رئيس مجلس الادارة : محمد حبوشة
رئيس التحرير : أحمد السماحي

لغز موت (أسمهان).. هل كان الغرق هو الفصل الأخير فعلاً؟

لغز موت (أسمهان).. هل كان الغرق هو الفصل الأخير فعلاً؟ لغز موت (أسمهان).. هل كان الغرق هو الفصل الأخير فعلاً؟

لغز موت (أسمهان).. هل كان الغرق هو الفصل الأخير فعلاً؟
على مدى أكثر من ثمانين عاماً لم تتوقّف الروايات التي تُشكك في أنّ الغرق كان هو السبب الحقيقي للوفاة!
لغز موت (أسمهان).. هل كان الغرق هو الفصل الأخير فعلاً؟
عامر فؤاد عامر

بقلم الكاتب السوري: عامر فؤاد عامر

لم تُثرْ وفاةُ فنّانة من الأسئلة وإشارات الاستفهام، في تاريخ الفنّ العربي، بقدر ما أثارته وفاة (أسمهان) في الرابع عشر من تموز – يوليو العام ألف وتسعمائةٍ وأربعة وأربعين، فالرواية الرسميّة تحدّثت عن سقوط السيارة في إحدى الترع في نهر النيل، وغرق أسمهان ومرافقتها فيها، لكن على مدى أكثر من ثمانين عاماً لم تتوقّف الروايات التي تُشكك في أنّ الغرق كان هو السبب الحقيقي للوفاة!

من بين أكثر الشهادات إثارةً للجدل ما نُسب إلى الفنّانة الراحلة تحيّة كاريوكا، إذ قالت في أكثر من مناسبة إنها شاهدت – أثناء تجهيز جثمان (أسمهان) – أثر رصاصة في الرأس، وهو ما اعتبره البعض دليلاً دامغاً على أنّ الوفاة لم تكن فقط بسبب غرق السيّارة في المياه.

لكن بمراجعة مذكرات الفنّان الكبير (فريد الأطرش) التي وضعها واستكملها قبل وفاته في العام ألفٍ وتسعمائةٍ وأربعة وسبعين، نجد أوّلاً أنّ هذه الرواية لم تؤكّدها وثائق الطبّ الشرعي المنشورة آنذاك، وبقي كلام الفنّانة (كاريوكا) في إطار الشهادة الشخصيّة.

حيث أخبرته بما رأت عيناها، وبناء عليه أبلغ فريد الأطرش المسؤولين عن استلام الجثة في نيابة (طلخا)، كفريق جنائي وطبّ شرعي، وطلب تشريح جثّة أسمهان، استناداً لتلقيه خطاباً من غير توقيع يفيد إلى أن حادث مصرع شقيقته كان مدبّراً بالاتفاق مع سائق السيارة، ولكن كانت الإجابة غير مبررة على طلبه بالامتناع عن التشريح، واستدعاء السائق من السجن والنظر في قضيّته أمام محكمة جُنح (طلخا).

ثمّ نجد كلاماً مشابهاً لدى الشقيق الأكبر لأسمهان وفريد، (فؤاد) في لقاءٍ مصوّر يذكر فيه بأنّ (أسمهان) أُصيبت برصاصة قبل حادثة الغرق مباشرةً، لكن هذا اللقاء جاء في وقتٍ متأخر جدّاً في بداية الثمانينات من القرن الماضي.

لغز موت (أسمهان).. هل كان الغرق هو الفصل الأخير فعلاً؟

لغز موت (أسمهان).. هل كان الغرق هو الفصل الأخير فعلاً؟
ما ذكره الفنّان فريد الأطرش في المذكرات عن ذلك وعن التأكيد على أنها كانت حيّة وقلبها ينبض لحظة انتشالها

الملابسات الغامضة للحادث

أمّا الصحف المصريّة والعربيّة؛ التي استند الباحثون إليها كمصادر لنقل الخبر، فيمكن تقسيمها لجزأين، الأوّلى هى الصحف التي رافقت ونقلت خبر وفاة أسمهان، ومنها جرائد الأهرام وفلسطين والمقطم ومجلّة الدفاع الفلسطينيّة، وغيرها، والتي تناولت الملابسات الغامضة للحادث، كما أشارت إلى تساؤلاتٍ حول سبب الوفاة الحقيقي، وطبيعة الحادث، وسبب الضربات في منطقة الرأس.

