رئيس مجلس الادارة : محمد حبوشة
رئيس التحرير : أحمد السماحي

إبراهيم أبو ذكري يكتب: ملحمة (الفراعنة) وتعرية شعارات العدالة الزائفة

إبراهيم أبو ذكري يكتب: ملحمة (الفراعنة) وتعرية شعارات العدالة الزائفة
ما شهدناه في المباراة الأخيرة لمننخب (الفراعنة) وهو يواجه بطل كأس العالم المدلل من الفيفا والصهيونية العالمية

بقلم الدكتور: إبراهيم أبوذكري*

ليست كل مباريات كرة القدم مجرد تسعين دقيقة من المنافسة بين فريقين، فهناك مباريات تتجاوز حدود المستطيل الأخضر لتصبح رسالة سياسية وإنسانية وأخلاقية، تحمل في طياتها معاني تتجاوز حسابات الفوز والخسارة وتصل أحياناً امتداد لمعارك الهوية والكرامة وتتحول إلى منصة إنسانية وأخلاقية صارخة، تتردد في أرجائها أصوات الشعوب وقضاياها العادلة مع منتخب (الفراعنة).

وما شهدناه في المباراة الأخيرة لمننخب (الفراعنة) وهو يواجه بطل كأس العالم المدلل من الفيفا والصهيونية العالمية، أقوي فريق قومي كما يطلقون عليه كان، في نظر ملايين العرب، أكثر من مجرد لقاء كروي، بل كان مشهدًا اختلطت فيه الرياضة بالهوية بل تحولت في وجدان الملايين من المحيط إلى الخليج إلى ملحمة وطنية حية اختلط فيها نبل الانتماء بعمق القضية.

لم يعش الملايين مع مواجهة رياضية محكومة بالوقت والنتيجة، بل شهدوا مشهداً استثنائياً تلاحمت فيه الرياضة بالهوية العربية، وامتزج فيه حماس اللعب بعقيدة الانتماء والدفاع عن الحق، لتؤكد مصر مجدداً أن كرتها لطالما كانت مرآةً لنبض أمتها بمنتخب (الفراعنة).

وإلى كل من سارع بوجاهة منقوصة وانتقاد واهٍ لموقف الكابتن حسام حسن عندما رفع علم فلسطين في المونديال، متدثرين بعبارات جوفاء مثل (فصل السياسة عن الرياضة)، إنكم لم تفهموا بعد أن الرياضة لم تكن يوماً معزولة عن النبض الإنساني والقضايا العادلة.

لقد برهن حسام حسن المدير الفني لمنتخب (الفراعنة) بأصالته وعروبته أن قميص المنتخب ليس مجرد قماش للمنافسة، بل هو رسالة كرامة تحمل صوت الشعوب المطحونة إلى العالم أجمع.

إن انتقادكم لرمزية شجاعة واجهت صلف التحيز وازدواجية المعايير الدولية لا يعكس سوى تراجعٍ في وعيكم بالقيمة الحقيقية للرياضة كمنبر للحق والعدالة؛ فبينما اخترتم التواري خلف قوالب اللوائح الجامدة، اختار هو أن يسجل موقفاً يخلده التاريخ في وجدان كل عربي، مؤكداً أن الدفاع عن الحق الفلسطيني ليس (سياسة)، بل هو واجب إنساني وأخلاقي لا يسقط عند خطوط المستطيل الأخضر.

إبراهيم أبو ذكري يكتب: ملحمة (الفراعنة) وتعرية شعارات العدالة الزائفة
مقر القيادة الاستراتيجية للدولة المصرية (الأوكتاجون)

الاستراتيجية للدولة المصرية

إن الموقف الشجاع الذي اتخذه الكابتن حسام حسن على أرض الملعب جاء متوافقاً ومتناغماً بشكل دقيق مع الرؤية الاستراتيجية والخطاب القومي التوقيت الذي كان فيه الرئيس عبد الفتاح السيسي يؤكد من قلب مقر القيادة الاستراتيجية للدولة المصرية (الأوكتاجون) على الثابت القومي الأزلي: لا سلام في الشرق الأوسط إلا بعودة حقوق الشعب الفلسطيني وإعلان دولته المستقلة وعاصمتها القدس الشرقية.

كانت أصداء هذا الموقف العروبي تتردد في أرجاء الملعب، لتثبت مصر – قيادةً وشعباً ورياضةً – أن القضية الفلسطينية ليست مجرد ملف دبلوماسي، بل هي نبض يسري في عروق كل مصري وعربي.، كان (العميد) يترجم هذه العقيدة المصرية الراسخة عملياً أمام شاشات الكون.

لقد أثبت هذا التوافق أن الدفاع عن القضية الفلسطينية في مصر ليس مجرد حبر على ورق الدبلوماسية، بل هو نبض حي وموقف موحد يتكامل فيه الخطاب السياسي الرسمي مع الوعي الرياضي والشعبي، ليوجه الطرفان رسالة واحدة للعالم: (أن الحق العربي لا يتجزأ، سواء قيل في أروقة السياسة أو رُفع علماً في ساحات الرياضة).

