

بقلم الكاتب الصحفي: محمد حبوشة
في 30 يونيو الماضي في تقييم لحال السينما المصرية في كبوتها الحالية، قلت: بمشاهدة سريعة لأفلام (السينما) المصرية التي عرضت في الفترة الأخيرة أو الموجودة حاليا في دور العرض الحالية مثل (برشامة، الكلام على إيه، إذ ما، الكراش، أسد، سفاح التجمع، القصص، 7 Dogs)، وغيرها سنجد أن (السينما) تمر بكبوة كبيرة، على جناح (الخفة)، جراء عوامل متعددة تتعلق بنوعية الأفلام والمنتجين والجمهور أيضا.
والآن تأكد لي بالدليل القاطع، أن المشكلة تزداد تفاقما يوما تلو الآخر، فلم تعد المشكلة في السينما الكوميدية المصرية الحالية أن الجمهور لا يريد أن يضحك، وإنما في أن بعض صناعها أصبحوا يتعاملون مع الضحك باعتباره هدفًا قائمًا بذاته،وهذا نوع من (الخفة) لا نتيجة طبيعية لفكرة جيدة وشخصيات مكتملة ومواقف مكتوبة بذكاء درامي.
وهنا تأتي تجربة ثلاثة أفلام عُرضت مؤخرا، هى (خلي بالك من نفسك، الجواهرجي، شمشون ودليلة) لتطرح سؤالًا أكثر إزعاجًا من مجرد: هل ضحكنا أم لا؟
وهو مايطرح السؤال الحقيقي: ماذا بقي من الفيلم بعد انتهاء الضحك؟: فالأفلام الثلاثة تمتلك أسماء جماهيرية كبيرة، وإمكانات إنتاجية واضحة، وأفكارًا كان يمكن أن تتحول إلى تجارب أكثر عمقًا وإمتاعًا، لكنها في لحظات كثيرة تقع في فخ الاستسهال و(الخفة)، فتتحول الفكرة إلى مجرد ذريعة لسلسلة من المواقف، وتصبح الشخصيات أدوات لتحريك الحدث، بينما تتراجع السينما نفسها إلى الخلف كثيرا.
واللافت أن (خلي بالك من نفسك) يجمع أحمد السقا وياسمين عبدالعزيز في تجربة كوميدية، و(الجواهرجي) يعيد لقاء محمد هنيدي ومنى زكي بعد سنوات طويلة، بينما يقدم (شمشون ودليلة) ثنائي أحمد العوضي ومي عمر في خلطة أكشن وكوميديا وتشوي تعتمد على (الخفة) في جلها.


الفكرة أكبر من المعالجة
أي أن المشكلة لم تكن في النجوم، وإنما في المادة التي وُضع هؤلاء النجوم داخلها.. خلي بالك من نفسك)، الفكرة أكبر من المعالجة، من حيث الفكرة، كان يمكن للفيلم أن يذهب إلى مناطق شديدة الطرافة والخطورة في الوقت نفسه، بدلا من اللجوء إلى كل (الخفة) والاستسهال.
لدينا مذيع إذاعي يخشى الارتباط، يعيش سلسلة من العلاقات التي تنتهي لأسباب تافهة، ثم يقع في حب فتاة تبدو مثالية قبل أن يكتشف أنها من كبار تجار السلاح، فتجبره الظروف على الزواج منها، ويدخل عالمًا من المفارقات والمخاطر.
هذه الفكرة وحدها تفتح أبوابًا للكوميديا السوداء، والسخرية من الخوف من الزواج، ومن العلاقات العاطفية، ومن الصورة المثالية التي نصنعها للآخر قبل اكتشاف حقيقته المرة.
لكن المشكلة أن الفيلم، في كثير من مراحله، يتعامل مع هذه الإمكانات باعتبارها مخزونًا جاهزًا للإفيهات والمطاردات، بدلًا من تحويلها إلى بناء درامي متماسك، وكان يمكن للشخصية التي يؤديها أحمد السقا أن تمر بتحول حقيقي: رجل يهرب من الالتزام، فيجد نفسه متزوجًا من امرأة تمثل أخطر شيء كان يخشاه؛ امرأة لا يستطيع فهمها ولا يستطيع الانفصال عنها بسهولة كما شاهدنا رأينا!
