رئيس مجلس الادارة : محمد حبوشة
رئيس التحرير : أحمد السماحي

التموج الإبداعي الذي يسبح فيه (يحيى الفخراني) في بحر (الملك لير)

التموج الإبداعي الذي يسبح فيه (يحيى الفخراني) في بحر (الملك لير)

التموج الإبداعي الذي يسبح فيه (يحيى الفخراني) في بحر (الملك لير)
العمر لم يكن عائقاً، بل تحول إلى أداة إبداعية، التجاعيد، نبرة الصوت الصارمة والمتهدجة في آن واحد
التموج الإبداعي الذي يسبح فيه (يحيى الفخراني) في بحر (الملك لير)
ولاء جمال

بقلم الكاتبة الصحفية: ولاء جمال

حاولت أن اقف كثيرا علي سر هذا الجمال والبهاء والأداء العبقري في هذا العمرالذي يكمن في توليفة نادرة يمتلكها (يحيى الفخراني) وحده.

هل لأن، وهذا العشق يمدّه بطاقة حيوية تجعله يبدو على الخشبة وكأنه ابن العشرين، الشغف الصادق للشباب الدائم، في التمثيل.

الهيبة، والحكمة، والكاريزما الناتجة عن العمر، والعمر هنا لم يكن عائقاً، بل تحول إلى أداة إبداعية، التجاعيد، نبرة الصوت الصارمة والمتهدجة في آن واحد، والنظرات المليئة بالخبرة؛ كلها تفاصيل طبيعية أضافت لشخصية (الملك لير) عمقاً واقعياً وبهاءً يصعب على أي ممثل شاب أن يزيفه.

الالتزام والاحترافية العالية هو مدرسة في احترام الخشبة والجمهور، تقديم عرض مسرحي مباشر في هذا العمر يتطلب انضباطاً شديداً في الأداء، وحضوراً ذهنياً وسرعة بديهة لا يمتلكها إلا العباقرة.

أنا شعرت في حضور هذا العرض بالدسم الوجداني والإنساني الذي لم اشعر به منذ وقت طويل شعرت أن (يحيى الفخراني) لا يؤدي دوراً، بل يسكب روحه في الشخصية.

(الملك لير) ليست مجرد مسرحية عن ملك يفقد عرشه، بل هى تشريح مذهل للنفس البشرية، والضعف، والندم، والأبوة، والخذلان، التفاصيل الإنسانية التي يبرزها على الخشبة تلمس أعمق أوتار القلب.

التموج الإبداعي الذي يسبح فيه (يحيى الفخراني) في بحر (الملك لير)

التموج الإبداعي الذي يسبح فيه (يحيى الفخراني) في بحر (الملك لير)
في شخصية (الملك لير)، يتجلى هذا التموج في الانتقال من قمة السلطة والجبروت إلى قاع العجز

الفخامة اللغوية عندما تلتقي روائع شكسبير

بجماليات اللغة العربية والتمكين الإبداعي في الإلقاء، يتحول النص إلى معزوفة موسيقية ممتعة للأذن، تعيد للغة بهاءها وجاذبيتها الخاصة.

هذه العروض لا تمر عابرة؛ إنها تترك أثراً في الوجدان يدوم طويلاً، وتجعلنا ندرك أن الموهبة الحرة الصادقة تظل تشع نوراً مهما مرت السنوات.

لحظات الانكسار عند (يحيى الفخراني) هى ذروة السحر المسرحي؛ لأنها ببساطة ليست انكساراً مسطحاً، بل هي (تموج إبداعي) ينتقل بسلاسة مذهلة بين الكبرياء الجريح، والذهول الصادم، والضعف الإنساني العاري.

في شخصية (الملك لير)، يتجلى هذا التموج في الانتقال من قمة السلطة والجبروت إلى قاع العجز، و(يحيى الفخراني) يمتلك قدرة عبقرية على تجسيد هذا التحول.

مثل انكسار النبرة والجسد، وكيف تتحول نبرة صوته الجهورية الآمرة فجأة إلى نبرة متهدجة تسكنها الغصة، وكيف يتقوس ظهره الملكي ليعبر عن ثقل الخيانة والخذلان من أقرب الناس اليه، ذهول الصدمة، تلك اللحظات التي يقف فيها صامتاً، يعبر فقط بعينيه عن عدم استيعاب قلبه للأنانية والقسوة، وكأن لسان حاله يتأرجح بين الذهول والإنكار.

