


بقلم الكاتب والسيناريست: وائل شفيق
بأي معيار تمنح الدولة المصرية (اعتمادها الدرامي) لسيرة الدكتور (مصطفى محمود)، التي اتسم تاريخها بالتقلبات الحادة والتأرجح الحاد بين المواقف المتضادة؟ وهل تستحق شخصية بهذا السجل أن تتحول شاشات الدولة وموازنتها منبراً لحكي تجربتها؟
الجواب الذي يفرضه واجب الوعي واضح: لا.. فصاحب هذه السيرة تبنى طوال الوقت مواقف سياسية متطرفة، اقتربت في طرحها من خطاب جماعة الإخوان الإرهابية.
ومن ذات المنطق الإقصائي الذي تبناه، تحولت أحكامه إلى أحكام نهائية.. فكان (مصطفى محمود) يوزع صكوك الجنة والنار كأنه إله.. فإذا رضي عن أحد منحه براءة من النار وأدخله الجنة، كما فعل في كتابه زيارة للجنة والنار مع (تحية كاريوكا، وفيفي عبده، ومنيرة المهدية، وأبو نواس، وعمر الخيام)، لأنهم اعتزلوا الفن وتابوا منه في أواخر حياتهم.
وإذا خالفه أحد أسكنه الجحيم، كما فعل مع الرئيس الراحل جمال عبد الناصر حين أدخله (النار) في رواية (المسيخ الدجال)، وافترى عليه الكذب عمداً ليكفره، إذ زعم أنه قال يوم افتتاح السد العالي: (اليوم نروي حقولنا دون انتظار لما تأتينا به السماء من مطر).
والذي فعله (مصطفى محمود) في مسرحياته هو عين التكفير، وإن تباينت الأداة.. فلا فرق جوهري بينه وبين (سيد قطب) إلا في الوسيلة.. (سيد قطب) كان قائد تنظيم يدعو للعنف صراحة.
وأما (مصطفى محمود) فتستر بالمسرح، وتقنع بزي المبدع.. الأول سفك الدماء، والثاني سفك السمعة.. الأول قضى بالردة، والثاني قضى بالنار.. وكلاهما انسلخ من ملة الرحمة إلى ملة الإقصاء.. فالحكم بالنار حكم بالكفر، لأن النار مثوى الكافرين!
وهنا مكمن خطورته، فالمتطرف التنظيمي لا يجرؤ أن يحكم على معين بالنار، لأنه يعلم أن ذلك تألٍ على الله وحرام شرعاً.. أقصى ما يفعله أن يكفره ويستحل دمه في الدنيا.. أما (مصطفى محمود) فتجرأ على ما لم يتجرأ عليه عتاة التطرف، فعيّن أشخاصاً بأسمائهم وأودعهم النار في ثنايا مسرحياته.

مجتمع (الذئاب المنفردة)
فما صنعه جريمة أدبية لا علاقة لها بالفن، وخطيئة دينية لا صلة لها بالإسلام، وكتب من هذا النوع جديرة بالمصادرة والمنع لا بالقراءة.
و(سيد قطب) كان أديباً مثله، نظم الشعر وكتب الرواية قبل أن ينضم للجماعة الإرهابية.. غير أنه حُكم عليه بالإعدام في قضية تنظيم 1965 لأنه جاهر بالتكفير ودعا إلى العنف.. وأما (مصطفى محمود) فتعلم الدرس، فلم يؤسس تنظيماً ولم يجاهر بتكفير.. سلك مسلك التورية، فكفّر مموّهاً بالأشكال الأدبية، وزج بالناس في النار بطريقة إرهابية مبتكرة.
فذاك قضى مشنوقاً لأنه كفّر خصومه، وهذا مات مكرماً لأنه أودعهم النار.. الأول سقط بالتنظيم، والثاني ارتفع بالمسرح.. فتتساوى جريمتهما وإن اختلفت وسيلتهما، وتتحد غايتهما وإن تباعدت طريقتهما: إخراج الناس من الملة وإيداعهم النار.
وقد يحتج محتج بأن (مصطفى محمود) لم ينتمِ لجماعة، وكان رافضاً للإسلام السياسي. والجواب أن خطر الرجل لم يكن في الانتماء، بل في الرؤية.. فهو رأى أن التطرف لا يحتاج تنظيماً يُعلن عنه وتقبض عليه الدولة.. بل أراد أن يحول كل فرد إلى تنظيم قائم بذاته، يحمل الفكر المتطرف في عقله وقلبه.
فإذا اختلف مع أحد أودعه النار.. فكان يفضل مجتمع (الذئاب المنفردة) قبل أن يعرف العالم هذا المصطلح. كل إنسان محكمة، وكل قلم مشنقة.
وهكذا تهيأ المسرح للجماعات الإرهابية دون أن ينطق باسمها.. والدليل على ذلك أن منابر الجماعة ومنصاتها لم تهاجمه يوماً، بل احتفت به ومدحته. فها هي قناة الجزيرة، منبر الجماعة الأثير، تفرد له فيلماً وثائقياً من جزئين وتمطره بالثناء.. فالجماعة لا تمدح إلا من هيّأ لها الطريق، ولا تحتفي إلا بمن زرع فكرها في العقول.
وحين ضاقت أحكامه بالأشخاص، انصرف إلى هدم المشروعات.. ففي ذروة تطرفه الفكري ألصق بالسد العالي كل منقصة، وكتب بالنص: (إن المشروع كان نكبة على الزراعة في مصر بما سلب من طمي، وبما أصاب الأرض من نشع دائم… فهجم الماء المالح على سواحل الدلتا فأتلف ألوف الفدادين، وتآكلت الجسور وسقطت لخفة الماء).