لكن عندما تصبح المفارقة مجرد وسيلة للانتقال من موقف إلى آخر، يفقد الفيلم أهم ما كان يمكن أن يميزه، والأمر نفسه ينطبق على ياسمين عبدالعزيز، التي تمتلك حضورًا كوميديًا خاصًا، لكن النجمة مهما كانت موهبتها لا تستطيع وحدها أن تصنع فيلمًا متماسكًا من حيث الفكرة والإخراج والأداء المبهر.
النجم يستطيع إنقاذ مشهد، لكنه لا يستطيع إنقاذ سيناريو بأكمله، ربما يكون (الجواهرجي) أكثر الأفلام الثلاثة إثارة للحسرة؛ لأن المشروع كان يحمل في داخله وعدًا جماهيريًا ضخمًا كما توقعنا.
محمد هنيدي ومنى زكي يلتقيان مجددًا بعد نحو 28 عامًا من (صعيدي في الجامعة الأمريكية)، والعمل من تأليف عمر طاهر، وإخراج إسلام خيري، ويضم مجموعة كبيرة من النجوم المشهود لهم بالخبرة والكفاءة.
وفوق ذلك، فإن الفكرة نفسها قابلة لصناعة كوميديا اجتماعية ممتعة ليست بكل هذا القدر من (الخفة): زوجان مرّا بتجارب طلاق سابقة، ويحاولان إنقاذ علاقتهما بمساعدة استشاري للعلاقات الزوجية.. أي أن لدينا أزمة حقيقية يمكن أن تنشأ منها الكوميديا التي تفجر الضحك من القلب.


الكوميديا مجموعة إفيهات منفصلة
لكن الفيلم في رأيي يظل أسير السؤال الأهم: أين الكوميديا؟.. المشكلة ليست أن كل مشهد يجب أن يجعل الجمهور ينفجر ضحكًا، وإنما أن الفيلم الكوميدي يحتاج إلى إيقاع خاص، وإلى تراكم للمفارقات، وإلى شخصيات تتطور أمامنا داخل الكادر.
أما عندما تصبح الكوميديا مجموعة إفيهات منفصلة، أو مشاهد مصممة كي يقول أحدهم جملة مضحكة ثم ننتقل إلى المشهد التالي، فإن الضحك يتحول إلى وظيفة صناعية، والأخطر أن الفيلم يبتعد تدريجيًا عن فكرته الأساسية التي تبعد عن الكوميديا الحقيقية.
فبدل أن يستثمر في العلاقة الزوجية، وفي أسباب الانهيار المتكرر لها، وفي محاولة الزوجين فهم بعضهما، يدخل خط السرقة في مرحلة متأخرة، فيبدو وكأنه محاولة لإضافة حركة إلى حكاية بدأت تفقد طاقتها، وهنا تظهر أزمة السيناريو بوضوح: عندما لا تستطيع الفكرة الأصلية أن تحمل الفيلم حتى النهاية، تتم إضافة فكرة أخرى لإنقاذها، لكن الإضافة لا تنقذ العمل؛ لأنها لا تنتمي بالضرورة إلى نسيجه الأول.
أكثر ما يؤلم في (الجواهرجي) أن الجمهور دخل الفيلم وفي ذاكرته صورة ثنائي هنيدي ومنى زكي في (صعيدي في الجامعة الأمريكية)، لكن استدعاء الكيمياء القديمة لا يكفي لصناعة كيمياء جديدة، فالفنانون تغيروا، والزمن تغير، والجمهور نفسه تغير، لكنهم على مايبدو لا يدركون تلك الحقيقة.
ولذلك كان المطلوب ألا يحاول الفيلم استنساخ حالة قديمة، وإنما أن يقدم علاقة جديدة بين نجمين نضجا فنيًا.. محمد هنيدي لم يعد مجرد الشاب الذي يدخل عالم الكوميديا من باب الإفيه، ومنى زكي أصبحت ممثلة قادرة على تقديم مساحات نفسية شديدة التعقيد، كما هو حالها في الدراما التلفزيونية.
كان يمكن أن يكون (الجواهرجي) فرصة لاكتشاف منطقة جديدة بينهما، لكن الفيلم، بدلًا من أن يستثمر في نضج الاثنين، يعيدهما إلى منطقة كوميدية أكثر بساطة مما ينبغي لتحقيق آمالنا في كوميديا ناضجة.
