

بقلم الكاتب الصحفي: أحمد السماحي
في زمنٍ أصبحت فيه خشبة المسرح تبحث عن جمهورها، وشاشات الهاتف تسرق العين قبل أن تفتح الستارة، يبدو أن هناك من قرر أن يخوض المعركة من باب مختلف: أن يعيد الغناء إلى المسرح، وأن يعيد (المسرح الغنائي) إلى ذاكرة الجمهور.
فالمشهد الجديد الذي بدأ يتشكل حول عروض مثل (أم كلثوم.. دايبين في صوت الست، ومشروع (داليدا.. الأغنية التي لا تنتهي)، و(حبيبتي من تكون) عن عبد الحليم حافظ، لا يمكن النظر إليه باعتباره مجرد موجة جديدة من عروض السير الذاتية للنجوم الكبار.
الأمر، في رأيي، أكبر من ذلك: إننا أمام محاولة لاستعادة جنس فني مصري كان يومًا أحد أهم أسلحة القوة الناعمة، قبل أن يتراجع تدريجيًا تحت وطأة الإنتاج التلفزيوني، وتغير ذائقة الجمهور، وارتفاع تكاليف العروض، وتراجع المشروع الاستعراضي الكبير في (المسرح الغنائي).
السؤال هنا ليس: لماذا نعيد تقديم أم كلثوم وعبدالحليم وداليدا؟.. السؤال الحقيقي هو: هل نستطيع أن نستخدم هؤلاء النجوم الكبار لكي نصنع مسرحًا جديدًا، أم أننا سنظل نعيش على أمجاد الماضي؟

(دايبين في صوت الست)
وهنا تكمن أهمية التجربة وخطورتها في الوقت نفسه، فأم كلثوم.. حين تتحول الأسطورة إلى شخصية مسرحية كما في (دايبين في صوت الست)، لا تكمن القيمة الأساسية في اسم أم كلثوم وحده، فاسمها قادر بطبيعته على جذب الجمهور، وإنما في محاولة الاقتراب من الإنسانة الموجودة خلف الأسطورة.
وهذه نقطة شديدة الأهمية، فأم كلثوم التي نعرفها من التسجيلات والصور والحفلات ليست بالضرورة أم كلثوم التي تصلح دراميًا على خشبة (المسرح الغنائي).
المسرح يحتاج إلى صراع، وضعف، ورغبة، وخوف، وانتصار وانكسار.. ولهذا فإن استدعاء علاقتها برامي والقصبجي والسنباطي وعبدالوهاب لا ينبغي أن يكون مجرد استعراض لأسماء عظيمة، وإنما يجب أن يتحول إلى دراما تكشف كيف صنعت هذه المرأة أسطورتها وسط عالم كان يضع ألف حاجز أمام المرأة التي تريد أن تصنع لنفسها مكانًا.
وهنا يصبح صوت أم كلثوم جزءًا من الحكاية، وليس الحكاية كلها.. وهذا هو الفارق بين مسرح السيرة ومسرح التوثيق.

داليدا.. الاختبار الأصعب
أما (داليدا.. الأغنية التي لا تنتهي) فهو مشروع أكثر جرأة، لأن داليدا ليست مجرد مطربة مصرية نستعيد ذكراها، وإنما شخصية تنتمي إلى أكثر من ثقافة ولغة ومدينة.. داليدا ابنة شبرا التي أصبحت نجمة عالمية، تقدم فرصة نادرة لصناعة عرض لا يتحدث عن مصر فقط، وإنما يتحدث باسم مصر إلى العالم.
وهنا تأتي أهمية الإنتاج المصري الفرنسي المشترك، واللغتين العربية والفرنسية، واستخدام التقنيات الحديثة والذكاء الاصطناعي.. لكن التكنولوجيا هنا يجب ألا تتحول إلى بطل العرض.
فالذكاء الاصطناعي يمكنه أن يعيد تشكيل صورة أو يستحضر مرحلة عمرية أو يصنع فضاءً بصريًا مذهلًا، لكنه لا يستطيع أن يصنع الروح.. الروح تأتي من النص، ومن الممثل، ومن الموسيقى، ومن قدرة المخرج على تحويل حياة إنسان إلى تجربة يشعر بها الجمهور..
ولهذا سيكون التحدي الحقيقي أمام خيري بشارة ليس أن يجعل العرض مبهرًا، وإنما أن يجعل الجمهور ينسى التقنية ويتذكر داليدا.. وهذه هي أصعب معادلة في المسرح الحديث.

