
بقلم المخرج المسرحي الكبير: عصام السيد
لست من مشجعى كرة القدم، ولا أفهم كثيرًا فى قواعدها وقوانينها، ولم أتحمس لها طوال حياتى ، وكان يدهشنى أن أرى الناس ينقسمون إلى عشاق لهذا النادى أو ذاك، ويتحول هذا العشق الى عراك وسباب وقطيعة بسبب (الهزيمة)، على عكس ما تسعى الرياضة لنشره في المجتمعات، لذا ظللت دائما أقف بعيدًا عن كل هذا الصخب، بل – بصراحة – أتعالى عليه.
ولكنى لم أستطع ألا أتابع مباريات مصر فى بطولة كأس العالم، لا لأن الكرة أصبحت فجأة هوايتى، بل لأننى أنتمى إلى هذه الأرض الطيبة المثابرة المكافحة، وأحب كل فرد فيها يبذل من الجهد و العرق ما يستطيع من أجل أن يرفع اسمها عاليا.
وعلى رأس هؤلاء المكافحين شاب اسمه (محمد صلاح)، خرج من قرية مصرية بسيطة ليكتب اسمه بين كبار لاعبى العالم، لا بمال ولا بسلطان، وإنما بالعرق والإيمان والعمل مسجلا قصة كفاح نادرة ولو بعد (الهزيمة).
ومن المؤكد أن بقية لاعبى المنتخب لا يقلون عنه كفاحا، فمعظم هؤلاء اللاعبين لهم أصول ريفيه أو من مدن صغيرة، ولهذا أكره تسميته بمنتخب (الفراعنة) وإنما أعشق تسميته بمنتخب الفلاحين والصعايدة.
كنت أشاهد منتخب (المصراوية) وأنا أعلم أنه لا يملك ما تملكه المنتخبات الكبرى من إمكانات، لكنه قدم مباريات تفوّق فيها على كل التوقعات، فلم يكن مرشحًا للوصول إلى ما وصل إليه، وأثبت أن الإرادة قد تُضيّق الفوارق الفنية.
وأن الانتماء قد يصنع ما تعجز عنه الحسابات، فهناك أشياء أخرى لا تُشترى بالمال؛ إنها الروح والإصرار، و المحبة لكل مصري و كأن اسعادهم للمصريين و لو بالفوز في الكرة اصبح مهمة قومية.


صفحة من صفحات الكبرياء
ولذا شعرت خلال المباراة الأخيرة أن منتخب مصر لا يلعب مباراة كرة قدم، بل كان يكتب صفحة جديدة من صفحات الكبرياء.. منتخب يتقدم، ويقاتل، ويؤمن بأنه قادر على صنع المستحيل، ويقدم أداءً يبعث على الفخر قبل أن يبعث على الأمل وكأن اللاعبين يكتبون فصلًا جديدًا من الحلم المصرى، ليجعلوا العالم يعيد النظر فى كل توقعاته برغم (الهزيمة).
سبعون دقيقة كاملة، بدا خلالها المنتخب المصرى أكثر تنظيمًا وإصرارًا، سيطر فيها على المباراة وأصاب شباك الخصم بهدفين وسجل هدفًا ثالثًا لم يكتب له الاحتساب، ثم فجأة جاءت النهاية التى يعرفها الجميع: فى دقائق معدودة انتفض المنتخب الأرجنتينى وأحرز ثلاثة أهداف متتالية، لتتحول نشوة الاقتراب من المجد إلى مرارة (الهزيمة) والخروج.
وبدأت، كالعادة، رحلة البحث عن تفسير لـ (الهزيمة)، قال فريق إن السبب يعود إلى الإرهاق البدنى، وإن اللاعبين لم يحتفظوا بتركيزهم حتى صافرة النهاية، ورأى آخرون أن التحكيم ارتكب أخطاء مؤثرة، منها عدم احتساب ركلة جزاء كانت مستحقة لمحمد صلاح، و تساهل مع بعض الالتحامات العنيفة، وألغى هدفا لمصر، و لم يراجع (الفار) في هدف الارجنتين المشكوك في صحته!!