أما (شمشون ودليلة) فهو يدخل لعبة (الخفة) من باب مختلف، الفيلم يقدم دليلة، التي تعتمد على ذكائها وجاذبيتها في سرقة الأثرياء، وشمشون، اللص التائب الذي يعود إلى عالم الجريمة لإنقاذ شقيقته، ثم يتحد الاثنان لتنفيذ عملية سرقة ماسة ثمينة في صرع غريب ومريب!

الأكشن لا يصبح سينما بوجود المطاردات
وهنا أيضًا تبدو الفكرة قابلة لصناعة فيلم ترفيهي جيد، لكن الأكشن لا يصبح سينما لمجرد وجود المطاردات والاشتباكات والسرقات.. الأكشن الحقيقي يحتاج إلى رهان درامي.. نحن لا نريد فقط أن نعرف هل سينجح البطل في السرقة، بل نريد أن نهتم به، وأن نفهم لماذا يخاطر، وماذا يخسر إذا فشل، وكيف تغيره الرحلة.
أما إذا أصبحت المطاردة هى الهدف، والمواجهة هى الحل، والحب هو النتيجة الطبيعية التي تنتظرها نهاية الفيلم، فإننا نعود مرة أخرى إلى المشكلة نفسها: السينما تتحول إلى قالب جاهز معجون بالخفة المتعمدة.
والفيلم، الذي أخرجه رؤوف السيد وشارك في كتابته محمود حمدان وأمجد الشرقاوي وشادي محسن، يضم مجموعة كبيرة من النجوم، بينهم خالد الصاوي ومحمد ثروت وأحمد الرافعي وعصام السقا، وهو ما يؤكد حجم الإمكانات المتاحة أمام التجربة، لكن كثرة العناصر ليست بالضرورة قوة.. أحيانًا تكون كثرة الشخصيات والأحداث دليلًا على محاولة الفيلم تغطية فراغ درامي بدلًا من مواجهته.
ورغم اختلاف الأفلام الثلاثة، فإن بينها قاسمًا مشتركًا: الاستسهال و(الخفة).. ففي (خلي بالك من نفسك) لدينا فكرة كان يمكن أن تصبح كوميديا سوداء عن الزواج والخوف والسلطة والخداع، وفي (الجواهرجي) لدينا علاقة زوجية كان يمكن أن تتحول إلى كوميديا اجتماعية ذكية عن الطلاق والتفاهم واستحالة العيش المشترك بينهما.
وفي (شمشون ودليلة) لدينا عالم السرقة والخيانة والمطاردة والحب، وكان يمكن أن يصنع فيلم مغامرات مصريًا له شخصيته، لكن الأفلام الثلاثة، بدرجات متفاوتة، تميل إلى الطريق الأسهل، ناهيك عن (الخفة) المتعمدة مع سبق الإصرار والترصد.
السينما العظيمة تبدأ من الإنسان.. حتى أفلام الأكشن تحتاج إلى إنسان، وأفلام الكوميديا تحتاج إلى إنسان، بل إن أعظم الكوميديا في التاريخ كانت تنبع من شخصيات لها عيوبها ومخاوفها ورغباتها، لكن عندما يصبح البطل مجرد وظيفة درامية، تختفي الشخصية الرئيسية وكذلك الشخصيات الفرعية.
وهذا ما يمكن الشعور به في الأفلام الثلاثة.. لا نعيش بما يكفي داخل الشخصيات.. لا نعرفها بقدر ما نعرف المواقف التي تحدث لها.. وهناك فارق كبير بين الاثنين.. أن تقول لي إن البطل يخاف الزواج شيء، وأن تجعلني أشعر بهذا الخوف وأفهم مصدره شيء آخر مختلف تماما عن هذا العبث.
السيناريو الجيد لا يخبرني بما يحدث للشخصية فقط.. بل يجعلني أشعر بما يحدث داخلها، لكن لماذا نلوم السيناريو أكثر من النجوم؟: لأن النجوم الثلاثة، في النهاية، يمتلكون أدواتهم وخبرة طويلة في الأداء الجيد.

النجومية ليست بديلًا عن الكتابة!
