
بقلم الكاتب الصحفي: محمود حسونة
مسلسل (ورد على فل وياسمين)، الذي تم عرضه مؤخراً عبر منصة (شاهد) نجح في مس المشاعر واقتحام القلوب وتشغيل العقول، رغم أنه من نوع الدراما الخفيفة، ومثلما يولد النجاح من رحم المعاناة، ويبزغ الجمال وسط القبح، وتنبت الزهور بين الأشواك.
أطل علينا (ورد على فل وياسمين)، هذا المسلسل الناعم الخفيف والجاذب اللطيف بعد أن غرقت الدراما المصرية وغير المصرية في مستنقع الجريمة والبلطجة والثأر والتسطيح والتفاهة، له مفعول السحر على مشاهديه والسبب هو اشتياقهم لهذا النوع من الرومانسية، وخلوّه من العصبية والتوتر باستثناء شخصية الأب الموتور بطبيعته، والحوار بين أبطاله بلا تشنج ولا صراخ.
يقدم صورة لرومانسية بسيطة سلسة رغم أنها نتاج عقد وأمراض وأوجاع وآلام، رومانسية لا تقوم على البطولة الخارقة أو المصادفات المبالغ فيها، بل على بشر عاديين يحملون جراحهم الخاصة ويتعايشون معها، ويحاولون وسط قسوة الحياة عليهم العثور على مساحة صدق ودفء إنساني.
ولأنه لا يوجد في دراما هذا الزمن عمل متكامل يخلو من الهفوات، فرغم صدق هذا العمل العاطفي وجمال لغته، لم ينج بالكامل من عيوب المطّ والإطالة وعلق به القليل من الترهل الدرامي.
مسلسل (ورد على فل وياسمين)، يعلن عن فلسفته من عنوانه، فـ (الورد)، و(الفل) و(الياسمين) ليست مجرد مفردات شاعرية منتقاة بعناية لإغواء المشاهد، بل رموز لحالات إنسانية مختلفة تتجاور رغم اختلافها.
وكأن المؤلفان عمرو سمير عاطف ووائل حمدي أرادا القول إن الحب ليس تطابقاً، بل تعايش بين أرواح متباينة، وأن البشر ـ مثل الزهور ـ لكل منهم رائحته الخاصة وجرحه الخاص وطريقته في منح الحنان.

علاقة متوازنة اجتماعياً واقتصادياً
من حق كثير من المشاهدين أن يتحفظوا على علاقة حب تربط طبيب تحاليل شاب ناجح يجهز لمناقشة الماجستير ويستعد للسفر في منحة للحصول على الدكتوراه وينتمي لأسرة ميسورة الحال وسيدة مطلقة تعمل كوافيرة وتسكن في منطقة عشوائية ولديها ابن ومصابة بسرطان في الدم وزوجها بلطجي (رد سجون) مارس عليه التهديد والوعيد لإبعاده عنها.
ولكن الهدف من الحكاية ليس تأكيد أن هذه العلاقة متوازنة اجتماعياً واقتصادياً ومهنياً وعمرياً بقدر ما هو تأكيد أن الحب ليس داء بقدر ما هو صانع للأمل وخصوصاً عندما يكون صادقاً.
وخلال الحلقة الأخيرة اتضح أن المسلسل رغم ثرائه الرومانسي إلا أن كان يستهدف أن شخصية (إلهام) المريضة الموجوعة إلا أنها كانت مصدر الإلهام والتغيير لمن حولها للأفضل، فهي التي غيرت (طارق) من شخص مسلوب الإرادة معدوم الشخصية إلى رجل متكامل قادر على اتخاذ قراره مهما كانت الضغوط عليه.
وغيرت عائلته بالكامل الأم والأخت والوالد، وغيرت طليقها رد السجون إلى رجل يسعى لكسب قوته بعرق جبينه، وغيرت صديقتها (نجوى) ورسمت لها طريق المستقبل، وغيرت حياة ابنها ونقلته للمدرسة التي يمكنه من خلالها الحصول على تعليم أرقى، وحتى أختها الأنانية حثتها على الاهتمام بأمها.
صحيح (إلهام) ماتت ولكنها ظلت حية في قلب (طارق) رغم زواجه من زميلته بعد وفاتها بثلاث سنوات، وظلت حية في قلوب من كانوا محيطين بها وستظل موجودة في ذاكرة الجمهور الذي شاهد المسلسل الذي يؤكد ذلك ما قاله صاحب نوبل اللاتيني (غابرييل غارسيا ماركيز): (لا يوجد دواء يشفي ما لا يستطيع الحب أن يشفيه).
