* تدربت على يد المطرب (إبراهيم الحجار)، الذي كان قمة في التدريب الصوتي.
* محمد الموجي أشاد بصوتي، ونصحني بالتدريب المستمر للصوت وللإداء حتى أحافظ على جماله ولمعانه.
* عندما فكرت في مشروع أغنيات ألبومي الأول، كان يهمني الانطلاق عربيا.
*لم اسير في طريق الفن من أجل الشهرة والمال.
* غنيت بصدق وأمانة، وهذا ما جعل من الأغاني التي انتجتها تعيش طويلا، ويستمر صداها حتى اليوم.


أجرى الحوار الكاتب الصحفي : أحمد السماحي
منذ 30 عاما ابتعد المطرب الأردني، صاحب الأداء الرومانسي (عودة زيادات) عن الساحة الفنية وهو في قمة نجاحه، تاركا ورائه العديد من الأسئلة عن سر هذا الأعتزال السريع، خاصة إنه كان يمتلك ذائقة رقيقة، وقدرة نادرة على تحويل الكلمة إلى دفء.
وعرف كيف يقترب من القمة التي يحلم بها كل فنان، لكن بطريقة تخصّه وحده، عذبة، صادقة، ومشحونة بالحنين، لم تكن خطوته الفنية ارتجالًا، بل مشروعًا يتشكّل خطوة خطوة، وأكتمل حين تلاقى مع كبار نجوم التلحين والكلمة في العالم العربي.
المطرب الأردني (عودة زيادات) الذي يبدو أن الزمن لم يُضعف أثره، بل اكتفى بأن يمدّ له ظلًا أكثر دفئًا، بعد أن اختار الاعتزال منذ قرابة ثلاثين عامًا، عقب مشاركته في مهرجان (الفحيص)، ظل اسمه حاضراً في وجدان محبّي الفن الهادف، كأن صوته لم يرحل يومًا، وإنما اكتفى بالتجمّد في مكانٍ خاص داخل القلب.
لم تكن سنوات حضوره في الوسط الفني طويلة، ـ تقدّر بحوالي عشر سنوات ـ لكنها كانت مكتنزة بالإنجاز والعمل على أكثر من مستوى، بدأ من حيث لا يتوقع الكثيرون، من أدوار صغيرة في مجال التمثيل، كأن القدر كان يجرّبه على نار هادئة.
ليخرج لنا لاحقًا بهذا الصفاء الذي لا يتصنّع، ثم جاءت اللمسة الأجمل، إحياء التراث، لا بوصفه استعادة للماضي فقط، بل كقدرة على إنعاشه بروح معاصرة، ليبقى حاضرًا كما لو أنه وُلد اليوم.

كيف تصنع مساحة للأمل
ثم انتقل (عودة زيادات) بسلاسة إلى حضور جماهيري مختلف عبر تقديم برنامج (المواهب الصغار) للأطفال، هناك تحديدًا، عرف الناس أن نجوميته، ليست فقط صوتًا يطرب، بل شخصية تعرف كيف تقترب من البسمة، وكيف تصنع مساحة للأمل لدى الصغار.
ثم جاء الغناء ليؤكد أن المسار لم يكن صدفة، بل اختيارًا دقيقًا، ومن خلاله قدّم قمة عربية بألبومه الأول والأخير (خطيرة)، حيث اجتمعت الرومانسية بالذائقة الراقية، وتحوّلت أغنياته إلى تلك النوعية التي تعود إليها لأن فيها معنى، لا لأنّها فقط تمرّ مرورًا.
(عودة زيادات) إذن ليس حكاية فنان اعتزل وانتهى، بل تجربة قصيرة العدد، كبيرة الأثر، تذكّرنا بأن الفن الحقيقي قد لا يحتاج وقتًا طويلًا كي يُصبح محفورًا في الذاكرة، خاصة أن (زيادات) كان يتميز بمساحة صوت لا تُخطئها الأذن، مساحة تفيض بالحنين والدفء وتعرف كيف تُحوّل الكلمة إلى إحساس.
ولم يكن حضوره مجرّد غناء عابر، بل مشروعًا واضحًا لصناعة قمة غنائية عربية تتكامل فيها الكلمة مع اللحن على مبدأ واحد، وهو اللّحظة التي تلامس القلب.. في تجربته، تعانق الفن مع أسماء كبيرة من كبار نجوم التلحين والكلمة في العالم العربي، وكان طموحه أن يقدّم أعمالًا تليق بذائقة الجمهور وتبقى في الذاكرة، ويكون قمة فنية عربية، قبل أن يعرف العالم العربي الفضائيات العربية.
ومن هنا جاء ألبومه الأوّل والأخير (خطيرة)، الذي جمع بين نخبة من الأسماء اللامعة، كان يريد أن يصنع بوعيٍ فني أغنية عربية (على المقاس) وتُقال في لحظة مناسبة تمامًا، لحظة القلب حين يشتاق.
فتعاون فيه مع (محمد الموجي، وسهيل عرفه، وإيلي شويري، ووائل أبوالسعود)، وغيرهم، ليمتزج السحر في كل تفصيلة لحنية، ويكتمل المعنى في كل مقطع يغتسل بالعاطفة، وليتحول العمل إلى لوحة رومانسية متكاملة، يتناغم فيها الوجدان مع الصناعة الدقيقة.
ومع ذلك كله، يبقى الرقم الأقرب للانبهار، أن مشواره لا يتجاوز حوالي 20 أغنية! فكيف لعدد قليلٍ بهذا القدر من العذوبة أن يترك أثرًا بهذا العمق؟ هنا تكمن الإجابة!.
وذلك لأن أغاني (عودة زيادات) لم تكن كثيرة العدد، لكنها تسرسبت برقة ونعومة، إلى وجدان الجمهور العربي، تُستعاد حين يطلب القلب كلامًا يواسيه، وتعود حين يبحث الناس عن رومانسية لا تجرح، بل تُسكّن، وتُستدعى كلما اشتدّ الشوق، وتظل راسخة كحكاية جميلة لا تنتهي.

