رئيس مجلس الادارة : محمد حبوشة
رئيس التحرير : أحمد السماحي

 محمود عطية يكتب: مسرحية (البودي جارد).. الوجه القبيح لدولة النفوذ!

 محمود عطية يكتب: مسرحية (البودي جارد).. الوجه القبيح لدولة النفوذ!
مشهد عبثي يسيء إلى المجتمع ويطعن هيبة الدولة في الصميم

بقلم المستشار: محمود عطية *

(البودي جارد).. الوجه القبيح لدولة النفوذ، وبهذه الصورة فنحن في مهزلة لأن هناك ظواهر تستفز العقل، وهناك ظواهر تجرح الذوق العام، وهناك ظواهر تهين فكرة الدولة ذاتها.

وظاهرة (البودي جارد) التي انتشرت بصورة مقززة خلال السنوات الأخيرة وكتبت احذر منها هنا في هذا الموقع وغيره عن تجمع كل هذه العيوب دفعة واحدة، فهي ليست مجرد مهنة خرجت عن حدودها الطبيعية، بل تحولت إلى عنوان للفوضى واستعراض النفوذ ومرض التفاخر بالقوة وإلى مشهد عبثي يسيء إلى المجتمع ويطعن هيبة الدولة في الصميم.

لقد أصبح من حق أي مواطن أن يتساءل بغضب شديد: في أي دولة نعيش عندما نرى بعض الأشخاص يتحركون وسط الناس وكأنهم أباطرة تحيط بهم كتائب من الحراس أو (البودي جارد) الذين يفتحون لهم الطرق بالقوة ويزاحمون المواطنين ويدفعونهم ويعاملونهم باستعلاء وكأنهم رعايا في إقطاعية خاصة.

ما الذي أوصلنا إلى هذه الصورة البائسة. ومن الذي أقنع هؤلاء بأنهم أهم من الناس جميعاً. ومن الذي منحهم الحق في تحويل الأماكن العامة إلى ساحات لاستعراض العضلات والنفوذ؟

إن الحقيقة التي لا يريد البعض سماعها هي أن جانباً كبيراً من ظاهرة (البودي جارد) الحالية لا علاقة له بالأمن ولا بالحماية ولا بالاحتراف.. إنها في كثير من الحالات مجرد تعويض نفسي عن نقص داخلي وشعور مرضي بالعظمة ورغبة محمومة في لفت الأنظار.

فالشخصية الحقيقية لا تحتاج إلى حراس يعلنون وجودها.. والقيمة الحقيقية لا تحتاج إلى أكتاف عريضة تمهد لها الطريق.. والاحترام لا يفرض بالقوة وإنما يكتسب بالسيرة والخلق والإنجاز.

 محمود عطية يكتب: مسرحية (البودي جارد).. الوجه القبيح لدولة النفوذ!
يتحول المشهد إلى عرض هزلي رخيص لا يثير الاحترام بقدر ما يثير السخرية والشفقة

عرض هزلي رخيص

لكننا أمام زمن اختلطت فيه المعايير حتى أصبح بعض محدودي الموهبة، وبعض طارئي الثراء، وبعض هواة الظهور يعتقدون أن الطريق الأسرع إلى صناعة الهيبة هو شراء مجموعة من الرجال مفتولي العضلات، والسير بينهم كأنهم حرس إمبراطوري.. فيتحول المشهد إلى عرض هزلي رخيص لا يثير الاحترام بقدر ما يثير السخرية والشفقة.

والأكثر استفزازاً أن هذه الظاهرة لم تعد تقتصر على الحفلات أو المناسبات الصاخبة بل تسللت إلى الجنازات والعزاءات.. نعم إلى الجنازات والعزاءات.. إلى الأماكن التي يفترض أن يتجرد فيها الإنسان من غروره ونفوذه أمام حقيقة الموت.

فإذا بنا نرى من يحضر لتقديم واجب العزاء محاطاً بالحراس أو (البودي جارد) يتقدمونه ويتأخرون عنه، وكأن الميت نفسه مجرد تفصيلة ثانوية في مشهد استعراض القوة. أي انحدار أخلاقي هذا. وأي إفلاس في الذوق والشعور.

لقد أعاد الحادث الأخير في التجمع إلى الأذهان حقيقة خطيرة طالما تجاهلها البعض، وهى أن الفوضى تبدأ دائماً عندما يختلط النفوذ بالقوة ويختلط المال بالاستعلاء ويختلط الشعور بالأهمية بوهم الحصانة.. وعندما يصل الإنسان إلى مرحلة يعتقد فيها أن وجود حاشية من الحراس يمنحه وضعاً استثنائياً فوق الناس وفوق القانون، فإن الكارثة تصبح مسألة وقت لا أكثر.

