رئيس مجلس الادارة : محمد حبوشة
رئيس التحرير : أحمد السماحي

بهاء الدين يوسف يكتب: متى ظهر في مصر كل هؤلاء (السفلة والأوغاد)؟

بهاء الدين يوسف يكتب: متى ظهر في مصر كل هؤلاء (السفلة والأوغاد)؟
مسرحية (ليلى والمجنون) التي أبدعها الشاعر الراحل صلاح عبد الصبور

بقلم الكاتب الصحفي: بهاء الدين يوسف

في مسرحية (ليلى والمجنون) التي أبدعها الشاعر الراحل صلاح عبد الصبور هناك جملة يمكنها أن تشرح ما يحدث في مجتمعنا في السنوات الأخيرة، حيث يتساءل سعيد، بطل المسرحية في أسى (متى ترعرع في وادينا الطيب هذا القدر من (السفلة والأوغاد

فما يحدث في مصر لم يعد يمكن تفسيره بتأثير مواقع التواصل الاجتماعي، ولا بانتشار وازدهار الفقر الممنهج الذي طال طبقات وشرائح متزايدة من المجتمع كانت إلى وقت قريب تصنف ضمن (الطبقة المستورة) كما لا يمكن إيعازه فقط إلى ازدهار ثقافة العنف ممثلة في (محمد رمضان) وما يمثله من تجميل لفكرة البلطجة، وتحويل أخذ الحق بالذراع من خانة الإجرام إلى مربع الجدعنة.

صحيح ان كل ما سبق يتحمل نصيبا من المسؤولية عن انتشار ثقافة الكراهية في المجتمع، وانتشار كل هؤلاء (السفلة والأوغاد) كما قال صلاح عبد الصبور، لكنها وحدها لا تكفي للاجابة على السؤال الأصعب، متى بدأ المصري نفسه يعيد تعريف الآخر باعتباره خصماً؟

اظن ان الاجابة تحتاج من المعنيين في الدولة إطلاق أيدي الباحثين المتخصصين لتشريح هذه الثقافة والبحث عن جذورها، ليس فقط بهدف علاج أعراضها المنتشرة وسط فئات جديدة لم تكن تمارس الكراهية بطبعها في السابق، ولكن لأن الوصول إلى اجابة علمية بات (فريضة) ضرورية لاستشراف ملامح المستقبل.

صحيح أن مصر لم تكن يوماً مجتمعاً بلا صراعات أو تمييز أو تعصب، فقد كان الفساد موجوداً، والواسطة كذلك، بل الأهم أن نفسها البلطجة كانت موجودة ومقننة من خلال الفتوات الذين كتب عنهم نجيب محفوظ في بعض أعماله، وخصص لقصصهم روايته الشهيرة (الحرافيش).

بهاء الدين يوسف يكتب: متى ظهر في مصر كل هؤلاء (السفلة والأوغاد)؟
لم يكن عصر أنور السادات مجرد انقلاب ناعم على إرث عبد الناصر السياسي والاقتصادي فقط

عصر أنور السادات

بمعنى آخر لم تكن مصر في يوم من الأيام مدينة فاضلة، لكن التحول ظهر عندما بدأ المصري يجد في الحقدوسيلة لتبرير مشاكل حياته، خصوصا بعدما تسبب الانفتاح الاقتصادي في توسيع الفجوة بين المصريين في السبعينات، وما ادراك ما السبعينات.

لم يكن عصر أنور السادات مجرد انقلاب ناعم على إرث عبد الناصر السياسي والاقتصادي فقط، وإنما ثورة أو لنقل فوضى شاملة أعادت توزيع وتعريف المكانة الاجتماعية، ووسعت الهوة بين فئات المجتمع كافة، كما زرعت بذور ما اصبحت تعرف لاحقا بـ (ثقافة كراهية الآخر).

في تلك الفترة بدأ المسلم لا يرى في المسيحي مواطنا مصريا مثله، وإنما هو خصم أو عدو محتمل، وهي نفس نظرة القبطي للمسلم، ووجد كلا منهما مرجعيات تعزز تلك الثقافة وتعتبرها وجها من أوجه تأكيد الإيمان، وانتصارا ضروريا للدين.

كذلك بات الغني لا يرى الفقير إنسانا يحتاج للمساعدة والدعم، وإنما مجرد ورم سرطاني يجب استئصاله، وفي المقابل اكتست نظرة الفقير للغني بمساحة ضخمة من النفور والعداء، انطلاقا من فكرة تمت تغذيتها إعلاميا بأن اغنياء ذلك العصر هم مصاصو دماء الشعب.

بهاء الدين يوسف يكتب: متى ظهر في مصر كل هؤلاء (السفلة والأوغاد)؟
(أهل القمة) التي تحولت الى فيلم بديع

أهل القمة

وكما جسد نجيب محفوظ بعضا من هذا التحول المرعب في قصته القصيرة (أهل القمة) التي تحولت الى فيلم بديع لاحقا، تكشف الدراسات الاجتماعية المتخصصة أن اتساع الفجوة بين أبناء الطبقة نفسها خلق (الزريعة) التي نبتت منها (كراهية الآخر)، وهى الحقد الطبقي أو حالة السخط وعدم الرضا عن هذا الحراك الاجتماعي غير المتناسق وغير العادل.

المفارقة أن الحقد لم يقتصر فقط على كونه بين الطبقات المختلفة وإنما انتشر داخل الطبقة نفسها، حيث بدأ الناس يقارنون أحوالهم بجيرانهم وأصدقائهم وزملائهم، فهذا اشترى سيارة، وذلك يقبض بالدولار، ومع تعاظم الفوارق الاجتماعية، ازدادت مساحة الكراهية، واكتفت الدولة بدور المتفرج.

فقد أصبح الآخر بالنسبة للبعض ليس هو الجار أو الصديق او القريب، وإنما هو الشخص الذي سبقني، أو الذي يملك أكثر مني، أو حصل على فرصة لم أحصل عليها، وهنا بدأ المصري يرى أن المصري الآخر يعيش في عالم مختلف عنه.

وبين عشية وضحاها وجد المصري في تجريم الآخر وسيلة للتعايش، أنا متدين لأنك غير متدين، أنا وطني لأنك خائن، أنا فقير لأنك سرقت البلد.. أنا غني لأنني ذكي وانت غبي، أنا شريف لأن الآخرين فاسدون، ليصبح المجتمع مجموعة من المحاكم الصغيرة، ينصب فيها كل فرد نفسه قاض لمحاكمة الآخرين.

ربما لا يجب أن نعيد طرح نفس سؤال صلاح عبد الصبور، متى ترعرع في وادينا الذي كان طيبا هذا القدر من (السفلة والأوغاد)؟، وإنما علينا أن نسأل، متى أصبح هؤلاء يملكون القدرة على إقناع أجيال عديدة من المصريين بأن القسوة جدعنة، والعدوان قوة، والاختلاف خيانة، والآخر عدواً؟!

👀 Views:

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.