رئيس مجلس الادارة : محمد حبوشة
رئيس التحرير : أحمد السماحي

محمود عطية يكتب: سوق (الترند) واللحم الرخيص!

محمود عطية يكتب: سوق (الترند) واللحم الرخيص!
بعض من اعتلوا منصات الشهرة حولوا هذه النعمة إلى تجارة تقوم على استغلال غرائز الفضول الإنساني

بقلم المستشار: محمود عطية

هذه  قضيه أري أن علي الجهات المعنيه غلق  هذه المواقع التي تحث علي السفاله والانحطاط والرزيلة، وليست صاحبة الفيديو الإباحي الشهير ببعيد والتي وضعت نموذج جديد غير ماسطرته أسلافها، فالتزمت نهجا جديدا لطريق الشهره والمال بركوب (الترند)!

فالموضوع بسيط عمل فيديو إباحي، بعد أن كانت نكره بسيطه تجري علي الحصول علي بضعة جنيهات فاذا بعد الفيديو الاباحي ملىء السمع والبصر ومن صاحبات الملايين، والشىء بالشىء يذكر  فلقد كسرت القاعده التي وضعتها كاريوكا أن ما من واحده تدخل المجال إلا بعد دفع الثمن، ولكنها  دخلت جاهزه بعد انتشار الفيديو الخاص بها على مستوى الدول.

وصدقت بلبله عندما صرحت في فيلم بوصف دقيق (جهاد السراير)، فلم تكن مواقع التواصل الاجتماعي في أصل فكرتها عدوا للمجتمع ولا خصما للقيم ولا ساحة للفوضى.. لقد خرجت إلى الناس باعتبارها وسيلة للتواصل وتبادل المعرفة وتقريب المسافات وفتح أبواب التعبير أمام الجميع.

لكن ما حدث مع مرور السنوات أن بعض من اعتلوا منصات الشهرة حولوا هذه النعمة إلى تجارة تقوم على استغلال غرائز الفضول الإنساني، وعلى تحويل كل ما هو خاص إلى مادة للاستهلاك العام عبر (الترند) الملعون، ولم يعد السؤال عند هؤلاء ماذا سنقدم للناس وإنما كيف نجعل الناس يتحدثون عنا مهما كان الثمن؟

كل يوم تقريبا تتكرر الحكاية نفسها.. إعلان عن خلاف ثم إعلان عن انفصال (طلاق)، وتصريحات من العاهرة أو الشاذ يرجوان احترام الخصوصيه (فأي خصوصيه يا عديما الادب والتربيه)، بل هي عاداتكم أم هتشتروها ثم بيان يطالب الجميع باحترام الخصوصية.

وهما اللذان يصرحان والمفارقة أن من يرفع شعار الخصوصية هو نفسه من فتح أبوابها للناس دون أن يطلب منه أحد ذلك.. وكأن الخصوصية أصبحت موسما يبدأ عندما تحقق القصة أعلى نسب مشاهدة وينتهي عندما تبدأ الأسئلة أو يظهر النقد، على أثر ركوب (الترند).

محمود عطية يكتب: سوق (الترند) واللحم الرخيص!
ليست حياة شخصية وإنما محتوى رقمي يخضع لحسابات المشاهدة والتفاعل والإعلانات

اعتداء على الحياة الخاصة

هذه ليست خصوصية وإنما تسويق، وليست حياة شخصية وإنما محتوى رقمي يخضع لحسابات المشاهدة والتفاعل والإعلانات، فالذي يحول بيته إلى منصة عرض لا يستطيع أن يغضب لأن الجمهور ناقش ما عرض عليه بإرادته، ومن يقدم تفاصيل حياته على أنها مادة يومية لا يملك بعد ذلك أن يتعامل مع ردود الأفعال باعتبارها اعتداء على حياته الخاصة.

