رئيس مجلس الادارة : محمد حبوشة
رئيس التحرير : أحمد السماحي

(فريد شوقي).. ملك الترسو الذي انتصر للغلابة وهزم الزمن!

(فريد شوقي).. ملك الترسو الذي انتصر للغلابة وهزم الزمن!

(فريد شوقي).. ملك الترسو الذي انتصر للغلابة وهزم الزمن!
لم يولد فريد شوقي نجمًا.. بدأ من أسفل السلم.. عمل في أدوار صغيرة
(فريد شوقي).. ملك الترسو الذي انتصر للغلابة وهزم الزمن!
د. محمد الطربيلي

بقلم الدكتور: محمد الطرابيلي

هناك نجوم تصنعهم السينما وهناك نجوم يصنعون هم السينما، وهناك فنانون ينجحون في أن يصبحوا جزءًا من حياة الناس حتى يبدو رحيلهم وكأنه غياب شخص عرفناه فعلًا، و(فريد شوقي) كان من هؤلاء.

لم يكن مجرد ممثل يقف أمام الكاميرا ليؤدي دورًا وينصرف وإنما كان حالة مصرية كاملة، رجلًا خرج من قلب الحارة المصرية وصعد سلم المجد درجة درجة حتى أصبح (ملك الترسو، ووحش الشاشة، والملك) ثم استطاع في النصف الثاني من حياته أن يهدم الصورة التي صنعت شهرته ويعيد اكتشاف نفسه من جديد، وهذه ربما أعظم حكاية في مسيرته، أن (فريد شوقي) لم يسمح للشخصية التي أحبها الجمهور أن تصبح سجنه

ولد فريد (محمد شوقي عبده) في 30 يوليو 1920 بحي السيدة زينب بالقاهرة ونشأ قريبًا من الناس ومن تفاصيل الحياة الشعبية التي أصبحت بعد ذلك المادة الخام لمعظم شخصياته وأفلامه، وقد حصل على دبلوم معهد الهندسة التطبيقية ودبلوم معهد التمثيل قبل أن يختار الفن طريقًا لحياته، رغم أن والده كان يرى أن الوظيفة الحكومية أكثر أمانًا واستقرارًا

كان القرار في ذلك الوقت مغامرة، فالفن لم يكن الطريق السهل الذي يعرفه الناس اليوم، والشاب الذي يقرر أن يترك الوظيفة بحثًا عن حلمه كان يضع نفسه في مواجهة المجهول، لكن فريد شوقي كان يعرف شيئًا واحدًا.. أنه لا يريد أن يعيش حياة لا تشبهه.

لم يولد فريد شوقي نجمًا.. بدأ من أسفل السلم.. عمل في أدوار صغيرة وظهر في بداياته المسرحية مع فرق فنية قبل أن ينتقل تدريجيًا إلى السينما ويبدأ رحلة صعود طويلة.

(فريد شوقي).. ملك الترسو الذي انتصر للغلابة وهزم الزمن!

(فريد شوقي).. ملك الترسو الذي انتصر للغلابة وهزم الزمن!
في البداية حاصرته أدوار الشر.. الرجل القوي.. البلطجي.. المجرم.. الخصم.. القاتل

لم يكن وحش الشاشة فقط

وكانت بدايته السينمائية عام 1946 من خلال فيلم (ملاك الرحمة) مع يوسف وهبي ثم جاء (ملائكة في جهنم) عام 1947 ليبدأ الجمهور في اكتشاف الموهبة التي تقف خلف هذا الوجه القوي والحضور الطاغي، لكن الطريق إلى النجومية لم يكن مستقيمًا

في البداية حاصرته أدوار الشر.. الرجل القوي.. البلطجي.. المجرم.. الخصم.. القاتل، وكان من السهل جدًا أن يقع ممثل في فخ هذه الصورة، لكن فريد شوقي لم يكن ممثلًا عاديًا.. كان يراقب نفسه ويعرف أن النجاح إذا تحول إلى قالب يمكن أن يصبح هزيمة، ومن هنا بدأ التمرد,

ربما يكون من أكثر الأخطاء شيوعًا في قراءة تجربة (فريد شوقي) اختزالها في صورة الرجل القوي الذي يضرب ويقاتل وينتصر.. هذه الصورة كانت مرحلة واحدة فقط.. فهو سرعان ما بدأ في تقديم الشخصيات الاجتماعية والإنسانية وأصبح أكثر قربًا من المواطن البسيط ومشكلاته اليومية.

وهنا بدأ التحول الحقيقي في مسيرته.. (فريد شوقي) لم يعد مجرد بطل ينتصر في المعركة.. أصبح بطلًا يحارب الظلم، وهذه النقلة هي التي صنعت العلاقة الاستثنائية بينه وبين الجمهور.. الجمهور لم يعد يذهب لمشاهدة (فريد شوقي) لأنه قوي فق، بل لأنه كان يشعر أن هذا الرجل يشبهه.. يدافع عنه.. يتحدث بلسانه، ويضع مشاكله على الشاشة.