رواية المسيخ الدجال
ثم قفز من النقد إلى نبوءة الهلاك، فكتب في روايته المسيخ الدجال ص 21: (ثم جاءت الطامة الكبرى بالإغارة على السد في الحرب العالمية الثالثة، ومحاولة ضربه من الجو مما هدد بفيضان بحيرة ناصر وإغراق البلاد وهلاك الملايين).
وعند هذا الحد تتكشف المفارقة حين نوازن بين خطابه وخطاب سواه.. فهذا الرأي بعينه هو الذي سطره المرشد العام لجماعة الإخوان المسلمين عمر التلمساني عام 1979 في كتابه قال الناس ولم أقل في حكم عبد الناصر: (الأهوال المريعة والخسائر الفادحة التي سببها وسيسببها هذا السد الأنكد..
نسأل الله أن يهيئ لمصر من يكون له من الحزم والحسم ما يقضي به على هذا السد المشئوم ويهدمه قبل أن تحل بنا أخطاره المحققة الماحقة.. اهدموا السد قبل فوات الأوان!.. هنا تطابقت الحروف، واختلف اللقب فحسب: مفكر هنا، ومرشد هناك، أما الجوهر فواحد؛ شيطنة مشروع قومي والدعوة الصريحة إلى هدمه.
وتكتمل الصورة حين ندرك أن هذا المشروع ذاته رفضت أمريكا تمويله، وحاربته إسرائيل عسكرياً، فالتقى قلم متقلب مع خطاب جماعة محظورة مع إرادة عدو، في تعطيل مسيرة مصر. ثلاث روايات تباينت أدواتها واتحد هدفها.
ويأتي الواقع ليحسم الجدل بين الدعوى والحقيقة.. فالسد الذي أنذر بغرق مصر بسببه، هو الذي حمى المصريين من الغرق فعلاً.. فقد اختارت الأمم المتحدة السد العالي عام 2000 أعظم مشروع تنموي وهندسي في القرن العشرين.. وهو الذي صمد أمام موجات الجفاف الطويلة، ودرأ كوارث الفيضانات التي كادت تغرق الدلتا بأسرها.
وبعد أن دحض الواقع هذه الرؤية، يعود السؤال بحدة أشد: بأي منطق تقدم الدولة التي تخوض معركتها مع التطرف، على شاشاتها سيرة رجل تتطابق رؤيته السوداوية للمشاريع التنموية مع رؤية الجماعة الإرهابية؟
نحن لا نخشى مسلسلاً، إنما نخشى منح (علامة الضمان) لرؤية إرهابية متطرفة في وعي أجيال لم تعاصر الأحداث ولم تقرأ الكتب.. فالدراما سلطة ناعمة، و(الاعتماد الدرامي) أمانة، والأمانة لا تُمنح لمن روّج لأوهام دحضها الواقع.
وختاماً، إن جهل صناع العمل بخطورة هذه الجهالات مصيبة، وإن علمهم بها وتجاهلهم لها مصيبة أعظم؛ لأنهم يتواطؤون مع إعادة تدوير رأي تهاوى أمام حكم التاريخ، ورأي تبناه عدو الأمس تحت عباءة الفكر.. مصر التي تبني اليوم لا تحتاج دراما تستدعي اتهامات التكفير، مصر تحتاج وعياً يصونها لا أكاذيب تهدمها.