ونسبوا تلك الأخطاء التحكيمية والانحياز الواضح إلى ما سبق المباراة من مواقف وتصريحات ذات صلة بالقضية الفلسطينية، ومنها رفع علم فلسطين وما قاله المدرب حسام حسن من تصريحات.. مما تسبب في تحيز الحكم وخروج مصر، و القلة لامت المدرب على هذا!
وعلى الرغم من أننى لست من أنصار هذا التفسير، إلا أننى أقول لمن لاموا على العميد تصرفاته وتصريحاته: إذا كان المنتخب المصرى قد دفع ثمن موقف إنسانى مؤيد للشعب الفلسطينى، فذلك ليس مدعاة للوم، بل مدعاة للفخر.
ففلسطين ليست شعارًا سياسيًا، وإنما قضية شعب يعيش واحدة من أكبر المآسى الإنسانية فى عصرنا، وثّقتها هيئات ومنظمات دولية، واعتبرتها جرائم إبادة عرقية تنتهك القانون الدولى، ومن ثم فإن الوقوف مع الضحايا، والدعوة إلى العدالة والرحمة، ليس موقفًا سياسيا ، بل موقف إنساني.
ولو أن منتخب مصر، أو أى فرد فيه، دفع ثمن هذا الموقف، فذلك ثمن يشرفه ولا يدينه، بل إن التاريخ يعلمنا أن المواقف النبيلة كثيرًا ما دفعت أثمانًا باهظة فى لحظتها، ثم تحولت بعد سنوات إلى مصدر فخر لأصحابها، بينما سقطت الحسابات الصغيرة فى غبار النسيان.


لسنا نعيش فى عالم بريء
ولكنى أرى أننا لسنا نعيش فى عالم بريء، فالرياضة منذ سنوات طويلة لم تعد معزولة عن المصالح والضغوط والنفوذ، فعالم الرياضة الحديثة لم يعد منفصلًا تمامًا عن السياسة والاقتصاد والإعلام، وأن البطولات الكبرى تحيط بها مصالح هائلة تتجاوز حدود المستطيل الأخضر.
ولا أستطيع أن أتجاهل معلومة أن بقاء المنتخبات الجماهيرية الكبرى يمنح البطولة زخمًا تسويقيًا وإعلاميًا أكبر، ويزيد أرباح المنظمين ونقود المراهنات، وهذا تفسيرى الوحيد لما تم في مباراة مصر والارجنتين، حيث كان السؤال أمام الفيفا: هل نخسر المعلنين والأموال الناجمة عن وجود ميسى في البطولة أم تخسر مصر؟
أيا ما كانت الأسباب، لقد خرج المنتخب المصرى من كأس العالم، لكننى لا أراه مهزومًا، لقد رأيته للمرة الأولى منذ سنوات طويلة يجعل المصريين يشعرون بأنهم قادرون على الوقوف فى وجه الكبار، وأن قيمة الإنسان ليست فيما يملكه من قوة، بل فيما يتمسك به من مبادئ.
وإذا كان الانحياز إلى شعب يُقتل أطفاله، وتُهدم بيوته، ويُحاصر جوعًا وخوفًا، يكلّف صاحبه خسارة مباراة أو بطولة، فلتشهد الملاعب كلها أن هناك هزائم أشرف من كثير من الانتصارات، فالأمم لا تُقاس بعدد الكؤوس التى رفعتها، وإنما بعدد المرات التى اختارت فيها أن تقف إلى جانب الحق، ولو دفعت ثمن ذلك (الهزيمة).
ولذلك فإننى – وأنا الذى لم أعشق كرة القدم يومًا – خرجت من هذه البطولة أكثر يقينًا بأن الأوطان العظيمة لاتُعرَّف بنتائج المباريات، بل تعيش على ما يزرعه أبناؤها فى القلوب من أمل، وعلى ما يتركونه فى النفوس من يقين بأن الكرامة، والعمل، والكفاح، هى الانتصارات التى لا يستطيع حكم أن يلغيها، ولا مباراة أن تمحوها.
وأن الأمم تُعرَّف بأخلاق أبنائها، وأن المنتخب الذى يحمل كرامة وطنه ومبادئ أمته، لا يخسر أبدًا، حتى إذا أعلنت لوحة النتيجة غير ذلك.