
بقلم المستشار: محمود عطية *
استكمالًا لدور الدولة في فرض هيبة القانون وحماية المجتمع من مظاهر الفوضى والانفلات فإن من حق المواطن أن يطالب بمواصلة الحرب على كل أشكال البلطجة التي تحاول التسلل إلى الحياة اليومية تحت مسميات مختلفة.. ومن بين هذه الظواهر التي تستحق المواجهة الحاسمة ما يُعرف ببلطجية (البودي جارد) الذين انتشر بعضهم خلال السنوات الأخيرة بصورة تدعو إلى القلق.
وكأننا أمام مهنة قائمة بذاتها بينما الحقيقة أن كثيرًا من هذه النماذج من (البودي جارد) لا علاقة لها بمفهوم الحراسة المهنية المنضبطة، وإنما تعتمد على استعراض القوة وفرض النفوذ والترهيب.
والحقيقة أنني لا أكتب اليوم عن ظاهرة جديدة.. فقد سبق لي أن حذرت منها منذ عام 2015 في أكثر من موقع ومنبر صحفي ثم عدت للحديث عنها مجددًا في نوفمبر 2024 على هذا الموقع المحترم.
وكان تحذيري وقتها واضحًا وصريحًا: لا تتركوا هذه الظواهر الصغيرة تنمو لأن ما يُترك اليوم بلا حسم يصبح غدًا واقعًا مفروضًا على المجتمع كله، لكن يبدو أن لدينا مشكلة مزمنة تتمثل في أن بعض الظواهر لا يتم التعامل معها إلا بعد أن تستفحل وتتحول إلى أزمة حقيقية.
ولعل أقرب مثال على ذلك ظاهرة سايس السيارات، فمنذ أكثر من أحد عشر عامًا كتبت محذرًا من خطورة ترك الشوارع تحت رحمة أشخاص نصبوا أنفسهم أوصياء على الأرصفة والميادين.
يومها قرأت خبرًا أثار غضبي وحزني في آن واحد عن طبيب يعمل بمستشفى حميات إمبابة، جاء كعادته إلى مقر عمله ليجد نفسه في مواجهة شخص قرر أن يمنحه أو يمنعه حق ركن سيارته وفقًا لمزاجه الشخصي.

سيل من السباب والإهانات
كان الطبيب يركن سيارته يوميًا في المكان نفسه بحكم عمله بالمستشفى، لكن في ذلك اليوم تغيب البلطجي الأصلي الذي يسيطر على المنطقة وترك مكانه لبلطجي أصغر سنًا، وعندما حاول الطبيب أن يشرح له بهدوء أنه موظف بالمستشفى، وأنه لا يفعل شيئًا خارج المألوف فوجئ بسيل من السباب والإهانات والتطاول الذي لا يمكن أن يقبله إنسان يحترم نفسه.
وتطورت الأمور بصورة مأساوية بعدما شعر الطبيب أن كرامته تُهان أمام الناس بلا سبب ولا مبرر، فدخل إلى المستشفى ثم خرج حاملًا آلة حادة من أدوات عمله ليعتدي بها على ذلك الشخص.
وهنا سألت وقتها وما زلت أسأل حتى اليوم: ماذا كانت الدولة تنتظر؟.. هل المطلوب أن يشتبك المواطنون مع بعضهم البعض في الشوارع؟.. هل المطلوب أن يتحول كل فرد إلى قاضٍ وجلاد ومدافع عن حقه بيده؟ وهل يجوز أصلًا أن يُترك إنسان يتعرض يوميًا للإهانة والاستفزاز حتى يفقد أعصابه ويقع ما لا تُحمد عقباه؟
للأسف لم يسمع أحد تلك الصرخات بالقدر الكافي، وبدلًا من القضاء على الظاهرة في مهدها تمددت وانتشرت حتى وصلنا إلى ما يمكن وصفه بمسخرة المساخر.. أصبحنا نجد بعض السايس يقف تحت بيت صاحب السيارة نفسه ويطالبه بالدفع.
وأصبح المواطن الذي دفع ثمن سيارته من عرقه وجهده مطالبًا بأن يدفع مرة أخرى لشخص لا يملك الأرض ولا الشارع ولا الرصيف. وإذا رفض تبدأ الإهانات وأحيانًا التهديدات وربما الاشتباكات.
وهنا يبرز السؤال الذي يفرض نفسه بقوة: أين كانت الدولة عندما بدأت هذه الظاهرة في الظهور؟.. وأين كانت عندما كتب كثيرون يحذرون منها منذ سنوات طويلة؟.. فالمشكلة ليست في معالجة الأزمة بعد انفجارها، وإنما في منعها قبل أن تتحول إلى واقع يومي يعتاد عليه الناس.
والأمر نفسه ينطبق على ظواهر أخرى كثيرة غير السايس و(البودي جارد)، خذ مثلًا ملف التوك توك الذي تحول في مصر إلى قصة طويلة من الجدل والمشكلات.
