

بقلم الكاتب والسيناريست: وائل شفيق
لم تكن الصورة التي نشرتها الفنانة (آية سماحة) مع زوجها داخل المصعد لحظة عابرة يحتفظ بها الأحبة لذكراهم، بل كانت مشهدًا واضحًا يحمل قبلة على الفم، ووضعية للصدر جعلت العين تتوقف عنده دون قصد.. ومن هذه اللقطة بالذات خرج الحديث من الدائرة الضيقة إلى الساحة الواسعة، واشتعل الجدل كما يشتعل الحطب الجاف عند أول شرارة.
ما حدث لا يخص الصورة وحدها، بل يخص علاقتنا كلها بعالم التواصل اليوم.. الفضاء الرقمي لا يعرف حدودًا صارمة بين الخاص والعام كما كنا نفعل من قبل.. كل ما يُرفع على الحساب الشخصي يخرج من يد صاحبه، ويصبح قابلًا للانتشار، وقابلًا للتأويل، وقابلًا للاستخدام في غير موضعه.
وحين تكون اللقطة مختلفة عما اعتاده الناس، فإنها تشد الانتباه بسرعة، ويصبح اسم صاحبها هو العامل الثاني في سرعة الانتشار. القاعدة هنا لا تخطئ: مشهد غير مألوف مع وجه معروف يساوي تعليقات كثيرة، وردود متضاربة، وضجيج لا يهدأ سريعًا.
فالجمهور جاهز للتفاعل، والمنصات تمنح الأولوية لما يثير الفضول. وهكذا يتحول فعل فردي بسيط إلى مادة عامة تُطحن في نقاشات لا تنتهي، ويصبح السؤال ليس لماذا نُشرت، بل كيف نرد عليها.
من المهم أن نفرق بين أمرين يختلطان على كثيرين.. الأمر الأول هو التعبير عن الذات، فالإنسان حرّ في أن يوثق لحظة من حياته، وأن يشاركها مع من يحب، إن أراد. والأمر الثاني هو استخدام هذا الفعل لاستدعاء الانتباه، أي أن تكون الغاية من النشر هي الظهور نفسه، لا المعنى.
مشكلة صورة (آية سماحة) التي نتحدث عنها أنها لم تُقدم كدعاية لعمل فني، ولم يُكتب معها نص يوضح رسالة أو فكرة. هي لحظة حميمية صُورت ونُشرت، فقرأها كل شخص حسب زاويته. فريق رآها شأنًا خاصًا لا يعني الجمهور في شيء، وفريق آخر رآها تجاوزًا للذوق العام يستدعي الوقوف عنده.

صراع لا يفيد أحدًا
لكن الذي ضخّم الأمر هو طريقة التداول.. فالصورة لم تتحوّل من تلقاء نفسها إلى قضية رأي عام، بل جرى جرّها إلى هذا المربع، وحُوّلت عمدًا إلى اختبار مواقف.. وأصبح المطلوب من الناس أن يصطفوا إما مع الحرية وإما مع العادة، إما مع الانفتاح وإما مع التحفظ.. وهذه الثنائية تقتل التفكير الهادئ، وتجعل الحوار يتحول إلى صراع لا يفيد أحدًا.
وهنا تظهر نقطة يجب التوقف عندها بوضوح.. المشكلة لا تقف عند صورة (آية سماحة) نفسها، بل تمتد إلى الطريقة التي استغلها بها الطرفان. الطرف الأول حوّل الأمر إلى هجوم على المجتمع، وادّعى أنه يدافع عن الحب والحرية، واتهم الطرف الثاني بأنه يكره تصوير الحب لأنه في الأصل يميل للعنف ويريد قمع أي مظهر إنساني. والطرف الثاني ردّ بالمثل، واتهم المجتمع بأنه ساقط، منحل، فقد قيمه.
وكلا الاتهامين ظلمٌ للمجتمع نفسه.. فالمجتمع يستحق الشكر لأنه احتمل الطرفين، وتحمل ضجيجهم، وفتح لهم مساحة للنقاش بدل أن يغلقها. هذا الاستغلال للترند مرفوض. لا يحق لصاحب اللقطة أن يتخذ من ردة الفعل ذريعة لشتم المجتمع كله، ولا يحق للمعترض أن يتخذ من الصورة ذريعة لاتهام المجتمع بالانهيار الأخلاقي.
فكلا الطرفين كان يبحث عن الترند، لا عن الحقيقة.. أما أصحاب القضايا الحقيقية، فلا تكون نبرتهم عالية، ولا يميلون إلى قصف الجبهات.. هم يميلون إلى الإقناع، إلى الهدوء، إلى عرض الفكرة بموضوعية، دون ضجيج ودون استعراض.
إذا سألنا كيف نتعامل مع هذا النوع من المحتوى، فالجواب لا يكون بكلمة واحدة.. لأن هناك حقين يجب أن يعيشا معًا دون أن يلغي أحدهما الآخر.. الحق الأول هو حق أي إنسان في أن ينشر ما يراه مناسبًا لحياته. صفحتك الشخصية هي مساحتك، وأنت تختار ما تظهره وما تخفيه، ما دام فعلك لا يعتدي على حرية غيرك، ولا يخالف القانون.
هذا حق أصيل لا ينكره أحد.. والحق الثاني هو حق الناس في أن يعبروا عن رأيهم. فالمجتمع ليس مجموعة أفراد منفصلين.. لكل مجتمع ذوق عام، وعادات، وقيم تشكلت عبر سنوات طويلة.. ومن الطبيعي أن يشعر بعض الناس بالانزعاج حين يرون مشاهد حميمية تُعرض على الملأ.
ومن حقهم أن يقولوا ذلك، وأن يعبروا عن تحفظهم دون أن يُتهموا بالرجعية أو التشدد. المشكلة لا تكون في وجود هذين الحقين، بل في طريقة إدارتنا للخلاف بينهما.. فبدل أن نقول أنا أرى كذا وأنت ترى كذا، ننتقل سريعًا إلى إما أن توافقني وإما أنك ضدي.. وهنا يتحول الرأي إلى اتهام، والنقاش إلى خصومة، ويُطلب من الجمهور أن يتفاعل لا ليفهم، بل ليختار طرفًا.