المدير الفني لمنتخب (الفراعنة)، الكابتن حسام حسن، لم يخفِ يومًا انتماءه العربي، ولم يتردد في التعبير عن تضامنه مع الشعب الفلسطيني، سواء برفع العلم الفلسطيني أو بإشارات فسّرها كثيرون على أنها رسالة احتجاج أو تضامن مع ما يتعرض له المدنيون الأبرياء.

وهنا بدأت التساؤلات:

هل أصبحت كل رسالة إنسانية تُفسر باعتبارها مخالفة؟

وهل أصبحت الرياضة بالفعل بعيدة عن السياسة كما يردد البعض؟؟  

أم أن هذا الشعار يُطبق في مواقف ويُغض الطرف عنه في مواقف أخرى؟

إن إشارة حسام حسن: بروتوكول (X) بين لوائح الفيفا والتحيزات التحكيمية كانت دلالة واضحة لافتقاد العدالة، لقد اعتادت المؤسسات الرياضية الدولية، وعلى رأسها الاتحاد الدولي لكرة القدم، أن ترفع شعارات مكافحة التمييز والعنصرية واحترام حقوق الإنسان، وأن تجعل من الملاعب منصة للتسامح والمساواة بين الشعوب.

شهدت المباراة لقطة سيسجلها التاريخ، عندما قام المدير الفني ذو الهوية العربية الأصيلة، الكابتن حسام حسن، برفع أعلام فلسطين وإشهار (علامة (X بيديه أمام عدسات العالم.

علمياً ووفقاً للأعراف الرياضية، تحمل هذه العلامة دلالات بروتوكولية؛ ففي القوانين المستحدثة للاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) ومكافحة التمييز، تُستخدم بعض الإشارات الصامتة أو الرمزية للتعبير عن رفض العنصرية أو المطالبة بالعدالة والمساواة (مثل إشارة الركوع أو شارات معينة).

إبراهيم أبو ذكري يكتب: ملحمة (الفراعنة) وتعرية شعارات العدالة الزائفة
كان أداءً بطوليًا لفريق لعب بروح المقاتلين

فريق لعب بروح المقاتلين

ووفقاً للروح العامة للوائح (الفيفا) التي تفرض على الحكم استيضاح المواقف الغامضة أو الحالات التي تستدعي الفهم قبل اتخاذ القرار العقابي، كان من المفترض على حكم اللقاء أن يتوجه للمدرب المصري للاستفهام عن مغزى الإشارة.

مخالفة صريحة للروح التحكيمية: بدلاً من تطبيق روح القانون والاستماع، واجه الحكم مدرب (الفراعنة) حسام حسن بصلف وعنصرية معلنة، مشهراً في وجهه الكارت الأصفر. هذا الإنذار لم يكن مجرد عقوبة إدارية، بل تحول في نظر الملايين إلى “كارت إدانة” يعلن عن ازدواجية المعايير، ويثبت المؤامرة المسبقة والتآمر ضد الفريق العربي لصالح القوى المهيمنة.

الجماهير العربية لم تقرأ ما حدث باعتباره مجرد بطاقة صفراء، وإنما رأته رسالة مختلفة، ورسخ لديها شعورًا بأن هناك معايير قد تختلف باختلاف الأطراف، وهو شعور لا يقتصر على الرياضة وحدها، بل يمتد إلى ملفات كثيرة يشهدها العالم اليوم.. ورغم كل ذلك، جاء الرد الحقيقي من داخل المستطيل الأخضر.

الرد لم يكن احتجاجًا، ولم يكن بيانًا سياسيًا، وإنما كان أداءً بطوليًا لفريق لعب بروح المقاتلين، وواجه أحد أكبر المنتخبات في العالم بإيمان وثقة وشجاعة، حتى خرج مرفوع الرأس، مؤكدًا أن الإرادة تستطيع أن تقف في مواجهة الفوارق والإمكانات.

لقد أثبت لاعبو منتخب (الفراعنة) أن قيمة الإنسان لا تُقاس بحجم الإمكانات، وإنما بحجم الإيمان بقضيته، وأن كرة القدم ما زالت قادرة على أن تمنح الشعوب لحظات من الكرامة والفخر.

عندما تتحول المستطيل الأخضر إلى ساحة كرامة: ملحمة الفراعنة وتعرية شعارات العدالة الزائفة.. لم تكن المباراة مجرد مواجهة كروية عابرة، بل كانت مواجهة تاريخية غير مسبوقة في عالم الساحرة المستديرة. شباب مصر، بطلقات من العزيمة والإصرار، واجهوا بطل العالم الدائم وتحدوه في عقر داره لينتصروا عليه، واضعين القوى العظمى في حجمها الحقيقي.

