

بقلم الكاتب والسيناريست: وائل شفيق
يوم 23 مايو 2026 حذفت قناة النهار حلقة (كلاب الشوارع) من برنامج (صبايا الخير) للإعلامية (ريهام سعيد) من كل منصاتها الرقمية، الحذف نفسه كان اعترافاً ضمنياً بأن ما عُرض لم يكن حواراً يخدم الصالح العام، بل مادة إعلامية شابها الخلل.
يوم 10 يونيو 2026 أعلنت نقابة الإعلاميين حفظ التحقيق مع الإعلامية (ريهام سعيد) بعد مثولها أمام لجنة التحقيق، استناداً إلى شكوى مقدمة وتقرير المرصد الإعلامي.
بين قرار الحذف وقرار الحفظ بقي السؤال معلقاً: إذا كانت القناة رأت أن الحلقة لا تصلح للنشر، فلماذا تُغلق القضية ويُترك النقاش مفتوحاً على الشارع؟.. المشكلة حُذفت من الشاشة، وحُفظت في الأوراق.. وتُركت في الشارع.
في مساء 21 مايو تحوّلت الشاشة إلى ساحة صراع. على جانبٍ وقفت المذيعة (ريهام سعيد) ترفع راية الرفق بالحيوان وتؤيد إلقاء بقايا المجازر طعاماً للكلاب في الطرقات.. وعلى الجانب الآخر أصرت الضيفة على أن إفساد الطعام بالكلور والجاز لمنع الإطعام العشوائي تصرف مشروع.
ثم انسحبت من أمام الكاميرا أثناء الحديث، فانفرط عقد النقاش وتحول إلى مشادة صاخبة. وفي المنتصف ضاعت الحقيقة واشتعلت الفوضى.
هنا يتكشف جوهر الخطر.. من يلقي بمخلفات المجازر في الشوارع لا يسعى إلى رحمة تُرتجى، بل يُدير أزمة بعقل بارد.. الغاية ليست إطعام كلب جائع، بل تكثير القطيع ليتحول إلى ورقة ضغط.. كل ناب مسعور، وكل حالة فزع لطفل في الشارع، تُسجل فاتورة جديدة على الدولة، ووقوداً لغضب يُساق ضد عجز متخيل.. إنها ليست شفقة، بل صناعة ممنهجة للخوف.
نقابة الإعلاميين، التي أُنشئت لحماية المهنة وضبط إيقاعها، استدعت صاحبة الحلقة (ريهام سعيد) للمساءلة.. وجاء قرارها في النهاية بحفظ التحقيق، وكأن الرسالة تقول إن انتهاء الترند كافٍ لإنهاء المسؤولية.. لكن متى تُحاسب الشاشة على الخطر الذي تتركه بعد انتهاء البث؟

رفعت القناة الحلقة واعتذرت
والأكثر إثارة للتساؤل أن هذه ليست السابقة الأولى. فمنذ سنوات قدمت المذيعة (ريهام سعيد) حلقة عن صيد الثعالب اقتحمت فيها بيئتها الطبيعية في قلب الصحراء، وشاركت صيادين في الإمساك بثعالب نادرة وتكميم أفواهها وربط أطرافها لأجل لقطة مصورة.. وحينها أيضاً رفعت القناة الحلقة واعتذرت للجمهور.
المفارقة أن من اقتحمت برية كائنات لا تؤذي الإنسان لأجل مشهد، تقف اليوم مدافعة بكل قوة عن كلاب ضالة تسجل الدولة آلاف حالات العقر منها سنوياً.. فأين المعيار؟ وأي ذنب اقترفه الناس ليُبتلوا بهذا الاستفزاز المقصود؟
قالها الدكتور محمود حمدي، أمين صندوق نقابة الأطباء البيطريين، قولاً يقطع دابر الجدل: ملف الكلاب الضالة لم يعد شأناً بيطرياً، بل صار قضية أمن قومي.. والأمن القومي لا يُعالج بالهوى ولا يُدار بمنطق الترند ولو على حساب الأمان.
فلا حل إلا بقطع الطريق على منبع الخطر.. تجريم فوري للإطعام العشوائي بمخلفات المجازر، وتفعيل رقم تبرع موحد لملاجئ مرخصة تحت مظلة الدولة، حيث تُعالج الكلاب وتُعقم وتُحصن وتُحتضن بعيداً عن الشارع.. ما عداه تطويل لأمد الأزمة، وتواطؤ صامت مع من يديرها في الظل.
حفظ التحقيق مع (ريهام سعيد) لا يعني انتهاء المشكلة، يعني فقط أن الأوراق اكتملت، لكن فزع الأمهات لم ينته، وخطر الشارع لم ينته، وملف الأمن القومي لم يُغلق. ما أُغلق هو الملف، وما تُرك مفتوحاً هو باب الغاب.
قضايا الناس ليست مادة إعلانية، وقرار حفظ التحقيق ليس شهادة براءة.. والإعلام الذي يحوّل أمن المواطن إلى فقرة ترفيهية ثم يُحفظ ملفه، يفقد شرعيته قبل أن يفقد جمهوره، وحين يفقد الإعلام شرعيته لا يبقى للشارع إلا الفوضى.