رئيس مجلس الادارة : محمد حبوشة
رئيس التحرير : أحمد السماحي

الدولة المصرية هى المسئول الأول عن صناعة (الهوية الوطنية) بالفن (3)

الدولة المصرية هى المسئول الأول عن صناعة (الهوية الوطنية) بالفن (3)
كانت الأفلام جزءًا من مشروع ثقافي غير معلن لصناعة صورة مصر في الداخل والخارج
الدولة المصرية هى المسئول الأول عن صناعة (الهوية الوطنية) بالفن (3)
محمد حبوشة

بقلم الكاتب الصحفي: محمد حبوشة

بعد أن استعرضنا في الحلقتين السابقتين أزمة (الهوية الوطنية)، وخلصلنا إلى أن (الهوية الوطنية) ليست متحفًا مغلقًا، بل كائن حي يتجدد باستمرار، شرط ألا ينسى جذوره.. ربما لم تكن المشكلة يومًا في وجود (أهل إيجيبت)، ولا في تغير المجتمع، فكل المجتمعات تتغير.. المشكلة الحقيقية تبدأ عندما يختفي (أهل مصر) من الشاشة، وعندما يصبح المواطن العادي غريبًا عن الحكايات التي يشاهدها.

لقد أثبت التاريخ أن الفن المصري كان، في أفضل مراحله، مساحة جامعة لا تقصي أحدًا، ومرآة تعكس المجتمع بكل تناقضاته، لا نافذة تطل على جزء واحد منه.. ولعل التحدي الأكبر أمام الفن المصري اليوم ليس أن ينافس المنصات العالمية أو يحقق أرقامًا قياسية في المشاهدات.

بل أن يستعيد قدرته القديمة على أن يجعل المصري، أيًا كانت طبقته أو مدينته أو مهنته، يرى نفسه على الشاشة، ويشعر أن هذه الحكاية كُتبت عنه.. عندما يحدث ذلك، لن تكون (الهوية الوطنية) في خطر، لأن الفن سيعود مرة أخرى إلى دوره الأهم: أن يكون ذاكرة الوطن وضميره، لا مجرد صناعة للترفيه.

نعيد ونؤكد من جديد، أن (الهوية الوطنية) ليست مجرد علم يرفرف فوق المؤسسات، ولا نشيدًا نردده في المناسبات، ولا دروسًا محفوظة عن التاريخ والجغرافيا. الهوية، في جوهرها، هي الصورة التي يرى بها الإنسان نفسه ووطنه، وهي مجموع الحكايات والرموز والذكريات والشخصيات والأغنيات والأفلام التي تتراكم في وجدانه حتى تصبح جزءًا من تكوينه النفسي والثقافي.

ومن هنا يصبح الفن واحدًا من أخطر وأقوى الأدوات التي تستطيع الدولة المصرية من خلالها أن تحمي (الهوية الوطنية) وتعيد إنتاجها للأجيال الجديدة، فالدولة التي تريد أن تبني إنسانًا يعرف معنى الانتماء، لا يكفيها أن تطلب منه أن يحب وطنه؛ وإنما عليها أن تمنحه أسبابًا فنية وثقافية تجعله يرى هذا الوطن جميلًا، ومتعددًا، وقادرًا على صناعة الحكاية.

الدولة المصرية هى المسئول الأول عن صناعة (الهوية الوطنية) بالفن (3)

الدولة المصرية هى المسئول الأول عن صناعة (الهوية الوطنية) بالفن (3)
لم تكن مصر طوال تاريخها مجرد دولة تنتج أفلامًا وأغنيات ومسلسلات، وإنما كانت تصنع وجدانًا عربيًا كاملًا

ليست مجرد دولة تنتج أفلامًا

هنالك حقيقة ثابتة أنه لم تكن مصر طوال تاريخها مجرد دولة تنتج أفلامًا وأغنيات ومسلسلات، وإنما كانت تصنع وجدانًا عربيًا كاملًا.. أفلام الأبيض والأسود، وأغنيات أم كلثوم وعبد الحليم حافظ ومحمد عبد الوهاب، ومسرحيات نجيب الريحاني وإسماعيل ياسين وفؤاد المهندس، وأعمال يوسف وهبي وسراج منير وفاتن حمامة وشادية وسعاد حسني ورشدي أباظة وعمر الشريف وغيرهم.

لم تكن هذه الأعمال مجرد منتجات ترفيهية، بل كانت جزءًا من مشروع ثقافي غير معلن لصناعة صورة مصر في الداخل والخارج، والتأكيد علي صناعة (الهوية الوطنية) في شكلها وجوهرها.

كان الطفل المصري يتعرف على القاهرة من خلال السينما، ويتعلم مفردات الحب والانتماء والبطولة من الأغنية، ويعرف شكل الحارة المصرية وطبقات المجتمع وعلاقاته من الدراما.