يأتي الجزء الثاني من الصحف والمجلات التي رافقت مرحلة الانتهاء من الحكم الملكي والانتقال لمرحلة سياسيّة جديدة بعد العام 1952، حيث أخذت الشكوك حول وفاة (أسمهان) تتغذّى من جديد لكنها بقيت محض شكوك تزداد وتظهر بين عامٍ وآخر، وفي هذه الفترة بالتحديد أثيرت شهادة الفنّانة تحية كاريوكا.

ثمّ ما ذكره الفنّان فريد الأطرش في المذكرات عن ذلك وعن التأكيد على أن شقيقته كانت حيّة وقلبها ينبض لحظة انتشالها من السيّارة الغارقة في الترعة، وتأخر سيارة الإسعاف عن الحضور، وغيرها من صدى الموضوع بين هنا وهناك، وبقي تفسير ما ورد في تلك الصحف محلّ نقاشٍ بين المؤرخين.

ولم يتمكّن من أن يمثّل إثباتاً لفرضيّة القتل، ولربّما بسبب الابتعاد الزمني عن حادثة الترعة وتغيير المشهد والحقبة السياسيّة بشكلٍ كلّي.

يضيف أصحاب فرضيّة الاغتيال ملاحظةً أخرى؛ تتعلّق بالصور التي التُقطت للسيّارة أثناء انتشالها من الترعة، إذ يرون أنّ السيّارة لم تكن مغمورةً بالكامل بالمياه، وأنّ جزءً وافياً منها كان ظاهراً فوق سطح الماء، وهو ما يثير – بحسب رأيهم – تساؤلاتٍ حول كيفيّة وفاة الركاب غرقاً داخلها.

في المقابل، يشير آخرون إلى أن وضع السيّارة عند انتشالها لا يثبت بالضرورة وضعها لحظة سقوطها، إذ يمكن أن تتحرّك أو تستقر بصورةٍ مختلفة عن لحظة السقوط، وذلك بفعل التيّار، ووزن الكتلة، أو أثناء عمليّة الرفع.

لغز موت (أسمهان).. هل كان الغرق هو الفصل الأخير فعلاً؟

لغز موت (أسمهان).. هل كان الغرق هو الفصل الأخير فعلاً؟
بقيت وفاة (أسمهان) واحدة من أكثر القضايا غموضاً في التاريخ الفنّي العربي

الوفاة جاءت مفاجئة

لن ننسى بأن الشخصيّة كانت شديدة الشهرة آنذاك، وكانت على وشك الانتهاء من تصوير فيلمها الثاني (غرام وانتقام)، ولذلك يصعب على الجمهور تقبّل أن تكون النهاية حادث عادي فقط، كما أن الوفاة جاءت مفاجئة، وفي سنٍّ مبكرة.

ومن جانبٍ آخر ارتبطت الشخصيّة بأصحاب نفوذٍ أمثال الجنرال كلايتن، أو أجهزة استخبارات فرنسيّة وبريطانيّة وألمانيّة أو شخصيّات سياسيّة غربيّة وعربيّة، مما فتح الباب أمام فرضيّات الاغتيال.

أمام كلّ هذا وأكثر؛ بقيت وفاة (أسمهان) واحدة من أكثر القضايا غموضاً في التاريخ الفنّي العربي، فهناك من يتمسّك بالرواية الرسميّة، التي تعتبر الحادث قضاءً وقدراً، بينما يرى آخرون أن تعدد الشهادات والملابسات يفتح الباب أمام احتمال وجود جريمة أُخفيت معالمها.

على الرغم من مرور عقود طويلة، لم يظهر دليل جنائي يحسم الجدل بصورةٍ نهائيّةٍ، ولذلك يبقى السؤال مطروحاً: هل ماتت أسمهان غرقاً بالفعل، أم أن الغرق كان رواية ستارٍ أخفى سبباً آخر للوفاة؟

هذا السؤال لا يزال حتّى اليوم جزءً من أحد أكبر ألغاز القرن العشرين في العالم العربي.. وكلّما مرّ الزمن أصبح من الصعب الوصول إلى أدلّة جنائيّة جديدة، فتملأ التكهنات الفراغ.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.