الفنان الذي خرج من الشارع.. كان (فريد شوقي) يؤمن بأن الفنان الحقيقي يجب أن يعرف الناس الذين يتحدث عنهم، ولهذا لم تكن حكاياته بعيدة عن الشارع المصري.. كان يبحث عن أفكاره بين البسطاء وفي تفاصيل الحياة اليومية، وقد وصفته مصادر صحفية حديثة بأنه كان يستمد كثيرًا من أفكاره من الشارع والأسواق والمقاهي وأقسام الشرطة، وحكايات الناس ثم يحول هذه التفاصيل إلى أعمال فنية.

وهذا يفسر سرًا مهمًا في شعبيته.. (فريد شوقي) لم يكن يتحدث من برج عاجي.. كان يتحدث من قلب الناس، ولهذا صدقه الناس.. حين تحولت السينما إلى قضية اجتماعية.. هنا نصل إلى واحدة من أهم مناطق عبقرية (فريد شوقي).. أنه لم يستخدم السينما فقط لكي يحقق النجاح وإنما استخدمها في مناقشة قضايا اجتماعية حقيقية.

في (الأسطى حسن) اقترب من قضية الطبقية وصراع الفقراء مع أصحاب النفوذ، وفي (حميدو) تناول خطر المخدرات، وفي (الموظفون في الأرض) اقترب من الرشوة والفساد وتدني دخول الموظفين، وفي (أبو ربيع) تناول قضية الأرض والتمسك بها وعدم التفريط فيها.

وهنا يصبح فريد شوقي أكثر من ممثل.. يصبح صاحب مشروع.. كان يقول للسينما إن الجمهور الذي يدفع ثمن التذكرة لا يريد أن يهرب دائمًا من واقعه.. أحيانًا يريد أن يرى واقعه على الشاشة لكي يفهمه ويغضب منه وربما يبحث عن طريقة لتغييره.

(فريد شوقي).. ملك الترسو الذي انتصر للغلابة وهزم الزمن!

(فريد شوقي).. ملك الترسو الذي انتصر للغلابة وهزم الزمن!
فيلم (جعلوني مجرمًا) الفيلم لم يكن مجرد نجاح جماهيري وإنما ارتبط بقضية اجتماعية وقانونية شديدة الأهمية

حين تتحول السينما إلى أداة تغيير

من أهم المحطات في تجربة (فريد شوقي) فيلم (جعلوني مجرمًا) الفيلم لم يكن مجرد نجاح جماهيري وإنما ارتبط بقضية اجتماعية وقانونية شديدة الأهمية، وحصل فريد شوقي عن قصة الفيلم على جائزة الدولة عام 1955.

وهنا تظهر قوة الفن عندما يخرج من حدود الترفيه.. فالفيلم الذي ينجح في جعل الناس يفكرون في مشكلة اجتماعية يمكن أن يصبح جزءًا من حركة التغيير في المجتمع، وهذه واحدة من أعظم قيم تجربة (فريد شوقي).. أنه لم يكن يرى الفن رفاهية.. كان يراه مسؤولية.

ملك الترسو لقب من الجمهور وليس من السلطة.. اللافت أن لقب (ملك الترسو) لم يكن لقبًا رسميًا صنعه مكتب أو مؤسسة.. كان لقبًا خرج من الجمهور، وقد ارتبط بشعبيته بين رواد دور العرض في الدرجة الثالثة وبقدرته على بناء جماهيريته من القاعدة الشعبية نفسها، وهذا لقب يكشف الكثير عن العلاقة بينه وبين الناس، فهو لم يكن نجم الصالونات.. كان نجم الشارع، والشارع المصري عندما يحب فنانًا يمنحه لقبًا لا تستطيع أي لجنة أن تمنحه.

فريد شوقي المنتج والكاتب أيضًا.. لو كان فريد شوقي قد اكتفى بالتمثيل لكان اسمه كافيًا لصناعة مجد طويل، لكنه لم يكتف.. كتب قصصًا وسيناريوهات.. ودخل مجال الإنتاج، وقدم نفسه باعتباره فنانًا قادرًا على المشاركة في صناعة العمل من أكثر من موقع.

وهذه النقطة مهمة جدًا في فهم شخصيته.. كان يريد أن يكون صاحب قرار.. لم يكن يريد أن يظل مجرد ممثل ينتظر من يكتب له الدور.. كان يريد أن يبحث عن الموضوع ويصنع الشخصية ويدافع عن الفكرة، وهذا يفسر لماذا ظل قادرًا على تجديد نفسه طوال هذه السنوات.

