رئيس مجلس الادارة : محمد حبوشة
رئيس التحرير : أحمد السماحي

(مصطفى محمود).. المجد للدوبلاج وصناع المحتوى!

(مصطفى محمود).. المجد للدوبلاج وصناع المحتوى!
اختيار (المدبلِج المتسلف) بطلاً للموسم، لا اختيار العالم الباحث أو المفكر الناقد
(مصطفى محمود).. المجد للدوبلاج وصناع المحتوى!
وائل شفيق

بقلم الكاتب والسيناريست: وائل شفيق

بمناسبة إعلان الفنان حمزة العيلي عن مسلسل الدكتور (مصطفى محمود) في رمضان 2027، يثور سؤال جوهري لا يحتمل التأجيل: ما الأساس الموضوعي الذي جعل من شخصية (مصطفى محمود) نموذجاً يستحق أن تُعرض سيرته على الشاشة، وتُدرّس للأجيال بوصفها ملهمة؟

الواقع أن الإجابة تكمن في معادلة السوق، لا في معادلة العلم.. فسوق الدراما اليوم لم تعد تبحث عن النماذج التي تبني الوعي، بل عن النماذج التي تضمن الربح.. ومن هنا جاء اختيار (المدبلِج المتسلف) بطلاً للموسم، لا اختيار العالم الباحث أو المفكر الناقد.

إن قراءة متأنية في السيرة الذاتية لـ (مصطفى محمود) تكشف أن عبقريته لم تكن في العلم، وإنما في التوقيت.. فقد تخرج من كلية الطب سنة 1953 متأخراً سبع سنوات كاملة عن أقرانه.. ثم اعتزل مهنة الطب سنة 1960، أي بعد سبع سنوات فقط من ممارستها. وهكذا انتهت مسيرته المهنية في الطب سريعاً.

ثم أمضى عقد الستينيات في كتابة الروايات والمقالات بحثاً عن موطئ قدم، حتى وجد ضالته في سبعينيات القرن الماضي حين بدأ مسيرته في مجال الدبلجة الصوتية.

ولم يبدأها بفكر أصيل.. لقد أخذ فكرة البرنامج الإذاعي (العلم والدين) جاهزة.. ثم هندسها للتلفزيون تحت شعار (العلم والإيمان) مواكباً شعار الرئيس السادات في عهده.

لقد استبدل (مصطفى محمود) مشرط الجراح بميكروفون المعلق، واستبدل المعمل بالاستوديو.. فلم يقدّم اكتشافاً علمياً واحداً، ولم يضف للمعرفة البشرية نظرية أو تجربة موثقة، ولم يخترع حتى فكرة برنامجه.

(مصطفى محمود).. المجد للدوبلاج وصناع المحتوى!
كل ما فعله أنه أخذ ما هو جاهز، وأعاد صياغته بلغة دينية استهلاكية تواكب صعود اليمين الديني

لغة دينية استهلاكية

كل ما فعله أنه أخذ ما هو جاهز، وأعاد صياغته بلغة دينية استهلاكية تواكب صعود اليمين الديني في مصر والعالم العربي وقتها. فبدا للناس كأنه صاحب الفكر والعلم، بينما هو في حقيقته ناقل للأفكار لا منتجاً لها، مدبلِج للأفلام العلمية لا عالماً بها.

ونجحت الدبلجة.. فتعليق صوتي على علم أجنبي بكلمة (سبحان الله) صنع وهم (الفيلسوف العلامة المفكر).. وهذا الوهم فتح له أبواب الشهرة والمال والمكانة التي لم تُفتح لطبيب مغمور اعتزل مهنته.. هذا هو النموذج: تجارة القداسة.. بضاعة لا تُراجع، وسوق لا يكسد، وزبون مستعد دائماً للدفع.

ولكل تجارة فاتورة.. والفاتورة هنا دُفعت من رصيد العقل النقدي.. فصاحب هذه الدبلجة كان من أبرز الأصوات المؤيدة لحرب أفغانستان والبوسنة والشيشان في حينها.. ونفس المنطق الذي يُسبِّح مع النص في (ناشيونال جيوغرافيك) هو الذي هلل للخطاب الجهادي الذي يخدم المصالح الأمريكية.

وهنا تتكشف المفارقة: الرجل الذي صدّر نفسه مدافعاً عن (العلم والإيمان) كان في الوقت نفسه صوتاً موالياً لمشروع سياسي يخدم أجندات خارجية.

وهنا تكمن الخطورة التي لا يجوز التغاضي عنها.. فعندما تختار الدراما المصرية أن تصنع بطلها من رجل لم يمارس العلم، وإنما اكتفى بالتعليق عليه، فإنها ترسل رسالة خبيثة إلى الشباب: إن الطريق إلى المجد لا يمر بالمعمل ولا بالبحث ولا بالتجربة، وإنما يمر بالميكروفون.

إنها تقول لطالب الطب: لماذا تنفق عمرك في التشريح؟ وإنها تقول لطالب الفيزياء: لماذا تضيع زهرة شبابك في المعادلات؟.. يكفيك أن تعلّق على ما أنتجه غيرك، ثم تُلصق عليه خطاباً دينياً، وتصبح بعد ذلك (عالماً) في عيون الناس.

هذه الرسالة أشد فتكاً من الجهل نفسه، لأنها تقدم الجهل في صورة معرفة، وتقدم الاستهلاك في صورة إنتاج. وهي رسالة تتقاطع مع منطق (تجارة القداسة) التي حوّلت الدين من رسالة هداية إلى سلعة رائجة، ومن قيم عليا إلى أدوات تسويق.

(مصطفى محمود).. المجد للدوبلاج وصناع المحتوى!
آن الأوان أن نعيد تعريف البطولة في الدراما المصرية

المسؤولية الأخلاقية والثقافية

لقد آن الأوان أن نعيد تعريف البطولة في الدراما المصرية.. فالبطل الحقيقي ليس من علّق على علم غيره، بل من أنتج العلم بنفسه.. وليس من زيّن بضاعة مستوردة، بل من صنع بضاعته بيديه.

ومصر التي أنجبت (زويل ومشرفة ويعقوب)، ومصر التي أنجبت (العقاد وطه حسين ونجيب محفوظ)، لا ينبغي أن تقدم لشبابها نموذج (المدبلِج) بوصفه قدوة، وتترك نماذج (الباحث، والمخترع، والمفكر الأصيل) في الظل.

إن تكريم (مصطفى محمود) درامياً ليس تكريماً للعلم، بل تكريماً للدبلجة.. وليس احتفاءً بالفكر، بل احتفاءً بالتلفيق.. ومن هنا فإن المسؤولية الأخلاقية والثقافية تقتضي أن نقول بوضوح: لا لهذا المسلسل.. لا لتكريم من تاجر بعلم الغرب ودين الشرق فصنع مجداً لا يستحقه.. لا لتعليم أبنائنا أن المجد يُنال بالتعليق لا بالبحث العلمي.

المجد للدوبلاج وصناع المحتوى إذاً.. وعزاؤنا أن التجربة لا تموت، حتى لو أطفأوا نور المعمل ورفعوا كاميرا الموبايل.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.