* تحطيم أسطورة ميسي: على خطى الكبار، وقف الحارس البطل مصطفى شوبير كالأسد الحارس لعرين الفراعنة، ليقضي على أسطورة ميسي ويفسد كافة الهجمات، محولاً شباك مصر إلى حصن منيع لا تطاله أقدام العمالقة.

هذه الملحمة لم تسقط أسطورة الكرة الأرجنتينية فحسب، بل أسقطت معها ثلاث أساطير لطالما تغنى بها الغرب:

1- أسطورة العدالة المطلقة في الفيفا.

2- أسطورة فصل السياسة عن الرياضة التي تُطبق انتقائياً حسب أهوائهم.

3- أساطير حقوق الإنسان والعدالة الاجتماعية التي تتشدق بها تلك البلاد بينما تعيش في باطنها فكراً عنصرياً بامتياز.

إبراهيم أبو ذكري يكتب: ملحمة (الفراعنة) وتعرية شعارات العدالة الزائفة

إبراهيم أبو ذكري يكتب: ملحمة (الفراعنة) وتعرية شعارات العدالة الزائفة
لقد جاءت الهتافات المدمرة للصمت من مختلف العواصم العربية لتؤكد حقيقة يعرفها التاريخ

التفاف الجماهير: معركة بقاء لا مباراة كرة قدم

حينما استشعرت الشعوب العربية من المحيط إلى الخليج أن مصر لا تلعب مباراة ترفيهية، بل تخوض (معركة كرامة عربية) ضد أعداء الأمة، توحدت الهتافات واصطفت الجماهير خلف (الفراعنة).

ولعل المكسب الأكبر في تلك الليلة لم يكن نتيجة المباراة الرقمية فحسب، وإنما ذلك الالتفاف العربي غير المسبوق خلف المنتخب المصري. فقد شعر الملايين أن مصر، في تلك اللحظة، لم تكن تمثل نفسها وحدها، بل كانت تحمل على كتفيها مشاعر أمة كاملة، عربية وإفريقية.

هذه الشعوب المطحونة والمحتلة فكرياً، مالياً، وأرضاً، والتي وجدت في النصر المصري متنفساً وعنواناً للرفض، وتطلعاً نحو عالم أكثر إنصافاً يرفض ازدواجية المعايير.

لقد جاءت الهتافات المدمرة للصمت من مختلف العواصم العربية لتؤكد حقيقة يعرفها التاريخ؛ وهي أن العرب، حين يجتمعون على هدف واحد، يصبحون قوة كبرى يصعب تجاهلها أو الاستهانة بها، وأن الرياضة تستطيع، أحياناً، أن توحد بكبرياء ما فرّقته السياسة.

ختاماً، نتوجه بتحية إجلال خاصة وتقدير عميق لكل لاعب نزل إلى أرض الملعب مرتدي قميص مصر.. هؤلاء لم يكونوا مجرد لاعبي كرة قدم، بل كانوا في نظر جماهيرهم مقاتلين يدافعون عن اسم وطنهم وهُويتهم، ويثبتون أن الانتماء لا يُقاس بالكلمات الشاعرية، وإنما بالمواقف الشجاعة.

لقد أثبت هؤلاء الشباب للعالم أجمع – في ميدان اللعب لا في ميدان القتال – أن معدن الإنسان المصري لا يتغير، ووثقوا للمرة المليون صدق ما قاله الرسول صلى الله عليه وسلم في حقهم بأنهم (خير أجناد الأرض)، أما مصر، فقد برهنت للعالم مجدداً أنها عندما تدخل أي ميدان، فإنها تدخله بعزيمة شعب يمتد تاريخه لآلاف السنين، وبإرادة وطنية صلبة لا تعرف المستحيل.

ستظل هذه المباراة ملحمة وطنية أحيت الأمل، وأكدت أن الحق العربي لا يموت ما دام وراءه رجال يذودون عنه بأقدامهم، وأقلامهم، ومواقفهم الراسخة.. ويبقى الدعاء موصولاً أن يسود السلام العادل في منطقتنا، وأن يحصل الشعب الفلسطيني الأبي على كامل حقوقه المشروعة.

وأن تظل الرياضة دائماً جسراً حقيقياً للتقارب بين الشعوب، لا سبباً للتمييز أو الانقسام، لتظل المنافسة الشريفة هي اللغة التي تجمع العالم تحت راية العدالة والاحترام المتبادل.

أما مصر، فقد أثبتت مرة أخرى أنها عندما تدخل أي ميدان، فإنها تدخله بعزيمة شعب يمتد تاريخه آلاف السنين، وبإرادة لا تعرف المستحيل.

ويبقى الدعاء أن يسود السلام العادل في منطقتنا، وأن يحصل الشعب الفلسطيني على حقوقه المشروعة، وأن تظل الرياضة جسرًا للتقارب بين الشعوب، لا سببًا للتمييز أو الانقسام، وأن تبقى المنافسة الشريفة هي اللغة التي تجمع العالم كله تحت راية العدالة والاحترام المتبادل.

* رئيس الاتحاد العام للمنتجين العرب

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.