفيلم الذي يناقش قضية دينية أو اجتماعية بمسؤولية واحترام للتعددية الفكرية يثري الحوار العام، أما العمل الذي يكتفي بالإثارة أو التبسيط، فقد يلفت الانتباه مؤقتًا، لكنه نادرًا ما يترك أثرًا فنيًا أو فكريًا طويل الأمد.
ولابد لي أن أذكر أن من أكثر الظواهر التي أثارت الجدل في السينما المصرية خلال السنوات الأخيرة، تصاعد حضور مشاهد العنف والبلطجة والجريمة المنظمة، حتى أصبحت في بعض الأفلام عنصرًا رئيسيًا في البناء الدرامي، بل وأحيانًا نقطة الجذب الأساسية في الحملات الدعائية التي تسبق عرض الفيلم.

هل تعكس هذه الأفلام الواقع
فالمطاردات، والاشتباكات المسلحة، والانتقام، وشخصيات الخارجين على القانون، باتت حاضرة بكثافة في عدد من الأعمال، وهو ما يطرح تساؤلًا مشروعا: هل تعكس هذه الأفلام الواقع، أم تسهم في ترسيخ صورة مشوهة عنه تخلد في ذهن الجمهور.
لاشك أن السينما، بوصفها فنا من حقها أن تتناول الجريمة والعنف، فهذه الموضوعات كانت جزءا من تاريخ الفن العالمي والمصري، وقدمت من خلالها أعمال خالدة كشفت أسباب الجريمة ونتائجها الإنسانية والاجتماعية، لكن الفارق يكمن في كيفية المعالجة، فحين يصبح العنف غاية في ذاته، أو يتحول إلى استعراض بصري منفصل عن السياق الدرامي، يفقد العمل جزءًا من قيمته الفنية المنشودة.
إن التحدي الحقيقي أمام السينما المصرية اليوم ليس في إلغاء مشاهد العنف أو تجنبها، بل في إعادة التوازن بين التشويق والرسالة، وبين متطلبات السوق والمسؤولية الفنية.فالفيلم الناجح هو الذي يستخدم العنف عندما تفرضه الدراما، لا عندما يصبح وسيلة سهلة لجذب الجمهور أو تحقيق الإيرادات.
وأخيرا: إن استعادة روح السينما المصرية لا تعني العودة إلى الماضي بحذافيره، بل استعادة المبادئ التي صنعت مجدها: السيناريو الجيد، والاحترام الكامل لعقل المشاهد، والتنوع، والجرأة في طرح القضايا، والإيمان بأن الفيلم يعيش بقيمته الفنية قبل أن يعيش بإيراداته على صناع العمل.
فالزمن الجميل لم يكن جميلا لأن سنواته بعيدة، بل لأنه كان زمنا جعل الفن باقيا، وما تزال أفلامه تُشاهد بعد عقود، بينما تختفي أعمال كثيرة اليوم من الذاكرة بعد أسابيع قليلة من انتهاء عرضها، وهذا هو الفارق الحقيقي بين فيلم يُستهلك.. وفيلم يُخلَّد في ذاكرة الجمهور.
وفي النهاية، تبقى السينما مرآة للمجتمع، لكنها ليست مرآة محايدة تمامًا؛ فهي تختار ما تعكسه، وكيف تعكسه؟.. ومن هنا تأتي مسؤولية صناعها في تقديم أعمال حقيقة تحاكي الواقع بصدق، من دون أن تحول العنف والبلطجة والكوميديا التافهة إلى مشهد مألوف أو بطل يستحق التصفيق دون أن يبذل أدنى مجهود، أو يضيف إلى تاريخه أعمالا ناضجة.