سعدون جابر يحكي قصة تعارفه بالعبقري (بليغ حمدي)، ولماذا رفض يتقاضي أجرا؟!



بقلم الكاتب الصحفي: أحمد السماحي
في زمنٍ تُختبر فيه العبقرية بمدى قدرتها على صنع المعنى، يأتي لقاء الموسيقار العبقري (بليغ حمدي)، بعندليب العراق (سعدون جابر) ليكتب صفحة إضافية في كتاب الطرب العربي.. فهناك لحظات نادرة لا تُنسى، لأنها لا تجمع فنانين فقط، بل تجمع مدارس كاملة، مدرسة اللحن العميق في مصر، وروح الكلمة والصوت التي تشع من العراق، لتلتقي في لحظةٍ واحدة.
في هذا السياق، تبرز قصة لقاءٍ خالد جمع عبقري مصر الملحن (بليغ حمدي) الذى تحيي هذه الأيام ذكرى رحيله الـ (33)، بعندليب العراق (سعدون جابر)، لقاءٌ بدأ عابرًا، لكنه كان بداية لنتيجة فنية تفيض بالصفاء والجمال والعذوبة والشجن.
وحين اجتمعت ريشة الملحن العبقري (بليغ حمدي) مع دفء وعذوبة وشجن صوت (سعدون جابر)، ورافقت هذا اللقاء كلمات الشاعر المبدع (كريم العراقي)، خرجت لنا حصيلة ثمينة، عبارة عن أربع أغنيات من روائع (سعدون جابر) تظل رنانة في الذاكرة، وتعيد ترتيب إحساس المستمع كلما عاد يسمعها.
فإلى تفاصيل هذا اللقاء وما صنعه من سحر طربي، نفتح الحديث، مع سفير الأغنية العراقية (سعدون جابر)، لأن بعض القصص لا تحتاج مقدمات طويلة، يكفي أنها كتبت بالألحان، ووزّعت على القلوب.


صدفة خير من ألف ميعاد
في ذكرى (بليغ حمدي) تحدثنا مع المطرب الكبير (سعدون جابر) عن ظروف تعاونه مع هذا العبقري، خاصة أن عناق حنجرته مع ألحان (بليغ حمدي) كان ومازال نقلة هامة في مشواره الفني، فقال: في بداية الثمانينات وبالتحديد عام 1982 كنت في أبوظبي، وفى أحد الأيام وبعد انتهاء فقرتي في أحد الفنادق الذى أغني فيه، وأثناء خروجي من باب الفندق.
فوجئت بأحد الأشخاص ينادي الأستاذ (بليغ حمدي) الذى كان فى طريقه للدخول للفندق، ويقول له : (يا أستاذ بليغ، هذا سعدون جابر الذي تسأل عنه)، ونادى هذا الشخص علي، فرجعت للفندق وفؤجئت بوجود العملاق (بليغ حمدي) أمامي، فأستقبلته بحفاوة شديدة وقبلته على جبينه، ويومها أشاد بصوتي، وقال لي إن أغنيتي (عيني عيني) كلما ذهب إلى دولة يستمع إليها، هى وأغنية (يا طيور الطايرة).
وأثناء الحديث علمت إنه سيسافر إلى الكويت بعد أبوظبي، وبالمصادفة كنت سأسافر أنا أيضا للكويت، فاتفقنا أن نلتقي في الكويت، وبالفعل التقينا في بيت الملحق الثقافي العراقي فى الكويت.. ويومها ظللت أغني لمدة أربع ساعات على العود، دون انقطاع، غنيت فيهم كل الأشكال والألوان الغنائية، وهو يستمع إليّ ولا ينطق بكلمة!.
بعدها قال لي: (لازم ألحن لك فهل تغني باللهجة المصرية؟)، فقلت له : (أنا أغني كل الألوان، بغض النظر عن جنسية مؤلف الكلمات، فما يهمني هو الموضوع، لكن ماذا لو أعطيتك شعرا عراقيا؟!).
وأحضرت له بالفعل بعض النصوص لبعض الشعراء، وأسمعته الكثير من الشعر العراقي، واتفقنا أن نلتقي مرة ثالثة في بغداد، وبعد شهر جاء الراحل (بليغ حمدي) لبغداد.
وطلب مني أن آخذه إلى مدينة (كربلاء)، حيث كنا في أيام عاشوراء، ومراسم العزاء الحسيني غرب الزناجير قائمة، لأنها تحمل معها موسيقى خاصة، وبليغ – الله يرحمه – كان مهووسا بموسيقى الشعوب، وبعد تسجيله ما شاهده على كاسيت صغير كان معه، أخذ النصوص التى أعطيته إياها للشاعر الراحل (كريم العراقي)، ورجع إلى القاهرة.
بعدها بسبعة أشهر سجل موسيقاه، والتقينا في لندن، وقدمنا معا أربع أغنيات من كلمات الشاعر كريم العراقي وهى: (من الأول يا حبيبي، مشوارك حبيبي، أريدك، ورحنا والله رحنا)، ولن أنسى ما حييت أنه سجل الألحان على نفقته الخاصة، ورفض فى البداية أن يتقاضي منى أي فلوس، وبعد عدة محاولات أخد وهو في حالة خجل شديد جزء بسيط مما يستحقه).


الكوبليه الأخير
في النهاية، لا يهمنا كم سنة مرّت على لقاء (بليغ حمدي) و(سعدون جابر) بقدر ما يهمنا أن أثره ما زال حيًا داخلنا، لأن الأربع أغنيات التى خرجت من عبقرية (بليغ حمدي) كانت كأنها كتبت بالقلم الذهبي، ثم جاء أداء (سعدون جابر) المليئ بالشجن والعذوبة، ليحوّل اللحن إلى إحساسٍ كامل، يُغنّي للقلب قبل أن يصل إلى الأذن.
لم تمرّ أغنيات (من الأول يا حبيبي، مشوارك حبيبي، أريدك، ورحنا والله رحنا)، مرور الأغاني، بل استقرت في الوجدان، فلم تكن ألحانًا جميلة فقط، بل رسائل عاطفية تتكرر مع كل استماع، تفتح باب الحنين، وتعيدنا إلى لحظات كنا فيها أصدق مع شعورنا.
وهكذا، يبقى هذا الثلاثي الطربي (بليغ حمدي، وكريم العراقي، وسعدون جابر) لحنٌ يملك الحكمة، وصوتٌ يعرف الدفء، وكلمةٌ تُلامس القلب، وظلت أغنياتهم حكايةً تواصل سحرها، والأجمل أنها ظلت عالقة في ذهن المشاهد، كما ظلت في ذهن المستمع، وكلما رنّت النغمة، عاد معها العمر الجميل.
…………………
غدا في باب (محذوفات الأغاني) نتعرف على الكلمات التى طلب (بليغ حمدي) حذفها من أغنية (من الأول يا حبيبي).