المشكلة ليست في شخص بعينه ولا في قصة بعينها وإنما في ثقافة كاملة أخذت تتسلل إلى المجتمع بهدوء، حتى أصبحت عند البعض طريقا مشروعا إلى الشهرة.. ثقافة تقول إن الضجيج أهم من الإنجاز وإن الإثارة أسرع من الاجتهاد، وإن افتعال الجدل أكثر ربحا من صناعة القيمة.

وهنا يبدأ الخطر الحقيقي لأن المجتمعات لا تنهار دفعة واحدة وإنما تنهار عندما تختل معاييرها، فيصبح التافه بطلا ويختفي صاحب الرسالة وسط صخب لا ينتهي.

لقد أصبح المشهد في كثير من الأحيان أشبه بمسرح مفتوح لا يغلق ستاره.. حلقات متتابعة من القصص الشخصية التي تقدم في صورة درامية محسوبة بعناية… إعلان أول لإثارة الفضول ثم رد ثم رد مضاد ثم اعتذار ثم تلميح إلى الصلح ثم عودة جديدة إلى الأضواء بركوب (الترند).

وما إن تهدأ الموجة حتى تبدأ موجة أخرى.. إنها صناعة كاملة لا تعتمد على الإنتاج ولا على الإبداع بقدر ما تعتمد على إبقاء الاسم حاضرا في دائرة التداول مهما كانت الوسيلة، كل هذا مقابل جنيهات معدودة وأحيانا مجانيه لإدارة صفحات والعائد من حجم المشاهدات ولا فرق بين الإباحيه والعزاءات والجنازات.

والأشد إيلاما أن هذا النموذج يقدم نفسه للأجيال باعتباره نموذجا ناجحا، فالشاب الذي يرى الملايين تتابع بعد هذه القصص قد يظن أن هذا هو الطريق الطبيعي إلى النجاح، وأن الشهرة لا تحتاج إلى موهبة ولا إلى علم ولا إلى جهد، وإنما تحتاج فقط إلى فيديو إباحي يركب (الترند).

وهنا تتحول الأزمة من مجرد محتوى هابط إلى خلل في تشكيل الوعي العام، وساعه بعد أخرى ويوما بعد يوم يرسخ انهيار الاخلاق والقيم والضرب في العقائد، وهذا ما يفعله شلة شواذ وعاهرات العلمانية القريبة من الإلحاد. 

ولذلك فإن أخطر ما أنتجته ثقافة (الترند) ليس المحتوى الضعيف في ذاته، وإنما اعتياد الناس على أن يعيشوا أسرى له حتى أصبح يفرض عليهم أولويات لا علاقة لها بمصالحهم الحقيقية.

محمود عطية يكتب: سوق (الترند) واللحم الرخيص!
هكذا اختل ميزان الاهتمام العام فأصبح الصخب أغلى من القيمة والجدل أعلى صوتا من الحقيقة

وسائل الإعلام وقعت في الفخ

ولا يمكن إعفاء المنصات الرقمية من المسؤولية.. فهي تعرف أن المحتوى المثير يحقق أرباحا أكبر ولذلك تدفع به إلى الواجهة، كما أن بعض وسائل الإعلام وقعت في الفخ نفسه فتركت رسالتها الأساسية وراحت تلاحق كل قصة شخصية، وكل خلاف عابر وكأنه حدث مصيري بينما تتراجع أخبار الباحثين والعلماء والمبدعين إلى الهامش.. وهكذا اختل ميزان الاهتمام العام فأصبح الصخب أغلى من القيمة والجدل أعلى صوتا من الحقيقة.

إن المجتمع الذي يريد أن يحافظ على وعيه لا بد أن يراجع هذه الظاهرة بشجاعة، فليس المطلوب مصادرة الحريات ولا فرض الوصاية على الناس، وإنما إعادة الاعتبار لفكرة المسؤولية.. لأن الحرية التي تنفصل عن المسؤولية تتحول إلى فوضى، والشهرة التي تنفصل عن القيمة تتحول إلى (ماخور)، والمحتوى الذي ينفصل عن الأخلاق هو الطريق.