(حبيبتي من تكون)
أما (حبيبتي من تكون)، فله حساب آخر.. عبد الحليم حافظ ليس مجرد مطرب في الذاكرة المصرية؛ إنه جزء من الذاكرة العاطفية لأجيال كاملة.. أغانيه ارتبطت بالحب والهزيمة والانتصار والوطن والمرض والانتظار، ولذلك فإن تقديم سيرته على المسرح يحمل خطرًا شديدًا: أن يتحول العرض إلى حفلة غنائية طويلة تحمل اسم عبدالحليم.
وهنا يجب أن ننتبه إلى أن الجمهور لا يحتاج إلى سماع أغاني عبدالحليم فقط؛ فهو يستطيع سماعها في أي وقت.. ما يحتاجه الجمهور هو أن يعرف كيف وُلدت هذه الأغاني، وماذا كان يحدث خلفها، وما الثمن الذي دفعه صاحبها حتى أصبحت جزءًا من وجداننا.. إذا نجح العرض في ذلك، فسيكون عبدالحليم شخصية درامية حقيقية، وليس مجرد صوت يتم تقليده.
المفارقة الجميلة أن (المسرح الغنائي) المصري لم يكن يومًا غريبًا علينا، بل يمكن القول إن (المسرح الغنائي) المصري، منذ بداياته، كان يعرف أن الأغنية ليست فاصلًا للترفيه، وإنما يمكن أن تكون جزءًا من البناء الدرامي نفسه.. وهنا تظهر قيمة سيد درويش، الذي لم يتعامل مع الموسيقى باعتبارها زينة توضع فوق النص، وإنما جعلها صوتًا للشخصيات والشارع والمجتمع.
ومن هنا جاء نجاح (المسرح الغنائي) في مراحل مختلفة؛ لأنه لم يكن مجرد (مسرح + أغنية) وإنما كان مسرحًا يغني لأن الدراما نفسها تحتاج إلى الغناء.. وهذه نقطة يجب ألا تضيع وسط بهرجة التقنيات الحديثة.. لكن، وبمنتهى الصراحة، هناك خطر آخر يجب أن يراه صناع هذه التجارب.
الجمهور يحب أم كلثوم وعبدالحليم وداليدا، ولذلك فإن استخدام أسمائهم يضمن قدرًا من الفضول الجماهيري.. لكن النوستالجيا وحدها لا تصنع مسرحًا عظيمًا.. إذا ظل العرض قائمًا على (تذكروا هذا النجم)، فسوف يموت العرض بمجرد انتهاء التصفيق، أما إذا استطاع أن يقول شيئًا جديدًا عن النجم، وأن يجعل الجيل الذي لم يعش زمنه يفهم لماذا كان عظيمًا، فسوف يتحول العرض إلى مشروع ثقافي حقيقي.

مشروع لصناعة الذاكرة
وهنا تحديدًا يصبح (المسرح الغنائي) مشروعًا لصناعة الذاكرة وليس لاستدعائها فقط.. لماذا الآن؟.. ربما لأن الجمهور نفسه أصبح في حاجة إلى شيء مختلف.. لقد تشبعنا من الصورة السريعة، والأغنية التي تعيش أيامًا ثم تختفي، والمحتوى الذي يُستهلك في ثوانٍ.
المسرح، على العكس، يطلب من المتفرج أن يجلس، وينتظر، وينصت، ويتفاعل، ولهذا فإن عودة (المسرح الغنائي) يمكن أن تكون أكثر من عودة إلى الماضي؛ يمكن أن تكون تمردًا على سرعة العصر.
لكن بشرط واحد: أن يفهم صناع المسرح أن الجمهور الجديد لا يريد نسخة قديمة من المسرح القديم.. إنه يريد أم كلثوم بتقنيات اليوم، وعبدالحليم بحساسية اليوم، وداليدا برؤية عالمية معاصرة.
وهنا نصل إلى السؤال الأهم: هل تنظر المؤسسات الثقافية إلى هذه التجارب باعتبارها مشاريع فنية منفصلة، أم باعتبارها نواة لصناعة مصرية يمكن أن تستعيد مكانتها؟.. لأن (المسرح الغنائي) إذا أُدير بعقلية الصناعة، يمكن أن يتحول إلى قطاع اقتصادي وثقافي مهم.
عرض ناجح يمكن أن يسافر إلى الخليج، وباريس، ولندن، وتونس، والمغرب، ولبنان، وغيرها.. والسيرة المصرية مليئة بالشخصيات التي تصلح لأن تتحول إلى عروض عالمية.. لدينا سيد درويش، ومحمد عبدالوهاب، وفريد الأطرش، وأسمهان، وليلى مراد، وفاتن حمامة، وسعاد حسني، ورشدي أباظة، ويوسف وهبي، ونجيب الريحاني، وغيرهم.
لكن تحويل هؤلاء إلى عروض ناجحة يحتاج إلى كتاب يعرفون الدراما، ومخرجين يمتلكون الرؤية، وموسيقيين يفهمون التراث، ومنتجين يؤمنون بالمشروع، ومؤسسات تعرف كيف تسوقه.

هل نعيد إنتاج النجوم؟
(شهريار النجوم) يقول: إن أجمل ما في هذه الموجة الجديدة أنها تقول شيئًا بسيطًا لكنه بالغ الأهمية: (المسرح الغنائي) المصري لم يمت.. لكنه كان ينتظر من يوقظه.. أم كلثوم يمكن أن تعود إلى الخشبة، لا لكي تغني من جديد، وإنما لكي تحكي كيف أصبحت أم كلثوم.
وداليدا يمكن أن تعود، لا كصورة من الماضي، وإنما كحكاية مصرية أصبحت ملكًا للعالم.. وعبدالحليم يمكن أن يعود، لا لكي نقلد صوته، وإنما لكي نكتشف الإنسان الذي كان يختبئ خلف العندليب.. وهنا يكون الرهان الحقيقي.
هل نعيد إنتاج النجوم؟ أم نعيد إنتاج المسرح نفسه؟: إذا كان الهدف هو الأول، فسنحصل على حفلات جميلة تنتهي بانتهاء التصفيق.. أما إذا كان الهدف هو الثاني، فقد نكون أمام بداية حقيقية لولادة جديدة لـالمسرح الغنائي المصري.
وحينها فقط لن تكون أم كلثوم وداليدا وعبدالحليم مجرد أسماء خرجت من كتب التاريخ لتظهر على خشبة المسرح.. بل ستكون جسورًا تعبر من خلالها أجيال جديدة إلى مستقبل المسرح المصري.