لا أحد ينكر أن هذه الوسيلة قدمت خدمة في بعض المناطق لكن حجم الفوضى التي ارتبطت بها لا يمكن تجاهله، كم من الحوادث وقعت بسبب القيادة العشوائية؟.. وكم من الجرائم ارتبطت بهذه المركبة؟.. وكم من طفل ترك مدرسته أو حرفته ليجلس خلف مقودها بلا رقابة حقيقية؟

انتشار التوك توك
وأنا شخصيًا أعتبر أن أحد أخطر الآثار الجانبية لانتشار التوك توك يتمثل في ضرب منظومة الحرف والمهن التقليدية التي كانت تمثل أحد مصادر القوة الحقيقية للمجتمع المصري، فقد كانت الورش في الماضي مليئة بالأسطوات المهرة الذين تعلموا المهنة منذ الصغر وأصبحوا خبراء يشار إليهم بالبنان، وكانت هناك أجيال من الصبية تتعلم على أيديهم لتضمن استمرار الخبرة من جيل إلى آخر.
أما اليوم فكم من صاحب ورشة يشتكي من عدم وجود من يتعلم الصنعة؟.. وكم من مهنة تعاني نقصًا حادًا في العمالة الماهرة؟ لقد انجذب كثير من الصغار إلى مكاسب سريعة لا تبني خبرة ولا تخلق مستقبلًا.
وهنا يجب أن ندرك أن الدول لا تقوم على أصحاب الشهادات وحدهم، فكما نحتاج إلى الطبيب والمهندس والقاضي نحتاج أيضًا إلى الصنايعي الماهر والفني المحترف والحرفي المبدع، بل إن كثيرًا من الدول الصناعية الكبرى قامت نهضتها أساسًا على تقديس العمل المهني واحترام الحرفيين.
ومن زاوية أخرى لا يمكن تجاهل ما نشهده أحيانًا من تراجع في منظومة الاحترام داخل بعض المرافق والأماكن العامة، فخلال السنوات الماضية تابعنا وقائع متكررة تتعلق بسوء معاملة كبار السن أو التعامل غير اللائق مع المواطنين أثناء تلقي الخدمات، وقرأنا عن مشاجرات داخل عربات المترو ومواقف أخرى مؤسفة كان بطلها أحيانًا شباب وأحيانًا فتيات.
ولا يجوز بالطبع تعميم هذه النماذج على جيل كامل لأن بين شباب مصر نماذج رائعة نفتخر بها في العلم والعمل والأخلاق، لكن المشكلة أن السلوك السلبي حين يتكرر يصبح ظاهرة تستحق التوقف أمامها، فاحترام الكبير ليس ترفًا اجتماعيًا بل أحد معايير التحضر، وتقدير الإنسان بسبب سنه أو خبرته أو مكانته قيمة أساسية في كل المجتمعات المحترمة.
تختفي الظاهرة مؤقتًا
إن ما يثير القلق حقًا ليس وجود هذه المشكلات في حد ذاتها لأن كل المجتمعات لديها مشكلاتها وإنما طريقة التعامل معها، فالدولة أحيانًا تنجح في معالجة سطر وتترك سطرًا آخر مفتوحًا.. تبدأ المواجهة بقوة ثم تخفت.. تتحرك الأجهزة فتختفي الظاهرة مؤقتًا ثم تعود من جديد وكأن شيئًا لم يكن.
وهنا تكمن الخطورة، لأن المجرم أو البلطجي عندما يلاحظ أن المواجهة مؤقتة يبدأ في انتظار انتهاء الحملة ليعود إلى نشاطه من جديد، وكأننا لا نقضي على المرض وإنما نعطيه جرعة مؤقتة تجعله يختفي قليلًا ثم يعود أكثر شراسة وانتشارًا.
لهذا فإن المطلوب ليس مجرد حملات موسمية وإنما استراتيجية مستمرة لا تعرف التراجع، المطلوب أن يشعر كل من يفكر في البلطجة أو فرض الإتاوات أو ترويع المواطنين عن طريق (البودي جارد) أن الدولة حاضرة في كل وقت وأن القانون فوق الجميع بلا استثناء.. المطلوب أن تتم مواجهة الظواهر المنحرفة منذ لحظة ميلادها لا بعد أن تكبر وتتحول إلى أمر واقع.
إن المصريين بطبعهم شعب يحترم الدولة ويقف خلف مؤسساتها عندما يشعر بالجدية والحسم، ولذلك فإن استمرار المواجهة ضد بلطجية البودي جارد وضد كل صور البلطجة والعشوائية هو الطريق الصحيح، فالمجتمعات لا تنهار بسبب الأزمات الكبرى فقط بل بسبب تراكم التجاوزات الصغيرة التي يتم التساهل معها عامًا بعد عام.
وعندما يأتي اليوم الذي تختفي فيه مظاهر (البودي جارد) التي فرضت النفوذ من الشوارع وتعود هيبة القانون كاملة وتُحمى كرامة المواطن من أي ابتزاز أو إهانة، وعندما يتم التعامل مع كل ظاهرة سلبية منذ بدايتها لا بعد استفحالها فقط عندها يمكن القول: إننا انتصرنا بالفعل في معركة بناء الدولة الحديثة التي يحلم بها كل مصري يحب هذا الوطن ويخاف عليه
* المحامي بالنقض – منسق ائتلاف مصر فوق الجميع