بل إن أجيالًا عربية كاملة عرفت مصر قبل أن تزورها، من خلال فيلم مصري أو أغنية مصرية أو مسلسل مصري.. وهنا تكمن القوة الناعمة الحقيقية.

المشكلة أن البعض لا يزال يتعامل مع الفن باعتباره ملفًا ترفيهيًا يمكن تأجيله عندما تكون هناك ملفات اقتصادية أو سياسية أكثر إلحاحًا، وهذا تصور قصير النظر، فالفن صناعة، واقتصاد، وسوق عمل، ولكنه قبل ذلك كله صناعة للوعي، والدولة التي تتخلى عن صناعة صورتها الثقافية لا تترك الساحة فارغة، وإنما تترك الآخرين يصنعون الصورة بالنيابة عنها.

وفي عصر المنصات الرقمية ووسائل التواصل الاجتماعي، لم يعد المواطن يتلقى ثقافته من التلفزيون المصري أو السينما المصرية وحدهما، أصبح الهاتف المحمول نافذة مفتوحة على آلاف الثقافات والأفكار والصور والقيم القادمة من كل مكان.

وهنا يصبح السؤال أكثر إلحاحًا: ماذا نقدم لأبنائنا في المقابل؟، هل نترك الخوارزميات وحدها تربي ذوقهم وتحدد لهم نجومهم، أم نمتلك نحن القدرة على تقديم محتوى مصري قادر على المنافسة؟

وعليه أقول: إن الدولة لا تصنع الفن.. لكنها تصنع المناخ، وهنا يجب أن يكون الحديث دقيقًا.، خاصة فيما يتعلق بالتأكيد على (الهوية الوطنية).. ليس المطلوب أن تتحول الدولة إلى منتج لكل فيلم أو مسلسل، ولا أن تحدد للفنان ماذا يقول وكيف يفكر، لأن الفن يفقد قيمته عندما يتحول إلى منشور دعائي.

الدولة المصرية هى المسئول الأول عن صناعة (الهوية الوطنية) بالفن (3)

الدولة المصرية هى المسئول الأول عن صناعة (الهوية الوطنية) بالفن (3)
الدولة مطالبة بصناعة المناخ الذي يسمح للفن الجيد بأن يعيش ويصل إلى الجمهور

الدولة مطالبة بصناعة المناخ

نعم الدولة مطالبة بصناعة المناخ الذي يسمح للفن الجيد بأن يعيش ويصل إلى الجمهور، وهذا يعني دعم المواهب الجديدة، وتشجيع الإنتاج الثقافي، وحماية التراث، وإعادة الاعتبار للأفلام التاريخية والوطنية، وتطوير المؤسسات الفنية، وإتاحة المجال أمام القطاع الخاص للاستثمار في الثقافة، إلى جانب وجود رؤية واضحة لما يمكن أن تقدمه مصر للعالم من خلال قوتها الناعمة.

فالهوية لا تُفرض بقرار إداري.. (الهوية الوطنية) تُبنى بالإقناع والجمال والحكاية، وفي هذا الصدد فإن مصر تمتلك مخزونًا هائلًا من الشخصيات والحكايات التي يمكن تحويلها إلى أعمال فنية عالمية.

لدينا فراعنة وعلماء وأدباء وموسيقيون ومفكرون ورياضيون وأبطال حرب وشخصيات شعبية وحكايات من الريف والصعيد والنوبة وسيناء والإسكندرية والقاهرة.. لدينا تاريخ يمتد آلاف السنين.

لكن السؤال ليس: هل نملك الحكايات؟.. السؤال هو: هل نجيد روايتها؟.. وهنا تظهر المشكلة.. فقد تتحول الشخصية التاريخية العظيمة إلى مسلسل ضعيف، بينما يستطيع عمل عالمي محدود الإمكانات أن يجعل شخصية مجهولة حديث الملايين.

القضية إذن ليست في ضخامة الميزانية وحدها، وإنما في السيناريو، والبحث، والإخراج، والممثل، والموسيقى، والصورة، والتسويق.

العالم لم يحب مصر لأنها قالت له إنها عظيمة.. العالم أحب مصر عندما شاهد عظمتها في عمل فني مقنع، ومن ثم لا نحتاج إلى فن يلقّن.. بل فن يقنع، ولعل أخطر خطأ يمكن أن ترتكبه أي دولة هو أن تتصور أن العمل الوطني يعني بالضرورة أن يكون مباشرًا ومليئًا بالشعارات.

يا سادة: الجمهور المعاصر أكثر ذكاءً مما نتصور.. هو لا يريد أن يسمع شخصية تقول طوال الوقت: (أنا أحب مصر).. هو يريد أن يرى مصر في تفاصيل الشخصية، في الشارع، وفي البيت، وفي الموسيقى، وفي اللغة، وفي العلاقات الإنسانية.

