
بقلم الكاتب الصحفي: بهاء الدين يوسف
الجدل العنيف والمحتدم والمستمر في مصر طوال الأيام الماضية، والذي تحول الى ما يمكن أن نطلق عليه (معركة سيزلرجراد)، بين معسكر المؤيدين للفتاة التي أرادت الصلاة في أحد فروع سيزلر، ومعسكر المدافعين عن مدير الفرع الذي منعها، يذكرني ببعض وقائع معركة ستالينجراد الشهيرة.
(معركة سيزلرجراد)، التي بدأت في صيف عام 1942، وانتهت في شتاء العام التالي، إرادتها ألمانيا النازية، حاسمة قاضية على الجيش السوفييتي وتدميره، لكنها خرجت منها وقد قتل وأسر معظم أفراد الفرقة السادسة الألمانية، واستسلم عشرات الآلاف، بينهم قائد الفرقة فريدريش باولوس هربا من الجوع والبرد والقتال.
أبرز أوجه الشبه أن (معركة سيزلرجراد) لا تبدو مثل المعارك الخفيفة السابقة بين العلمانيين والمتدينين حول أحقية أي شخص في الصلاة في أي مكان، والتي كان يكتفى فيها بتبادل الاتهامات، وكتابة المنشورات والمقالات التي يسعى فيها محاربو كل طرف لتسفيه رأي الطرف الآخر.
لكننا هذه المرة أمام معركة حقيقية يريد فيها العلمانيون خصوصا تدمير خصومهم المتدينين نهائيا، ومن أجل ذلك لم يكتفوا بخوض الحرب ضدهم بمفردهم كما كان يحدث في العادة، وإنما جندوا بضعة مشايخ من المشمولين بكرم السلطة ليدلوا بدلوهم، أملا في كسب تعاطف رجل الشارع الذي يتعاطف بفطرته مع كل ما هو ديني، حتى لو لم يكن هو نفسه متدينا.

المطعم علماني كافر
ومثلما حدث في ستالينجراد قبل 85 عاما، بدأت (معركة سيزلرجراد) بهجوم عنيف من الفتاة والآلاف من مؤثري مواقع التواصل الاجتماعي ومستخدميها على المطعم نفسه، ولم يكتف هؤلاء بانتقاد سلوك مدير الفرع، وذهب بعضهم للتأكيد على أن المطعم علماني كافر، وأن شعاره يمثل شعار جماعات شيطانية في الغرب.
انتهت الجولة الأولى من المعركة بانتصار ساحق للمتدينين، وانحنت إدارة المطعم امام موجة المقاطعة التي انتشرت، لتصدر بيانا تؤكد فيه فصل المدير، وتخصيص اماكن في كل فروعها للصلاة.
لكن تلك لم تكن نهاية المعركة، حيث استفز الجيش العلماني في مصر ما حدث، وهب للتدخل مسخرا قنواته ومذيعيه وكتابه ومؤثريه على مواقع التواصل، للهجوم على الفتاة والنيل من سلوكها والتشكيك في أخلاقها، والتزامها الديني من الأساس.
بين الكر والفر في معركة سيزلرجراد، دعونا نناقش بعض النقاط بموضوعية دون التحيز لهذا الطرف أو ذاك، ربما نبدأ بسهولة لجوء أي إنسان للتشكيك في الذمم والنوايا، وهو متيقن من ان هناك الكثيرين سوف يسيرون خلفه دون تفكير ونقاش وتدبير، وهي افة منتشرة بين المصريين منذ عقود لكنها آخذة في الازدياد.
المتدينون اسرعوا باتهام المطعم وإدارته بالعلمانية وعبادة الشيطان، دون أن يتوقف أحد عند احتمالية أن يكون ما حدث تصرف فردي من شخص قيل إن إدارة المطعم وموظفي الفرع نفسه كانت لديهم ملاحظات سلبية عليه.

استدعاء الجماعة في كل واقعة
والعلمانيون ردوا بالبحث في خلفية الفتاة ووالدها، وشككوا في التزامها الديني من الأصل، كما اتهموها ووالدها الأستاذ الجامعي بالانتماء لجماعة الإخوان، التي اصبح شرها رمزيا أكثر منه حقيقيا، وهو ما يطرح سؤالًا لا يجيب عليه (الناعقون بالخطر)، الذين لا يكفون عن استدعاء الجماعة في كل واقعة، وكأنها لا تزال قادرة على تحريك الأحداث من خلف الستار.
هذا الاستدعاء غير العقلاني يهز، من حيث لا يدري هؤلاء صورة الدولة وأجهزتها الأمنية والسيادية، ويصادر نجاحها في مواجهة الجماعة وإخراجها من معادلة الشارع، في وقت كانت فيه في ذروة قوتها.
النكتة التي تبعث على البكاء وليس الضحك أن ملايين المتابعين للحدث صدقوا وآمنوا دون تفكير، أولا بأن المطعم يدعم العلمانية ويعادي الدين، دون أن يحاول أحد الكشف عن الفكرة الجهنمية، التي تدفع أي علماني لإنشاء سلسلة مطاعم ليس بهدف الكسب وإنما فقط من أجل معاداة الدين.. أي دين.
ثم صدق مجددا ما روجه العلمانيون من أن الفتاة (مدعية إيمان) وأنها كانت تبحث عن الشو الإعلامي، دون أن يفكر أحد في أن المدير لو تركها تكمل صلاتها في هدوء، لما كان هناك شو من الأصل، وأنه لو لم يشبه الصلاة بالتغوط لما تطور الأمر إلى ما تطور إليه.
ما يقلقني في (معركة سيزلرجراد) ليس عنف الجدال، ولا رغبة كل طرف في تدمير الآخر، وليس فقط إقصاءه، وإنما فيما كشفت عنه من حجم الاستقطاب في مجتمعنا، بحيث أصبحنا نفتش في النوايا قبل أن نفهم الوقائع، ونرى في المختلف خصمًا ينبغي هزيمته لا إنسانا يجب احترام حقه في الاختلاف.