


بقلم الكاتب والسيناريست: وائل شفيق
تقدم حزب النور ببيان عاجل إلى مجلس النواب، يطالب فيه بتدخل حكومي ورقابي لوقف فيلم (برشامة) معتبراً أنه تجاوز حدود الترفيه إلى المساس بالثوابت، من تزييف الفقه وتشويه الرموز، إلى الاستهانة بالتوبة وانتهاك حرمة المساجد، وصولاً إلى ابتذال الوحي والتطاول على التوحيد.
البيان محترم في دافعه، لأنه صادر عن غيرة على الدين، لكنه ساقط في قراءته، لأنه صادر عن استنتاج غير صحيح.. والمناسبة هنا ليست الفيلم بقدر ما هي أزمة القراءة التي كشف عنها البيان نفسه، وكأن المرآة وُضعت أمام الجميع فكسروها بدل أن ينظروا فيها.
لو تجردنا من الضجيج وقرأنا فيلم (برشامة) قراءة متأنية، سنكتشف حقيقة مزعجة لحزب النور: (برشامة) فيلم سلفي البنية حتى النخاع.. فرضيته تقوم على امتحان في مادتي (اللغة العربية والدين)، والنتيجة أن المجتمع المصري كله راسب. راسب في الأمانة، راسب في الضمير، راسب في احترام القواعد الأخلاقية التي تحفظ للناس دنياهم وآخرتهم.
وسط هذه الكارثة الجماعية، من الذي ينجو؟ من الذي يرفض الغش؟.. من الذي يضحي بورقته ويبدلها بورقة الراقصة في اللحظة الأخيرة؟.. شخصية البطل المتدين التي أداها (هشام ماجد).. هو وحده من يحمل بذرة النجاة.. هو الطالب الوحيد المتفوق.
فيلم (برشامة) لم يضع في هذا الموقع لا المثقف العلماني ولا الناشط الليبرالي ولا الثوري الاشتراكي.. وضع المتدين.. ولو طلبت من أكبر كاتب في التيار السلفي أن يكتب سيناريو يروّج لفكرة (الإسلام هو الحل)، فلن يجد أفضل من هذا البناء الدرامي.
الفيلم يقولها صريحة: عندما تضيق الدنيا بالناس، وتغيب الحلول، فإن الحل الوحيد هو ورقة السلفي.. فعلى أي أساس يهاجم حزب النور فيلماً جعل التيار الديني بطلاً أخلاقياً؟!

السلطة تستغل الدين
بيان حزب النور تناول نقطة تتعلق بانتهاك حرمة المساجد، وهنا يكمن الإسقاط السياسي الأخطر في الفيلم، والذي غاب عن منتقديه.. من الذي استخدم ميكروفون المسجد لتسهيل الغش؟.. من الذي حوّل المنبر إلى أداة تدليس؟ ليس المتدين.
إنه (العمدة)، والعمدة في الذاكرة السينمائية والاجتماعية المصرية ليس شخصاً، بل رمزاً للسلطة، لصاحب القرار والميكروفون والسوط.. ولما اكتشف أهل المسجد – وهم بسطاء متدينون – أن السلطة تستغل الدين، رفضوا وانتفضوا.. إذن الفيلم لم يزدري الدين كقيمة.. الفيلم ازدرى السلطان المتاجر بالدين كفاعل. حمّل السلطة وحدها وزر الانتهاك، وبرّأ المتدين البسيط من التهمة.
وهنا لابد من الوقوف طويلاً عند مشهد (العمدة) الذي أداه باسم سمرة.. المشهد الذي يجلس فيه على دكة المسجد، يرتدي ثوب الواعظ، ويفتح ميكروفون الجامع ليلقي على الناس درساً دينياً لا يريد به وجه الله، بل يريد به تمرير إجابات الامتحان إلى ابنه (العبيط) عبر أثير المسجد.. هذا المشهد قمة في الذكاء والجرأة.
مشهد يستحق التحية لصناعه، حتى لو اختلفنا مع رؤيتهم الفكرية.. إنه مشهد رجل السلطة وهو يستخدم أقدس منبر في المجتمع لتحقيق غرض دنيوي. مشهد يلخص كل تاريخ تجارة السلطة بالدين في لقطة واحدة، كأن الكاميرا قبضت على يد اللص وهو يسرق من بيت الله. لا يجرؤ عليه في المنطقة إلا السينما المصرية.
الجرأة هنا ليست في الإساءة للدين كما يزعم البيان، بل في كشف آلية استخدام السلطة للدين. أن تضع الكاميرا في وجه العمدة وهو يستخدم ميكروفون الجامع، هذا إسقاط ذكي عن السلطة حين تلبس ثوب الدين لسرقة المستقبل.
هذه جرأة سياسية كبيرة في السينما المصرية.. الحديث عن توريث السلطة – إصرار العمدة على أن يرثه ابنه العاجز – لا يُقال فيلم واقعي مباشر، لأنه سيصطدم بجدار الرقابة والأجهزة الأمنية.. يُقال فيلم فانتازيا كوميدي، يلبس الفكرة الخطيرة ثوب الضحك، فتمر من تحت السور كما تمر الحكمة على لسان المجنون. وهذا ذكاء صناع الفيلم يحسب لهم، لا يؤخذ عليهم.
وهنا نقطة الالتقاء والافتراق مع صناع الفيلم.. نتفق معهم في التشخيص: مصر تعاني منذ سبعينات القرن الماضي من تجارة الدين على يد الرئيس المؤمن مؤسس دولة العلم والإيمان. السلطة استخدمته كأداة شرعية، والتيارات الدينية احتكرته كبضاعة حصرية، والتيارات العلمانية سفهته كخرافة.
الجميع شارك في تحويل الدين من قيمة إلى سلعة تُباع في سوق المزايدات السياسية.. لكننا نختلف مع الفيلم في الروشتة. الفيلم يجلد السلطة عندما تتاجر بالدين، وهذا حق لا مراء فيه. لكنه في اللحظة نفسها يروّج ضمنياً لفكرة أن التيار الديني هو الحل. يقول للمشاهد بلا مواربة: كل الشخصيات فاسدة إلا السلفي.