من وحش الشاشة إلى الأب والجد، ثم جاءت واحدة من أجمل مراحل تجربته.. مرحلة التحول إلى أدوار الأب والعم والرجل الكبير.. في منتصف السبعينيات بدأ يقدم أدوارًا مختلفة تمامًا عن صورة (وحش الشاشة) القديمة فظهر في أدوار الأب والعم الطيب والشخصيات الإنسانية الناضجة.

وهنا أثبت فريد شوقي أن الفنان الحقيقي لا يخاف من الزمن.. بعض النجوم يموتون فنيًا عندما يتغير شكلهم أو عمرهم، أما (فريد شوقي) فكان يعرف أن التقدم في العمر يمكن أن يكون فرصة جديدة.. لم يعد مطلوبًا منه أن يرفع يده ليضرب.. أصبح يكفي أن يرفع عينيه ليجعل المشاهد يشعر، وهذه مرحلة لا يصل إليها إلا الفنان الكبير.

السقا مات وجه آخر للملك

ومن الأعمال التي كشفت عمق قدرته التمثيلية (السقا مات).. هنا لا نجد البطل التقليدي، ولا الرجل الذي يدخل في معركة وينتصر.. بل نجد الإنسان أمام الموت والحزن والخوف والأسئلة الكبرى، وقد صنفت الهيئة العامة للاستعلامات (طريد الفردوس، والسقا مات) ضمن أفلامه التي تمثل السينما الفلسفية

وهذه الأعمال تؤكد أن (فريد شوقي) لم يكن أسير نوع واحد من الأدوار.

كان يستطيع أن ينتقل من الأكشن إلى الدراما ومن الشر إلى الخير ومن الرجل القوي إلى الإنسان المكسور دون أن يفقد هويته.. رجل استطاع أن يهزم الصورة التي صنعته.. هذه ربما أعظم بطولة لفريد شوقي.. أن ينتصر على (فريد شوقي) نفسه، فالشهرة أحيانًا تكون سجنً، والجمهور قد يحب منك شخصية معينة إلى درجة أنه لا يريد أن يراك خارجها.

لكن فريد شوقي كان أكثر ذكاء من ذلك.. رفض أن يبقى أسير أدوار الشر والحركة وقرر أن يعيد تقديم نفسه للجمهور فصار في مراحل لاحقة أبًا وعمًا ورجلًا حكيمًا ومواطنًا بسيطًا وإنسانًا يواجه الحياة، وهكذا لم يترك الزمن يطرده من الشاشة.. بل جعله شريكًا في إعادة اكتشافه.

لم يكن (فريد شوقي) بعيدًا عن القضايا العامة، بل كان مؤمنًا بدور الفن في المجتمع،

ومن الوقائع اللافتة في سيرته أنه حضر إحدى جلسات مجلس الشعب ودافع عن الفن عندما تعرض للهجوم من أحد الأعضاء، وقدم مرافعة عكست إيمانه بأن الفن ليس ترفًا وإنما قوة من قوى المجتمع، وهذه اللحظة تلخص شخصيته.

الرجل الذي قضى عمره في صناعة الأفلام لم يكن ينظر إلى مهنته باعتبارها مجرد وسيلة للشهرة.. كان يدافع عنها باعتبارها جزءًا من وجدان الناس.. جوائز كثيرة لكن الجائزة الأكبر كانت في الشارع.

حصل (فريد شوقي) على العديد من الجوائز والتكريمات من بينها جائزة الدولة عن قصة (جعلوني مجرمًا) عام 1955، وجائزة الإنتاج في مهرجان برلين عن (الفتوة) عام 1956، وجائزة الدولة للإنتاج عام 1962، ووسام العلم عام 1964، كما كرمه مهرجان القاهرة السينمائي عام 1994

لكن مهما بلغ عدد الجوائز.. تبقى هناك جائزة لا تمنحها لجنة ولا يصدر بها قرار.. جائزة الناس، وقد حصل عليها فريد شوقي بامتياز

(فريد شوقي).. ملك الترسو الذي انتصر للغلابة وهزم الزمن!

(فريد شوقي).. ملك الترسو الذي انتصر للغلابة وهزم الزمن!
شارك في أعمال لبنانية وسورية وتركية، كما خاض تجارب مختلفة خارج القالب المصري المعتاد

فريد شوقي خارج مصر

لم تتوقف موهبته عند حدود السينما المصرية.. فقد شارك في أعمال لبنانية وسورية وتركية، كما خاض تجارب مختلفة خارج القالب المصري المعتاد، وهذا يؤكد أن حضوره لم يكن مرتبطًا فقط باللهجة أو بالشكل المصري.. بل كان يمتلك قدرة على التواصل مع الجمهور العربي.