ويبقى السؤال الذي ينبغي أن يطرحه كل متابع على نفسه: ماذا أضفت إلى حياتي بعد ساعات من متابعة هذه القصص؟.. هل خرجت بفكرة؟.. هل تعلمت شيئا؟.. هل أصبحت أكثر وعيا؟.. أم أن كل ما حدث هو استنزاف للوقت والعقل والانتباه؟

إن الإجابة الصادقة عن هذا السؤال كفيلة بأن تكشف حجم الأزمة التي نعيشها، وأن تؤكد أن معركة المجتمع اليوم ليست مع التكنولوجيا، وإنما مع طريقة استخدامها، ومع ثقافة جعلت (الترند) غاية، والمشاهدة إنجازا.

غير أن أخطر ما في هذه الظاهرة أنها لم تعد تقتصر على أصحابها، بل امتد أثرها إلى المجتمع كله، فكلما تصدرت قصة شخصية عناوين المنصات تراجعت في المقابل قضايا تستحق الاهتمام.. أخبار عن اكتشاف علمي أو مشروع تنموي أو نجاح شاب مكافح أو إنجاز طبي قد تمر في صمت.

بينما تتصدر صفحات الأخبار تفاصيل خلاف عائلي أو إعلان انفصال أو ردود متبادلة لا تقدم للناس معرفة ولا تبني وعيا. وهكذا يصبح الضجيج منافسا للحقيقة، وتصبح الإثارة بديلا عن المضمون.

ولعل أكثر ما يدعو إلى الدهشة ذلك التناقض الصارخ في ترتيب الأولويات، فهناك من يتحدث ليل نهار عن ضرورة حماية الهوية والثقافة والقيم، ثم يترك الساحة مفتوحة أمام المحتوى الذي يقوم على استهلاك الحياة الخاصة وتحويلها إلى مادة للفرجة.

فإذا كان المجتمع يخشى على أجياله من الانحدار، فإن أول ما يجب أن يلتفت إليه هو البيئة الإعلامية التي يتعرض لها الشباب ساعات طويلة كل يوم، لأن الوعي لا يتشكل بالخطب، وإنما بما يراه الإنسان ويكرره ويعتاده.

محمود عطية يكتب: سوق (الترند) واللحم الرخيص!
الاعتياد هو أخطر مراحل أي ظاهرة سلبية، لأنه يقتل الإحساس بخطورتها

هنا يكمن الانحدار الحقيقي

إن الخطر الحقيقي ليس في قصة انفصال تعلن هنا أو خلاف يثار هناك، وإنما في اعتياد المجتمع على هذا المشهد حتى يصبح أمرا عاديا.. فالاعتياد هو أخطر مراحل أي ظاهرة سلبية، لأنه يقتل الإحساس بخطورتها، وما كان يثير الاستغراب بالأمس أصبح اليوم خبرا عابرا، وما كان يعد تجاوزا أصبح يقدم باعتباره أمرا طبيعيا، وهنا يكمن الانحدار الحقيقي، حين يفقد المجتمع حساسيته تجاه ما كان يرفضه.

ولا ينبغي أن نفهم هذا النقد على أنه دعوة إلى الحجر على الناس أو التدخل في حياتهم الخاصة، فالحياة الخاصة حق لا ينازع فيه أحد. لكن الفرق كبير بين أن يعيش الإنسان حياته في هدوء، وبين أن يحولها بإرادته إلى مادة للنشر والترويج، ثم يطلب بعد ذلك حصانة من النقد.

فمن يختار المنصة العامة عليه أن يدرك أن الرأي العام سيتفاعل مع ما ينشره، أما من يريد الخصوصية حقا فخير وسيلة لحمايتها ألا يجعلها جزءا من صناعة المحتوى.

