
بقلم الكاتب الصحفي: محمد شمروخ
في أثناء مشاهدتى فيلم (الراقصة والسياسي) على إحدى القنوات التلفزيونية خلال الأيام الماضية، عادت بي الذكريات إلى تلك الفترة من تاريخ السينما، بل من تاريخ مصر، حيث شهدت الشاشة الكبيرة نوعية أفلام من حق ذلك العهد أن يزهو بها بين كل عهود الزمان!.
كانت فكرة (الراقصة والسياسي) جريئة شأن كل أفكار إحسان عبد القدوس في قصصه ورواياته، وكذلك كان السيناريو والحوار لوحيد حامد، والإخراج لسمير سيف، إنه ثلاثى قادر على تخصيب بنسبة تصل إلى 90% أو أكثر من نظير اليورانيوم 235!.. وكم أنتجت هذه المفاعلات الدرامية من أسلحة إبداع شامل مناسب لكل العصور!
كان هناك أيضا طاقم ممثلين على قدر المسئولية ولديهم استعداد لتحمل تبعات ما يمكن أن يحدث!
هناك كثير من الأفلام تثير العجب سبقت (الراقصة والسياسي)، الذي أنتج سنة 1990، منها على سبيل المثال لا الحصر، (أغنية على الممر – 1972)، عن مسرحية على سالم بالعنوان نفسه، سيناريو وحوار مصطفى محرم وإخراج علي عبد الخالق.
وفي سنة 1971 سبقه فيلم (ثرثرة فوق النيل).. نجيب محفوظ المؤلف وحسين كمال المخرج.
وفي سنة 1972 كان فيلم (المذنبون) عن قصة لنجيب محفوظ لم يطبعها في رواية والمخرج سعيد مرزوق هو فيلم عنقودى التفجير، لكنه مفعم بالمشاهد الساخنة وآثار أزمة في حينه ولز ركز فيه الناس لوجدوا أن مشاهد الفجور فيه وراءها معانى شديدة الانفجار، لكن ما شغل الناس هو كثرة الجنس والتى هى بحق غير مقحمة على الأحداث وإن كانت تسببت في سزؤ سمعة الفيلم.

فيلم (أهل القمة)
كذلك فيلم (أهل القمة) الذي تم إنتاجه عام 1981، من إخراج علي بدرخان.. ثم توالت الأفلام في زمن مبارك (الذي خلعه المصريون بعد ثورة عارمة من أجل الحرية!!!!!!!).
ولن يتسع المقام لحصر الأفلام!
بس خد عندك أسماء الأفلام بدون ترتيب أو تفاصيل اختصارًا للوقت: (البريء، زوجة رجل مهم، كتيبة الإعدام، الكلام في الممنوع، اللعب مع الكبار، البيضة والحجر، طيور الظلام، والنوم في العسل، كلام الليل، معالى الوزير).. وعذراً فليس لدينا الوقت الكافي لسرد قائمة الأفلام على هذه الشاكلة!
ملحوظة خاصة: لابد من طرح سؤال خاص عن كيفية خروج فيلم للنور بعنوان (كشف المستور) كيف أخرج؟!.. كيف أنتج؟!.. كيف عرض في صالات السينما؟!.. لا وكمان في التليفزيون على القنوات العادية).
فمع أن هناك نوعيات أفلام ذات مستويات متدنية فنياً قد أنتجت في تلك الفترة، إلا أحدا لا يمكن له أن ينكر أن هناك أفلاماً أخرى كانت في منتهى الجرأة، تم تصويرها وتوزيعها وعرضها، وإلى اليوم على الشاشات الصغيرة، كلها تصلح لأن تكون وثائق تاريخية حية لا على شكل الحياة العامة، بل شهادة لذلك الزمان تحمل في طياتها برقية اعتذار وندم!.

برسوم يبحث عن وظيفة
(وتفيد بإيه.. يا ندم يا ندم!)
حقاً هذه الأفلام أدانت كل أشكال الفساد المتجذر في المجتمع على عدة مستويات؛ سياسياً واجتماعياً واقتصادياً؛ لكنها في الوقت نفسه تقدم شهادة إشادة على مدى المساحة المتروكة لحرية التعبير والإبداع، وهى الفترة التى – للأسف – لم نشعر بقيمتها إلا في هذه الأيام التى يتم فيها صنع مشاهد الأفلام والمسلسلات بالأمر المباشر وتحت رقابة صارمة.
مما لم يشهد له تاريخ مصر المعاصر مثيلاً منذ إنتاج (برسوم يبحث عن وظيفة) أول فيلم مصرى (صامت) للسينما في عشرينيات القرن العشرين!
هناك أفلام يؤرخ بها في عهد السينما مثل (الراقصة والسياسي).. أفلام كتبها مؤلف شجاع وأنتجها منتج مغامر وأخرجها مخرج وضع رأسه على يديه وقام بها ممثلون حملوا أكفانهم على اكتافهم ورقيب أكثر جرأة من الجميع!.
والآن مات المؤلف والمخرج والمنتج والممثل وجاء رقيب لم يعد بحاجة إلى مراجعة المشاهد، لأنه هو الذي الذي يصدر الأوامر إلى أولئك الذين حلوا في أماكن المشار إليهم آنفا!
باختصار صار السيد الرقيب هو المؤلف الوحيد والمنتج الوحيد والمخرج الوحيد والممثل الوحيد، وزد على ذلك بأنه صار هو الناقد الوحيد!
………….
وحياتك.. ويمكن المشاهد الوحيد!
…………..
والآن يدندن في أذني نداء ميكروباصات موقف الإسعاف: (وحدة وحدة.. كيت كات كيت كات.. وراق وراق.. أرض اللوا.. لعبة لعبة لعبة!).