أنعم حاليا بالدفء الأسري
(شهريار النجوم) دق باب المطرب الكبير (عودة زيادات) وكان لنا هذا الحوار الطويل الذي ننفرد بنشره اليوم، وغدا، فأربطوا الأحزمة، وهيا بنا نطير إلى الأردن العزيزة.
* في البداية يهمنا الأطمئنان عليك، وعلى صحتك، وماذا تفعل الآن بعد إبتعادك عن الغناء والفن منذ 30 عاما؟
** بهدوء وسكينة ورضى قال: الحمد الله صحتى كويسة، وبعد سن التقاعد من وظيفتي الإدارية، أنعم حاليا بالدفء الأسري، بين أولادي وأحفادي، فقد تزوجت مرة واحدة، وعندي ولدين، وأربع بنات، وحفيدين، وأتابع حاليا ما يدور بالعالم من أحداث وتطورات في جميع المجالات.
* هل مازالت محتفظا بصوتك العذب الرومانسي؟
** أعتقد أن الخامة ما زالت موجودة، وأهم منها الروح في إسعاد الناس، وصوتي أكيد محتاج الآن تمارين لإستعادة توهجه وبريقه، وأذكر بالمناسبة، أنني أثناء وجودي في القاهرة للعمل على أغنيات ألبومي (خطيرة)، كنت أخذ دروس صوت عظيمة عند الأستاذ (إبراهيم الحجار) والد المطرب الكبير (علي الحجار)، وكان من قمة معلمي الصوت والاداء.
* تميز ألبومك الشهير (خطيرة) بجمع أصوات ومدارس فنية وموسيقية من مصر ولبنان وسوريا والأردن، مثل (محمد الموجي، سهيل عرفه، عازار حبيب، إيلي شويري، وائل أبوالسعود، جوزيف حنا) كيف تمكنت من خلق هذه التوليفة العربية المتجانسة في فترة كانت فيها الإنتاجات المشتركة محدودة نسبياً؟
** منذ بداية مشواري الفني كان لدي رسالة واضحة وهي نقل الفن والثراث والاغنية الاردنية الى الوطن العربي، وإلى المغتربين العرب في شتا بقاع العالم، بعد ان كنت أرى أن الأردن كان منطلقا ومهداً للكثير من الفنانين العرب غناءً وتمثيلاً أمثال المطربة اللبنانية (سميرة توفيق) وغيرها، وايضا الممثلين العرب وخصوصا في المسلسلات الاردنية البدوية.
فكانت البداية في إنتاج وصلة اردنية وهي عبارة عن مجموعة من بعض مقاطع الاغنيات الاردنية، وزعت، وسجلت بطريقة جديدة نالت شهرة واسعة في الأردن والدول العربية، وعندما ظهرت المطربة (حنان) قامت بتقليدها وتقديم مجموعة من الأغنيات القديمة (كميدلي).
وعندما فكرت في مشروع أغنيات ألبومي الأول، كان يهمني الانطلاق عربيا، لأنني لم اسير في طريق الفن من أجل الشهرة والمال، ولكن كنت أحمل دائما في داخلي رسالة فنية أردنية عربية واعية، وغنيت بصدق وأمانة، وهذا ما جعل من الأغاني التي انتجتها تعيش طويلا، ويستمر صداها حتى اليوم.