السقا لديه حضوره وخبرته في الأكشن والكوميديا، وياسمين عبدالعزيز لديها توقيتها الكوميدي، وهنيدي واحد من أهم نجوم الكوميديا في تاريخ السينما المصرية، ومنى زكي ممثلة قادرة على الانتقال بين مناطق شديدة التنوع، بينما يمتلك أحمد العوضي ومي عمر حضورًا جماهيريًا واضحًا، لم نراه على حقيقته.
لكن النجم يحتاج إلى مادة تضعه أمام تحدٍ حقيقي.. لا يكفي أن نضع أحمد السقا داخل مطاردة، ولا يكفي أن نضع ياسمين عبدالعزيز أمام موقف مضحك، ولا يكفي أن يجلس هنيدي ومنى زكي في مشهد واحد كي تعود روح (صعيدي في الجامعة الأمريكية)، ولا يكفي أن يجتمع العوضي ومي عمر في عملية سرقة كي يصبح لدينا فيلم أكشن ناضح على كافة المستويات.
المشكلة الأكبر أن السينما المصرية الحالية أصبحت في بعض تجاربها تتعامل مع الجمهور وكأنه يريد أقل قدر ممكن من التفكير، وهذا ظلم للجمهور.. الجمهور المصري يحب الضحك، لكنه ليس ساذجًا.. يحب الأكشن، لكنه يستطيع اكتشاف الأكشن المصطنع، ويحب النجوم، لكنه يعرف متى يكون النجم محمولًا على سيناريو قوي، ومتى يكون السيناريو هو الذي يحتمي بالنجم صاحب الخبرة الكبيرة.
لقد أثبت تاريخ السينما المصرية أن الكوميديا يمكن أن تكون عميقة، وأن الأكشن يمكن أن يحمل موقفًا إنسانيًا، وأن الفيلم الجماهيري ليس بالضرورة فيلمًا سطحيًا.. المشكلة إذن ليست في الجماهيرية.. المشكلة في الاعتقاد أن الجماهيرية تعني الاستسهال والبعد عن موطن الشجن.
الخلاصة: أين الفيلم الذي يستحق النجوم؟.. ثلاثة أفلام، ثلاثة أنواع مختلفة، وأسماء كبيرة أمام الكاميرا وخلفها، لكن النتيجة تضعنا أمام سؤال واحد: هل أصبحنا نصنع أفلامًا للنجوم أم نجومًا لأفلام؟
في (خلي بالك من نفسك) ضاعت إمكانية تحويل الفكرة إلى كوميديا سوداء أكثر ذكاءً، وفي (الجواهرجي) لم تستطع علاقة زوجية غنية بالتفاصيل أن تتحول إلى كوميديا اجتماعية بالقوة المطلوبة من أجل تخفيف معاناة الناس في ظل ظروف اقتصادية ضاغطة.

مغامرة لها روح وهوية
وفي (شمشون ودليلة) لم يكن الأكشن وحده كافيًا لصناعة مغامرة لها روح وهوية، وهنا لا تكون القسوة في الحكم على فيلم بعينه، وإنما في الدفاع عن حق السينما المصرية في أفلام أفضل تغذي خيال جمهور يتطلع للأفضل دائما.
فالجمهور الذي يدفع ثمن التذكرة يستحق أكثر من مجموعة إفيهات ومطاردات ونجوم وضيوف شرف.. يستحق حكاية، ويستحق شخصيات، ويستحق ضحكة نابعة من موقف حقيقي، لا من محاولة إجبار المشاهد على الضحك.. ويستحق فيلمًا يظل معه بعد خروج النور من قاعة السينما، ويكتب في سجل السينما الحقيقية، لا مجرد فيلم ويمضي.. والغريب أنهم يتشدقون بتصدر شباك التذاكر وتحقيق الجماهيرية العريضة!
فالسينما ليست أن تملأ ساعتين من وقت الجمهور.. السينما أن تترك ساعتين من الفيلم داخل ذاكرته.. وإذا كانت هذه الأفلام الثلاثة قد كشفت شيئًا، فهو أن أزمة السينما المصرية اليوم ليست نقص النجوم، ولا نقص الأموال، ولا حتى نقص الأفكار.
الأزمة في أن بعض الأفكار الجيدة تُسلَّم إلى كتابة لا تمنحها حقها.. ثم يُطلب من النجوم أن يصنعوا المعجزة، والنجوم، مهما كانوا كبارًا، لا يستطيعون دائمًا إنقاذ فيلم لم يُكتب من البداية لكي يعيش.