رئيس مجلس الادارة : محمد حبوشة
رئيس التحرير : أحمد السماحي

برتقان (الأبنودي) وفراولة مصطفى حدوتة!

برتقان (الأبنودي) وفراولة مصطفى حدوتة!

برتقان (الأبنودي) وفراولة مصطفى حدوتة!
استخرج عبد الحليم من (الأبنودي) أبنودياً آخر
برتقان (الأبنودي) وفراولة مصطفى حدوتة!
وائل شفيق

بقلم الكاتب والسيناريست: وائل شفيق

في منتصف ستينيات القرن العشرين كان اسم عبد الرحمن (الأبنودي) يتوهج في سماء الإذاعة المصرية، محمولاً على صوت محمد رشدي وفي حضن نجاح (تحت الشجر يا وهيبة) المدوّي.. كان نجاحاً ساحقاً أسّس لصورة واحدة عن (الأبنودي): شاعر المفردة غير المألوفة، وصاحب اللهجة التي لم تغادر الصعيد بعد.

وبعد هذا النجاح المدوّي أرسل عبد الحليم حافظ في طلب (الأبنودي).. لم يرسل باحثاً عن نجاح جاهز، بل باحثاً عن شريك لصناعة تاريخ.. وأجلسه أمامه وقال جملته التي صارت ميثاقاً: (مع احترامي لموهبتك يا عبد الرحمن، لكن فيه كلام ماينفعش أقوله..زي: في إيديا المزامير وفي قلبي المسامير).

كان هذا هو شرط عبد الحليم قبل أن يغني من كلمات (الأبنودي): (لن أتنازل، ولن أغني كلاماً لا يشبهني).

ولم يكن المطلوب أن يتخلى (الأبنودي) عن نفسه، بل أن يكتشف في نفسه مواطن إبداعٍ أخرى.. أن يخرج من الصعيد ليسكن كل ربوع الوطن، حيث رقة الحب وأنين الفراق وقوة العزم ويقين النصر، وهنا حدثت النقلة التي لا يفهمها إلا من يعرف كيف تُصنع العظمة.

استخرج عبد الحليم من (الأبنودي) أبنودياً آخر، فاستخرج منه (عدى النهار) فصارت النكسة ليلاً والصباح انتصاراً، واستخرج منه (أحضان الحبايب) فصار القرب وجعاً والبعد شوكاً والحب ألماً، واستخرج منه (أحلف بسماها وبترابها)، و(ابنك يقولك يا بطل)، و(المسيح).. لغة صارت فيها العامية قادرة على أن تحمل نبوءة، وتزيل هموم وأوجاع وطنٍ بأكمله.

ولم تكن هذه صدفة، يروي الشاعر محمد حمزة أنه كتب في (سواح): (مشوار صعيب وأنا فيه غريب) فتوقف العندليب وقال: (صعيب يقولها محمد رشدي.. دي كلمة مش شبهي)، فعاد حمزة وكتب (مشوار بعيد) كلمة واحدة كانت الفرق بين أن تُقلد نجاح الآخرين، وبين أن تُغني ما يشبهك ويليق باسمك.

برتقان (الأبنودي) وفراولة مصطفى حدوتة!
الهضبة فقد وافق أن يشرب عصير (الفراولة) الذي قدمه له (مصطفى حدوتة)

الهضبة يشرب الفراولة

هذه هى العقيدة التي آمن بها عبد الحليم: أنا لا ألحق بالنجاح، النجاح هو الذي يلحق بي.. لم ينزل إلى الجمهور، بل رفع الجمهور إليه.. لم يبحث عن أسهل الكلمات، بل ألزم الشعراء بأفضل الكلمات.

واليوم تعود المقارنات.. ضع عبد الحليم على كفة وانظر ماذا فعل؟.. لقد أخذ شاعراً كان يمكن أن يظل قابعاً في (تحت الشجر يا وهيبة.. ياما كلنا برتقان) ووضعه في (ابنيلك قصر عالي.. واخطف نجم الليالي.. واشغلك عقد غالي.. يضوي أحلى الصبايا).. رفع سقف اللغة والذائقة.

وفي الكفة الأخرى ضع من يختار في ألبومه الجديد أن يغني (يا فراولة أنا نفسي أشربها عصير).. لقد اختار أن ينزل إلى مستوى الترند، واختار أن يرضي السوق لا أن يقوده.

وهنا تكمن القصة كلها.. الفرق بين العندليب والهضبة بسيط ومباشر.. العندليب رفض أن يُطعم جمهوره برتقان الأبنودي الذي أكله رشدي مع (وهيبة) في الغيطان، ورفض (آه يا ليل يا قمر والمانجة طابت ع الشجر)، واختار لجمهوره أن يسكن في قصر عالي.

أما الهضبة فقد وافق أن يشرب عصير (الفراولة) الذي قدمه له (مصطفى حدوتة)، وهو نفسه الذي قدّم في (بنت الجيران) خموراً وحشيشاً لحسن شاكوش وعمر كمال فشرباه.

واحد لولاه ما حصل (الأبنودي) على جائزة الدولة التقديرية، والآخر اختار أن يغني بلغة بائع ملابس حريمي متحرش.. القضية ليست أشخاصاً، القضية معيار، ومعيارها اسمه عبد الحليم حافظ.. ومن يرضى اليوم بأن تكون (الفراولة عصير) عنوان مرحلة، فليعلم أنه اختار مكانه بنفسه، بعيداً جداً عن معيار العندليب.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.