أدقق جدا في اختياراتي الغنائية
* ما عدد الأغنيات التى قدمتها طوال مشوارك الفني؟
** مشواري الفني لم يكن طويلا، فقد بدأت عام 1982، وإبتعدت عام 1992، بعد ذلك عملت حفلة بمهرجان (الفحيص) سنة 1995، وكان هذا اخر نشاط فني لي، وكل انتاجي لم يتعدي العشرين أغنية بين عاطفية ووطنية، بالإضافة الى وصلتين من التراث الاردني، وقلة عدد أغنياتي راجع إلى أننى كنت أدقق جدا في اختياراتي الغنائية، لاني كنت اعتمد على الكيف أكثر من الكم.
* في ألبومك (خطيرة) كيف حدث اللقاء بينك وبين الموسيقار (محمد الموجي) الذي لحن لك واحدة من أجمل أغنياتك وهي (فوق الجبين)؟
** اللقاء تم في مصر، وتعرفت عليه عن طريق صديق للملحن الأردني (وائل أبوالسعود) الذي كانت تربطني به علاقة صداقة وطيدة، وتعاونت معه في أغنية (جدا خطيرة) التى تحمل عنوان الألبوم، وتقابلت مع (محمد الموجي) عدة مرات خلال فترة تلحينه اغنيتي (فوق الجبين) كلمات سيد القطان، وتوزيع ابنه يحيي الموجي، وأثناء التنفيذ في استديوهات (عمار الشريعي)، أشاد بصوتي كثيرا رحمه الله.
* ماذا قال الملحن الكبير (محمد الموجي) عن صوتك؟
** رجع بذاكرته للوراء وقال : ما زلت اذكر كلماته جيدا، فحين سألته عن صوتي ـ (وكان يهمني جدا سماع رأيه) ـ قال لي: (أن لديك مساحة صوت كبيرة ، ولكن الأهم كيف تستغلها بشكل صحيح، عبد الحليم حافظ، كان لديه مساحة صوت أقل من صوتك، ولكن عرف كيف يستفيد منها، ولم يتعداها).
وذكر أيضا أنني أتمتع بالأداء والاحساس الصادق والعميق، ونصحني بالتدريب المستمر للإحتفاظ بجمال الصوت ولإداء، ووقتها بدأت في اخذ دروس خصوصية للصوت عند الأستاذ (إبراهيم الحجار).
* وماذا عن الملحن اللبناني (إيلي شويري) كيف تم التعارف بينكما؟
** قابلته في الأردن، وتحديدا في فندق (ريجنسي)، حيث كان مرتبطا بعمل هنا في الأردن، واتفقنا على التعاون، وقدم لي أغنية من كلمات الشاعر السوري أحمد قنوع، بعنوان (يمه يا يمه زغردي).

حماية التراث الفلكوري
* كنت من أوائل الفنانين الذين أبدعوا في دمج الأغنيات والفلكلور الأردني بطريقة (المكس) الحديث والمبتكر مثل الوصلات التراثية (ساري سار الليل) و(شدوا يالنشامى).
كيف ترى دور الفنان في حماية التراث الفلكوري وإعادة تقديمه للأجيال الجديدة بقالب يجمع بين الأصالة والتجديد؟
** دور الفنان مهم في حماية الثراث في بلده، وهذه كانت رسالتي ومسؤوليتي حتى لا يندثر هذا الثراث، ويصبح في طي النسيان، فنجاج الوصلة الاردنية الأولى ( وساري سرى الليل ) ومن بعدها الوصلة الثانيه (اسهروا الليلة) لا زال نتائج هذا النجاج موجود بعد أربعة عقود من انتاجهم.
فها هم جيل الشباب من المطربين الاردنين آثروا أن يسيروا على هذا النهج ، واذكر المطرب الاردني (عمر العبدلات) وغيره نجحوا نجاحا باهرا في أحياء الكثير من الثرات والاغاني والاهازيج الاردنية.
* أثناء إشتغالك على أغنياتك أيهما كان يهمك أكثر الكلمة أم اللحن؟
** كان يهمني جدا الاثنين، لهذا كنت أدقق كثيرا في إختيار ما أقدمه لجمهوري.