الجديد الذي يطرحه هذا المسلسل رومانسياً لا يكمن في الحكاية نفسها، فقصص الحب بين شخصين منهكين من الحياة قُدمت كثيراً، لكن الاختلاف هنا في زاوية التناول.. فالحب لا يُقدَّم بوصفه خَلاصاً سحرياً، بل محاولة لترميم ما كسرته الحياة.. الشخصيات ليست مثالية، والعلاقة لا تبدأ بانبهار، بل تنمو ببطء من تفاصيل صغيرة: اهتمام، خوف، مشاركة همّ يومي، وإحساس نادر بالأمان.
هذه المساحة الإنسانية تُحسب للثنائي (عمرو سمير عاطف ووائل حمدي)، اللذين كتبا حواراً يمتلك قدراً واضحاً من الرقي والنعومة، بعيداً عن الابتذال اللفظي الذي اجتاح كثيراً من الأعمال الدرامية.

عالم بصري دافىء
هناك جُمل تبدو كأنها كُتبت بعناية لا لتُقال فقط، بل لتُشعِر المشاهد بأن العلاقات الإنسانية يمكن أن تكون مهذبة حتى في لحظات الألم والصدام والهروب.. الحوار هنا لا يصرخ، بل يهمس، ولا يفتعل (الإفيه) الرخيص، بل يراهن على الذكاء العاطفي.
هذه الميزة نفسها تتحول أحياناً إلى عبء حين يطول الحوار أكثر من اللازم، فمسلسل (ورد على فل وياسمين)، يقع في أكثر من موضع في فخ الإطالة.. بعض جلسات المصارحة العاطفية بين البطلين تبدو ممتدة بصورة تفقدها جزءاً من أثرها، وبعض مشاهد التردد أو إعادة شرح المشاعر تتكرر.
هناك أيضاً لحظات بدت فيها الكاميرا أكثر تعلقاً بالمزاج الرومانسي من تقدم الحدث نفسه، فبدلاً من دفع القصة إلى الأمام، يتوقف الزمن أحياناً لصالح مشاهد طويلة تعتمد على النظرات أو الصمت أو الحوار الممتد، وهو ما قد يرضي جمهور الرومانسية الهادئة، لكنه يختبر صبر المشاهد الباحث عن إيقاع أكثر حيوية.
مع ذلك، لا يمكن إنكار أن المخرج (محمود عبد التواب) نجح في خلق عالم بصري دافئ يناسب طبيعة العمل. الصورة هادئة، والإضاءة تميل إلى الألفة، والكادرات تبدو أحياناً وكأنها منحازة للمشاعر لا للاستعراض.. لم يحاول المخرج افتعال الفخامة البصرية أو إغراق المشاهد في مؤثرات زائفة، بل ترك المساحة للممثلين كي يتنفسوا داخل المشهد.
مفاجأة المسلسل في التمثيل بطله (أحمد عبد الوهاب)، والذي يلعب البطولة لأول مرة ليكسب الرهان وينجح في تجاوز فخ (ممثل الإسناد) الذي يصعب على كثيرين الإفلات منه.. قوته الأساسية في حضوره الطبيعي وعفويته وعدم افتعاله.. لا يحاول أن يبدو “بطلاً رومانسياً” بالمعنى التقليدي، بل رجلاً عادياً يمكن تصديقه.
(صبا مبارك) تقدم أداءً شديد النضج والاتزان، وتثبت مرة أخرى أنها ممثلة تعرف كيف تضبط انفعالاتها من دون مبالغة.. أداؤها هنا قائم على التفاصيل الصغيرة: نظرة مرتبكة، ابتسامة خافتة، أو صمت يحمل أكثر مما يقوله الكلام. وجودها منح العمل ثقلاً إنسانياً واضحاً، كما صنعت مع أحمد عبدالوهاب كيمياء مقنعة جعلت العلاقة بين الشخصيتين قابلة للتصديق.
(سلوى محمد علي) أضافت مسحة واقعية وإنسانية مهمة، بينما أضفت (ميمي جمال)، بخبرتها الكبيرة، حضوراً كوميدياً رسم بعض البهجة في أجواء قاتمة، أما (فدوى عابدين)، فتمكنت من منح شخصيتها حضوراً مميزاً بعيداً عن الأداء النمطي، لتؤكد أنها من الممثلات القادرات على خطف الانتباه حتى في المساحات المحدودة.
في النهاية، لا يقدم (ورد على فل وياسمين) عملاً كاملاً ولا ثورة فنية، لكنه يقدم شيئاً صار نادراً: رومانسية لا تخجل من الرقة، وحواراً لا يعتمد على الضجيج، وشخصيات تبدو أحياناً كأنها تشبهنا، مؤكداً قول جلال الدين الرومي (العشاق لا يلتقون أخيراً، إنهم في بعضهم منذ البداية).
وهذا لا ينفي أن المسلسل كان يحتاج إلى قدر أكبر من الحسم في المونتاج وتقليل المشاهد المكررة، لكن فضيلته الكبرى أنه حاول استعادة إنسانية الدراما العاطفية في وقت صارت فيه القسوة هى البطل الأول على الشاشة.