وأتذكر هنا ما قاله الكاتب الصحفي الكبير الراحل (مصطفى أمين) حين أطلق تحذيره الشهير من الوصول إلى مرحلة تصبح فيها مصر (دولة بلا دوله)، وللأسف فإن بعض المشاهد التي نراها اليوم تجعل هذه العبارة أكثر إيلاماً من أي وقت مضى، لأن الدولة لا تهتز فقط عندما تضعف مؤسساتها بل تهتز أيضاً عندما يسمح لأصحاب النفوذ بأن يصنعوا لأنفسهم هالات من السلطة الموازية داخل المجتمع.

إن أخطر ما في ظاهرة (البودي جارد) أنها لا تكتفي بإزعاج الناس وإنما تبعث برسالة شديدة السوء إلى المجتمع كله. رسالة تقول إن المال يشتري الهيبة.. وإن النفوذ يشتري الامتيازات، وإن المواطن العادي يجب أن يفسح الطريق لأصحاب الحاشية والحراس. وهذه الرسالة في حد ذاتها جريمة معنوية ضد فكرة المواطنة وضد مبدأ المساواة الذي تقوم عليه أي دولة محترمة.

ولنكن أكثر صراحة:

 محمود عطية يكتب: مسرحية (البودي جارد).. الوجه القبيح لدولة النفوذ!
ظاهرة تروج للكذب وتكافئ الاستعراض وتمنح الأهمية لمن لا أهمية له وتخلق أوهاماً بالقوة على حساب قيمة القانون

حالة من تضخم الذات

كثير ممن يسيرون محاطين بـ (البودي جارد) لا يحتاجون إلى حماية حقيقية على الإطلاق. لا أحد يطاردهم. لا أحد يهددهم. لا أحد يعرفهم أصلاً خارج دوائر محدودة، لكنهم يحتاجون إلى الشعور الزائف بالأهمية.. يحتاجون إلى مشهد تمثيلي يومي يقنعهم بأنهم شخصيات استثنائية.. يحتاجون إلى جمهور يشاهدهم وهم يعبرون بين الناس محاطين بالحراس. إنها حالة من تضخم الذات لا أكثر ولا أقل.

أما بعض أفراد (البودي جارد) أنفسهم فقد تحولوا في أحيان كثيرة إلى جزء من المشكلة لا إلى جزء من الحل.. يتعاملون مع المواطنين بفجاجة.. يتحدثون بغرور. يفتعلون الاحتكاكات.. يتصورون أن ضخامة الجسد تعني ضخامة القيمة.. وأن القوة البدنية تمنح صاحبها مكانة خاصة.

في حين أن الحقيقة المؤلمة هى أن احترام الناس لا ينتزع بالصراخ ولا بالدفع ولا بالتهديد، وإنما ينتزع بالسلوك الراقي والانضباط واحترام القانون.

إن الدولة التي تحترم نفسها لا تسمح بأن تتحول الشوارع إلى مواكب نفوذ.. ولا تسمح بأن تتحول المناسبات العامة إلى عروض عضلات.. ولا تسمح بأن يشعر المواطن ولو للحظة أن هناك من هو أعلى منه أمام القانون. فالدولة دولة أو لا تكون.. والقانون قانون أو لا يكون.. والهيبة هيبة المؤسسات لا هيبة الأفراد.

ولهذا فإن الوقت قد حان لوقف هذا العبث بشكل كامل.. لا نريد تجميلاً للظاهرة.. ولا نريد تنظيراً لها.. ولا نريد تبريرات سخيفة من نوع الحماية الشخصية والضرورات الأمنية. فالحماية الحقيقية لها ضوابطها وحالاتها المعروفة.. أما ما نراه في كثير من الأحيان فهو استعراض مرضي يجب أن يتوقف، ويجب أن يتوقف الآن.

لقد سئم المصريون من رؤية هذه المشاهد المستفزة.. سئموا من مواكب الغرور.. سئموا من حاشية النفوذ.. سئموا من الذين يتوهمون أنهم أكبر من المجتمع. وسئموا من الذين يعتقدون أن احترام الناس يمكن شراؤه بالأموال أو فرضه بالعضلات.

إن أخطر الأمراض ليست تلك التي تصيب الجسد بل تلك التي تصيب وعي المجتمع.. وظاهرة (البودي جارد) أصبحت للأسف أحد هذه الأمراض.. لأنها تروج للكذب وتكافئ الاستعراض وتمنح الأهمية لمن لا أهمية له وتخلق أوهاماً بالقوة على حساب قيمة القانون.

ولهذا فإن القضاء على هذه الظاهرة لم يعد مطلباً اجتماعياً أو أخلاقياً فقط بل أصبح واجباً وطنياً.. واجباً لحماية هيبة الدولة.. وواجباً لصيانة كرامة المواطن.. وواجباً لإعادة الأمور إلى نصابها الطبيعي.

ففي الدولة الحقيقية لا يسير فوق القانون أحد.. ولا يفرض هيبته على الناس أحد.. ولا يزاحم هيبة الدولة أحد.. ومن يظن أن مجموعة من الحراس قادرة على صناعة المجد أو فرض الاحترام فهو لا يفهم معنى المجد ولا يعرف معنى الاحترام.

* المحامي بالنقض – منسق ائتلاف مصر فوق الجميع

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.