مخالفة لصحيح الدين
كل المجتمع ساقط إلا المتدين.. وهنا نقول: لا.. رفضنا لتجارة السلطة بالدين لا يعني قبولنا باحتكار التيار الديني للحل. رفضنا لعسكرة المقدس لا يعني قبوله بحزبنته. مصر مشكلتها ليست نقص تدين فقط.. مصر مشكلتها نقص تفكير.. اختزال الحل كله في عودة الشيخ هو نفس منطق السلطة في اختزال الحل في عودة العمدة.. الاثنان تبسيط مخل، والاثنان يهربان من تعقيد الواقع إلى وهم البطل المنقذ الذي يهبط من السماء بعصا سحرية.
وبيان حزب النور كشف لنا مفارقة أعمق من فيلم (برشامة) نفسه، مفارقة تتعلق بعقل الجماعة المصرية.. التيار السلفي هاجم فيلماً جعله بطلاً أخلاقياً.. والتيار العلماني صفق لفيلم جعل كل شخصياته، التي تلقي بإفيهات مخالفة لصحيح الدين، فاسدة أخلاقياً.
فيلم (برشامة) حكم على قراءتهم للواقع بالفشل الأخلاقي، قبل أن يحكم على قراءة السلفيين. الطرفان يقرآن بعاطفة الكراهية المسبقة، لا بعقل التحليل.. الاثنان سقطا في نفس امتحان الفهم الذي وضعه الفيلم داخل اللجنة.. وهذا هو الدرس الأكبر: أزمتنا ليست أزمة دين، أزمتنا أزمة عقل.
في الختام: (برشامة) فيلم يستحق أن يُدرس، لا أن يُمنع.. هو علامة في السينما السياسية المصرية.. فيلم جريء وذكي طرح سؤال توريث السلطة بذكاء الفانتازيا، وعرّى تجارة الدين بجرأة الكوميديا السوداء.. لهذا نحي صناعه على الشجاعة وعلى الإتقان الفني. لكن الاحترام لا يعني الاتفاق.
نحترم الجرأة، ونختلف مع الرؤية.. نقول: نعم لتجريم المتاجرة بالدين من أي جهة كانت.. سواء كانت سلطة تلبس عباءة الدين، أو تياراً يلبس عباءة السلطة. لا لاحتكار الحل في يد تيار واحد أياً كان اسمه.. مصر لا تحتاج شيخاً منقذاً يوزع صكوك النجاة، ولا عمدةً وارثاً يورث الكرسي.. مصر تحتاج عقلاً جمعياً يخرج من لجنة الغش الكبرى هذه.
عقلاً يؤمن أن الدين قيمة لا حزب، وأن السلطة خدمة لا إرث، وأن الوطن بناء لا ورقة امتحان.. لأن الحقيقة التي هرب منها بيان حزب النور، وهرب منها الفيلم نفسه أحياناً، هى أن أزمتنا ليست أزمة دين.. أزمتنا أزمة تفكير.. وبيان حزب النور خير دليل.