إن المنصات الرقمية مطالبة اليوم بتحمل قدر أكبر من المسؤولية في طريقة إبراز المحتوى، كما أن وسائل الإعلام مطالبة بالعودة إلى دورها الحقيقي، فلا تكون مجرد ناقل لما يحقق أعلى نسب مشاهدة، بل صانعة لأولويات المجتمع وحارسة للذوق العام، فالإعلام الذي يلهث وراء الضجيج يفقد رسالته، والمنصة التي تكافئ الإثارة وحدها تسهم في صناعة بيئة رقمية مختلة.

ويبقى الدور الأكبر على الجمهور.. فالجمهور هو الذي يمنح الشهرة وهو الذي يسحبها. وكل مشاهدة هي رسالة، وكل مشاركة هي تصويت، وكل متابعة هي دعم.. وعندما يدرك الناس أن تجاهل المحتوى الفارغ هو أقوى وسيلة لإضعافه، ستتغير المعادلة تلقائيا. فصانع المحتوى يقدم ما يلقى رواجا، فإذا تغيرت اهتمامات الجمهور تغير ما يقدم إليه.

إن الأمم التي تريد أن تبني مستقبلا مختلفا لا تسمح بأن تتحول معايير النجاح إلى مجرد أرقام على شاشة هاتف.. النجاح الحقيقي يقاس بما يتركه الإنسان من أثر نافع، وبما يضيفه إلى مجتمعه من علم أو عمل أو خلق أو إبداع

لقد آن الأوان لأن نستعيد احترامنا للعقل، وأن نعيد الاعتبار للمعنى، وأن نكف عن مكافأة كل ما يثير الانتباه لمجرد أنه يثير الانتباه. فليس كل مشهور قدوة، وليس كل منتشر مؤثرا، وليس كل متصدر للمشهد جديرا بأن يكون نموذجا يحتذى.. المجتمعات القوية هى التي تميز بين الشهرة والاستحقاق، وبين الحضور العابر والقيمة الباقية.

هذه معادلة خاسرة

إن معركتنا الحقيقية ليست مع هاتف محمول ولا مع تطبيق إلكتروني، وإنما مع ثقافة تحاول أن تجعل الإنسان يقيس نفسه بعدد الإعجابات، وأن يقيس قيمته بعدد المشاهدات، وأن يقيس نجاحه بقدرته على إثارة الضجيج.

وهذه معادلة خاسرة لأنها تفرغ النجاح من مضمونه، وتحول الإنسان إلى أسير لاهتمام لحظي سرعان ما يتبخر، والكل يعلم أن هناك مليارات لتمويل ضرب العقيده والقيم في المجتمع المصري علي السنة اسماء اعطتها الدوله مجالا بطريقه غير مفهومة. 

ويبقى الأمل قائما في أن يستعيد المجتمع بوصلته، وأن يعود الاهتمام إلى أصحاب الفكر والعلم والعمل، وأن يدرك الجميع أن الأوطان لا تبنى بـ (الترند)، ولا ترتقي بالضجيج، ولا تحمي أجيالها بترك الساحة لكل ما يستهلك العقول ويبدد الوقت.. فالمستقبل لا يصنعه من يثير الجدل كل صباح، وإنما يصنعه من يزرع فكرة، أو يبني مؤسسة، أو يعلم طالبا، أو يحقق إنجازا يبقى بعد أن ينتهي صخب المنصات.

وعندها فقط سيعود للنجاح معناه الحقيقي، وستصبح الشهرة نتيجة طبيعية للعطاء، لا بديلا عنه، وسيستعيد المجتمع ثقته بأن القيمة مهما توارت خلف الضجيج فإنها في النهاية هي التي تبقى، أما الترند فمصيره أن ينطفأ 

* المحامي بالنقض  – منسق ائتلاف مصر فوق الجميع

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.