

بقلم الكاتب الصحفي: بهاء الدين يوسف
في أغنيتها الشهيرة تقول أم كلثوم (أهرب من قلبي أروح على فين)، وهو نفس السؤال الذي أظل اسأله لنفسي طوال الأيام الماضية، فقد حاولت الهرب من ملل وأكاذيب القنوات التليفزيونية إلى مواقع التواصل الاجتماعي، لكنني اكتشفت أنني وقعت في فخ (عبدة الترند)، ممن يفعلون أي شيء وكل شيء بحثا عن الشهرة وكسب المال، وهم في ذلك أسوأ بكثير من عبدة الشيطان.
(عبدة الترند) هم الجماعة الذين ينشطون على مواقع التواصل الاجتماعي، ويبثون اخبارا او لقطات فيديو بشكل مكثف طوال الوقت أملا في جذب أكبر عدد من المتابعين، ويصنع من نفسه بطلا دون أن يعرف المعجبين به شيئا حقيقيا عنه، فالترند يستطيع أن يصنع مجرمًا من شخص لم تثبت عليه جريمة، ويستطيع أن يحول مأساة إنسان إلى مادة للضحك، وأن يجعل قصة تافهة أهم من حرب.
ولأن عبد الترند يتغذى من انتباه الغير، فلا توجد امامه خطوط حمراء فيما ينتجه، بل انه كلما كان المحتوى غريبا وشاذا ترتفع فرصته في الرواج، وهكذا تحول الألم نفسه إلى محتوى، في الوفاة والحوادث والانتحار والاغتصاب والسرقة، في كل ما يسبب الألم لا يظهر التعاطف ولا الشهامة التي اعتدنا عليها في السابق، وانما تظهر الكاميرات بحثا عن الترند.
الآن ليس مهما ان تكون حزينا، ولكن الأهم كيف تظهر حزنك للناس على مواقع التواصل، حتى لو كان مجرد ادعاء! ليس مهما أن نعيش الحياة وتفاصيلها وإنما المهم أن نثبت للمتابعين أننا كنا موجودين فيها، وهذه واحدة من (انتكاسات) عبادة الترند التي تستحق قدرًا أكبر من القلق.
لعب (عبدة الترند) في إعدادات المزاج العام للمجتمع، ففقد الناس الذين اعتادوا رؤية كل شيء تتحول إلى فرجة القدرة والرغبة في المشاركة والتعاطف، والأكثر خطورة سلبت قدرة الأفراد على التفكير، وعندما يرى شيئ ما يجد نفسه مدفوعا لأن يعلق.
أحيانا يسب .. يسخر، او يدافع، أو حتى يخترع قصة خيالية، لكن المهم ألا يمر الترند من أمامه دون أن يترك بصمته عليه، وفي الغالب يفعل هذا دون أن يدقق في المحتوى الذي تحمس للتعليق عليه، وهذا هو الفرق الكبير بين (عبدة الترند) و(عبدة الشيطان).


لا يحتاجون إلى فكرة ولا عقيدة
(عبدة الشيطان) كانت تريد من أعضائها أن يؤمنوا بشيء خاطئ، أما عبدة الترند فلا يريدون منك أن تؤمن بأي شيء، وإنما يكفيهم انك تتفاعل، لا يهم ماذا تقول، ولا لا يهم إن كنت مع أو ضد، تأييدك للمحتوى جيد مثلما أن غضبك منه جيد، تعليقك الداعم يرضيهم وكذلك السباب الذي تكيله لهم يحقق نفس النتيجة، أي تفاعل مقبول طالما أنك تفاعلت.
(عبدة الترند) لا يحتاجون إلى فكرة ولا عقيدة ولا حتى شخصية مستقلة، يكفي أن يعرف الواحد منهم أن الناس تتحدث عن شيء، فيذهب فورًا ليتحدث عنه هو الآخر، وهو بالاضافة لكونه باحث عن الشهرة والفلوس، ساع لتطهير نفسه من خلال إطلاق أحكام سريعة وغير دقيقة، لكي يثبت لعشرات الآلاف من متابعيه رقي اخلاقه وسمو التزامه الديني، بينما يكون في الحقيقة أبعد ما يكون عن الاثنين.
كل ما عليك أن تفتح هاتفك وخلال ثوان ستجد أمامك شخصًا يرقص، وآخر يبكي، وفتاة تشكو اضطهاد المحجبات، وسيدة تكشف معاناة غير المحجبات في المجتمع، ورجل يكيل الاتهامات لمطعم ما، وشاب يدافع بحرقة عن المطعم، وبعد ساعات ستجد نفسك أمام مجموعة من القضايا المجتمعية والانسانية وربما السياسية التي لا تهمك في الواقع، لكنك تندفع للمشاركة فيها والانحياز لطرف من طرفيها، وهذه هي عبادة الترند في أروع صورها.
ولعل من أعجب الظواهر التي أنتجتها وسائل التواصل الاجتماعي أن ملايين البشر يريدون أن يكونوا مختلفين بالطريقة نفسها، فالفردية عند عبدة الترند تشبه إلى حد كبير الطابور الذي يصر كل واحد فيه على أنه لم يقف في الطابور، والأغرب أن بعضهم ينتقل من النقيض إلى النقيض دون أن يشعر بأي حرج.
بالأمس كان يلعن شخصية ما ويطالب بسحقها، اليوم يدافع عنها، وغدًا ربما يهاجمها مرة أخرى، دون أن يجد أي تناقض في الأمر، ليس لأنه متلون ولكن لأنه لم يكن صاحب موقف من الأساس، وإنما فقط تصادف وقوفه في المكان الذي كان يقف فيه الترند.. فالآن لم يعد العبيد يحتاجون إلى رسول، ولم يعد القطيع يحتاج إلى راع، وإنما يكفي أن يمتلكوا هاتفا ذكيا.