فيلم عن أم مصرية تكافح من أجل أبنائها قد يكون أكثر وطنية من عشرات الخطب، ومسلسل يرصد حياة أسرة مصرية بكل تناقضاتها قد يرسخ الانتماء أكثر من عمل يرفع الشعارات في كل مشهد.

الفن العظيم لا يقول لك: كن وطنيًا.. الفن العظيم يجعلك تشعر أنك تنتمي، وعليه فإن (الهوية الوطنية) ليست تجميدًا للماضي، لكن الدفاع عن الهوية لا يعني تحويل الفن إلى متحف.. فالهوية المصرية ليست فقط أم كلثوم وعبد الحليم، ولا أفلام الخمسينيات والستينيات.

الدولة المصرية هى المسئول الأول عن صناعة (الهوية الوطنية) بالفن (3)

الدولة المصرية هى المسئول الأول عن صناعة (الهوية الوطنية) بالفن (3)
الحقيقية هى معركة الذاكرة.. ربما تكون أخطر معارك الهوية في السنوات المقبلة هي معركة الذاكرة

المعركة الحقيقية هى معركة الذاكرة

الهوية أيضًا هى مصر التي يعيشها الشباب اليوم.. هى لغة الشارع، والموسيقى الجديدة، والريف الحديث، والقاهرة الجديدة، والإسكندرية، والصعيد، وسيناء، والمرأة المصرية، والطبقة المتوسطة، والعامل، والطبيب، والمهندس، وصانع المحتوى، والشاب الذي يحلم بالهجرة ثم يكتشف علاقته بوطنه.. نحن بحاجة إلى فن يرى مصر كما هى وكما يمكن أن تكون.

وهنا تقع مسؤولية الدولة والمبدعين معًا.. المعركة الحقيقية هى معركة الذاكرة.. ربما تكون أخطر معارك الهوية في السنوات المقبلة هي معركة الذاكرة.. لأن الشعوب التي تفقد ذاكرتها تفقد قدرتها على تعريف نفسها.

ولهذا فإن ترميم الأفلام القديمة، وحفظ التسجيلات الموسيقية، ورقمنة الأرشيف، وإعادة تقديم الشخصيات المصرية المؤثرة للأجيال الجديدة، ليست أعمالًا ترفيهية.

إنها أعمال تتعلق بالأمن الثقافي.

عندما يعرف الطفل من هو عبد الحليم، وأم كلثوم، ويوسف شاهين، ونجيب محفوظ، وطه حسين، وأحمد زويل، ومجدي يعقوب، ورفاعة الطهطاوي، وأحمد عرابي، وغيرهم، فإنه لا يحفظ أسماء فقط؛ بل يكتشف أن وطنه يمتلك تاريخًا من الإنجاز، وهذا الإحساس أحد أهم جذور الانتماء.

الدولة المصرية تمتلك كل المقومات اللازمة لاستعادة موقعها الثقافي، لكن الأمر يحتاج إلى رؤية تتجاوز فكرة (إنتاج عمل هنا وعمل هناك).. نحن بحاجة إلى مشروع طويل المدى للقوة الناعمة المصرية، تشترك فيه الثقافة والإعلام والتعليم والسياحة والسينما والموسيقى والمسرح والجامعات.

مشروع يعرف ماذا نريد أن نقول عن مصر للعالم، وماذا نريد أن يقول المصريون عن أنفسهم لأنفسهم، وليس المقصود أن نقدم مصر باعتبارها دولة بلا مشكلات.. على العكس.. الفن الحقيقي يستطيع أن يكشف المشكلات وينتقدها ويضع الإنسان أمام أخطائه، لكن من دون أن يفقد إحساسه بجذور المجتمع وخصوصيته.

وفي النهاية: الدولة المصرية مسئولة بالفعل عن صناعة (الهوية الوطنية) بالفن، لكن مسؤوليتها ليست أن تمسك بالفرشاة بدلًا من الفنان.. مسؤوليتها أن تفتح له الباب، وتوفر المناخ، وتحمي الصناعة، وتدعم الموهبة، وتحافظ على الذاكرة، وتخلق سوقًا قادرًا على المنافسة.

أما الفنان، فعليه أن يفهم أن الحرية لا تعني الانفصال عن المجتمع، وأن الإبداع لا يعني احتقار الهوية، فـ (الهوية الوطنية) ليست قيدًا على الفن، كما أن الفن ليس عدوًا للهوية.

الفن هو أحد أهم الأماكن التي تتشكل فيها صورة الوطن داخل الإنسان.. ومصر التي صنعت لعقود طويلة جزءًا كبيرًا من الوجدان العربي، لا ينبغي أن تكتفي بمشاهدة الآخرين وهم يصنعون نجومهم وحكاياتهم وهوياتهم الثقافية.. لقد كانت مصر يومًا تحكي للعرب.. وحان الوقت لأن تستعيد قدرتها على أن تحكي نفسها للعالم.

👀 Views:

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.