أبو البنات الجانب الآخر من الملك.. وراء (وحش الشاشة) كان هناك أب عرفته أسرته بعيدًا عن الكاميرات.. لقب أيضًا بـ (أبو البنات) إذ أنجب خمس بنات من زيجاته المختلفة، وكان من بين بناته الفنانة (رانيا فريد شوقي) والمنتجة الراحلة (ناهد فريد شوقي).

وهنا تظهر المفارقة الجميلة.. الرجل الذي كان يخيف أشرار الشاشة.. كان في حياته الخاصة أبًا لعالم من البنات، والإنسان الذي صنع صورة الرجل الصلب على الشاشة كان يعيش في بيته عالمًا أكثر حميمية ورقة.

امتدت مسيرة (فريد شوقي) الفنية لأكثر من نصف قرن، وقدم خلالها عددًا ضخمًا من الأعمال السينمائية إلى جانب المسرح والتليفزيون والإذاعة، وتختلف المصادر في العدد الدقيق لأفلامه بين نحو 320 و350 بل تورد بعض قواعد البيانات أرقامًا أعلى تبعًا لطريقة احتساب المشاركات والأعمال المختلفة، لكن الرقم في حد ذاته ليس هو الأهم.. الأهم أنه استطاع أن يعيش أكثر من مرحلة فنية، وأن يتغير دون أن يفقد جماهيريته، وهذه موهبة نادرة

في 27 يوليو 1998 رحل (فريد شوقي) في القاهرة عن عمر يقترب من الثامنة والسبعين.. رحل الرجل الذي عاش أكثر من خمسين عامًا في الفن، لكن المفارقة أن موته لم يكن نهاية حضوره.. فبعد رحيله ظلت أفلامه تعاد، وظلت شخصياته تعيش، وظل صوته وحضوره وملامحه جزءًا من ذاكرة السينما المصرية.

وهنا ندرك أن بعض الفنانين لا تنتهي حياتهم عندما يموتون.. بل تبدأ مرحلة أخرى من حياتهم.. مرحلة الذاكرة، لكن لماذا بقي فريد شوقي؟.. بقي لأنه لم يكن نجمًا فوق الناس.. كان نجمًا بينهم.. بقي لأنه عرف الفقر والخوف والظلم والطبقية والعمل والكفاح.. بقي لأنه لم يحتقر الجمهور الذي صنع نجوميته.. بقي لأنه لم يتعامل مع السينما باعتبارها مجرد صورة جميلة.. كان يريد أن يقول شيئًا.

وحتى عندما كان يقدم فيلمًا للمتعة كان يعرف أن خلف المتعة إنسانًا يريد أن يرى نفسه على الشاشة، ولهذا لم يكن (ملك الترسو) مجرد لقب.. كان وصفًا لعلاقة حقيقية بين الفنان وجمهوره

(فريد شوقي).. ملك الترسو الذي انتصر للغلابة وهزم الزمن!

(فريد شوقي).. ملك الترسو الذي انتصر للغلابة وهزم الزمن!
كان ملكًا لأن الجمهور منحه عرشًا لا يسقط بتغير الموضة ولا بتغير الأجيال

الملك الذي لم يحتج إلى تاج

فريد شوقي لم يكن ملكًا لأن أحدًا وضع تاجًا على رأسه.. كان ملكًا لأن الجمهور منحه عرشًا لا يسقط بتغير الموضة ولا بتغير الأجيال.. بدأ من أدوار صغيرة، ثم أصبح وحش الشاشة، ثم أصبح ملك الترسو، ثم أصبح الأب والعم والرجل الحكيم.. ثم تحول إلى واحد من أهم رموز السينما المصرية، والأجمل أنه لم يسمح للنجاح أن يجعله ينسى بدايته.

ظل قريبًا من الشارع، ومن البسطاء، ومن حكايات الناس، وكان يعرف أن الفنان الذي يفقد صلته بالناس يفقد أهم ما يملكه.. ربما مات فريد شوقي منذ سنوات طويلة، لكن (الملك) لم يخرج من عرشه، لأن عرش الفنان الحقيقي ليس كرسيًا ولا استوديو ولا شباك تذاكر.. عرشه هو ذاكرة الناس.. وفريد شوقي ما زال جالسًا هناك.. يطل علينا من شاشة قديمة بوجهه الصارم مرة،

وبابتسامته مرة، وبصوته الذي يحمل شيئًا من الحارة المصرية كلها.. وكأنه يقول لنا إن الفن الحقيقي لا يعيش بالضجيج.. وإن النجم الحقيقي ليس من يلمع في زمنه فقط.. بل من يستطيع أن يجعل أجيالًا لم تعشه تشعر أنها تعرفه، وهذا بالضبط ما فعله (فريد شوقي).

👀 Views:

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.