يحضرني هنا رأي يعبر عن (يحيى الفخراني) بكل تفاصيله كنت في أحد المرات طلبت من زوجته الدكتورة (لميس جابر) أن تكتب رأيها عنه في مقال لي يلي حواري معه فكتبت تقول :

(في الأساطير المصرية القديمة كان الإله (خموم) هو صانع البشر ..يجلس إلى دولابه الخشبي الدوار واضعا فوقه كتلة من طين النيل الأسود الخصب.

ويبدأ في تشكيله بأنامله المبدعة، بينما قدمه تدير القرص، ويظل يدور حتي يتشكل طفلا من طين، ثم بأمر علوي من الإله (أمون) إلي الإلهة (حتحور) التي تنتظر إشارة بدء الحياة..

فتشير إلي الطفل المشكل برمزالحياة ..فتدب فيه الأنفاس وتسري طاقة سحرية في كيانه ليصبح بشرا حيا ..والإله (ختوم) هو(الفخراني) في تراثنا المصري القديم الذي مازال يحمل (الفخراني) هو صانع الفخار ومبدع تشكيله وفنونه.

هل هناك علاقة بين (الفخاري)، والفخراني يحيى؟ وإلي أي زمن تعود تسمية الجد الأكبر بالفخراني وهل صانع فخار بالفعل؟.. وهل كان يتنبأ بأن أحد أحفاده سوف يعيد وظيفة الإله (ختوم) الفخراني الأول ويشكل بشرا مختلفا في اختراع جديد إسمه الدراما؟

التموج الإبداعي الذي يسبح فيه (يحيى الفخراني) في بحر (الملك لير)

التموج الإبداعي الذي يسبح فيه (يحيى الفخراني) في بحر (الملك لير)
يتشكل بشرا جديدا مختلفا ينبض بالحياة فيأتي مصنوعا بمهارة من الداخل مخلوطا بسبيكة من الأحاسيس والمشاعر

سبيكة من الأحاسيس والمشاعر

ينحتها.. ويحدد ملامحها بنبرة الصوت، ونظرات العين، وقطرات الدمع المحبوسة الامعة، أسارير الوجه التي تتشكل وتتبدل في لمح البصر ..سخرية الضحك وتنهدات القلق سرعة الأنفاس.

وخفقات الخوف ..غدد العرق التي ترضخ لأمر فوري فتنسكب طائعة.. يتشكل بهذا كله بشرا جديدا مختلفا ينبض بالحياة فيأتي مصنوعا بمهارة من الداخل مخلوطا بسبيكة من الأحاسيس والمشاعر ويلتصق بذاكرة من يشاهده ولا يفارقها.

ويصمت (يحيى الفخراني) قبل العمل..وربما يصمت كثيرا من الوقت ..ثم يجلس إلي دولابه الدوار لحظات ويقوم يدور حول نفسه مشتتا ومفكرا.

ساهما يجافي النوم عينيه ويستغرق حتي لايسمع من حوله ولاينتبه لما يحدث يسير رائحاغاديا بين الأوراق وبين ذاته ..يحدث نفسه أحيانا، وإذا غفا يتحدث بلسان أخر أثناء نومه ثم يعود ليجلس إلي دولابه.

ويشرد إلي داخله حتي يبدأ يوم من أيام العمل.. وفيه يكون التشكيل قد تم، وينتظر إشارة الإلهة حتحور برمز الحياة فتتدفق الشخصية الجديدة لحما ودما ،تسير وتتحرك وتنفعل ضحكا وبكاء فرحة وإنطلاقا.. حزنا وألما بملامح خاصة متفردة في بشر جديد مختلف تماما صنعته الكلمة والأحاسيس ،تطغي سماته علي سمات الأصل وتخرج إلي الناس لينفعلوا بها وقد نسوا تماما (يحيى الفخراني).

التموج الإبداعي الذي يسبح فيه (يحيى الفخراني) في بحر (الملك لير)
الكاتبة ولاء جمال مع الفنان الكبير يحيى الفخراني

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.