حالة صورة (آية سماحة)
في حالة صورة (آية سماحة)، ظهر رأيان رئيسيان، ولكل منهما منطق يمكن فهمه.. الرأي الأول يقول إن ما حدث أمر شخصي، ولا يحق لأحد الاعتراض عليه.. أصحابه يرون أن الناس أحرار في حياتهم، وأن أي اعتراض على تصرفاتهم يُعد انتهاكًا للحرية الشخصية.
ومن هذا المنطلق يرون أنه لا وجه ولا حق للفريق الثاني في إبداء التحفظ، لأن الاعتراض في نظرهم تجاوز لحدود الآخرين، وليس دفاعًا عن قيمة عامة.. والرأي الثاني يقول إن نشر مثل هذه اللقطات يتجاوز الذوق العام، ويمهد الطريق لتجاوزات أكبر. أصحابه يخافون من التطبيع مع المشاهد الحميمية على الملأ، ويرون أن الصمت هنا قبول ضمني.
لذلك يعتبرون أن إبداء التحفظ واجب للحفاظ على الحد الأدنى من التماسك الأخلاقي والاجتماعي. وكلا الرأيين يبقى مقبولاً ما دام في إطار الرأي.. الخطر يبدأ حين يتحول الاختلاف إلى اتهام جماعي، وحين يُطلب من الناس أن يختاروا معسكراً قبل أن يفهموا السياق. عندها يفقد النقاش معناه، ويصبح مجرد إعادة إنتاج للانقسام.
إذا أردنا أن نخرج بفائدة عملية من هذه الحادثة، فالخلاصة بسيطة.. الصورة ذات طابع حميمي، خرجت إلى الملأ، فكان طبيعياً أن تلقى قبولاً عند البعض وتحفظاً عند آخرين.. هذا أمر متوقع، ولا يحتاج إلى استغراب. لكن غير المقبول حقًا هو أن يمنح صاحب الفعل نفسه صفةً ليست له.
فما حدث لم يكن قضيةً بحثت عن صاحب، بل تريندًا بحث عن مستغل. أن يخرج من ارتكب الفعل ليقدّم نفسه كمدافع عن حرية المجتمع وتقدمه، فهذا ادعاءٌ لا يستقيم. هي ليست سوى صاحبة لحظة، مثلها مثل كثير من صُنّاع المحتوى الباحثين عن الانتشار السريع، لكنها اختارت أن تلبس ثوب النضال لتمنح فعلها وزنًا أكبر مما يحتمل.
وما يزيد الأمر سوءًا هو وجود فريق جاهز من مدّعي التنوير، يصفقون لأي مشهد يمكن تحويله إلى مادة للتطاول على المجتمع. وهكذا صارت لقطة خاصة وقودًا لحملة عامة، لا لأنها تستحق، بل لأنها تخدم غرضًا جاهزًا في رؤوسهم. هذا تحميل للحدث أكثر مما يحتمل.
المشكلة لم تكن في القبلة، ولا في المصعد، ولا في (آية سماحة) نفسها.. المشكلة أننا نسرع إلى تحويل كل لحظة خاصة إلى مادة عامة، ثم نستغرب حين يتحول النقاش إلى معركة.. أنت مارست حقك في النشر، فدع للآخرين حقهم في إبداء الرأي، دون أن تطلب منهم أن يمنحوك شرعية أخلاقية لم تطلبها أنت في البداية.

نقاش هادئ يراعي العقل
القيم الكبرى لا تُبنى على لقطة، ولا تسقط بصورة.. هى أكبر من مشهد داخل مصعد، وأعظم من أن تُدافع عنها بحملة تعليقات.. القيم تحتاج إلى كلام متماسك، وممارسة يومية، ونقاش هادئ يراعي العقل والذوق معاً.. وأصحاب القضايا الحقيقية لا يرفعون أصواتهم، بل يرفعون حججهم.
المطلوب ليس المنع ولا المصادرة، وليس التمجيد ولا التقديس.. المطلوب هو أن نتعامل مع هذه اللقطات بوعي. أن نفهم كيف تنتشر، وأن نفصل بين الفعل الشخصي والقضية العامة، وأن نحافظ على حق النشر وحق الاعتراض في وقت واحد.. عندها نخرج من دائرة الترند السريع إلى دائرة الفهم الأعمق، ومن ضجيج التعليقات إلى نقاش يستحق أن يُقرأ ويُتذكر.
والحل يبدأ حين ندرك أن حدود الفعل هى التي تحدد حدود الحديث عنه. فمن نشر لحظة حميمية، فليعلم أنه فتح الباب للرأي والرأي الآخر.. ومن اعترض، فليفعل ذلك دون مصادرة ولا تضييق.. وبهذا وحده نحفظ للفرد حريته، وللمجتمع توازنه، وللنقاش احترامه.