رئيس مجلس الادارة : محمد حبوشة
رئيس التحرير : أحمد السماحي

إبراهيم أبو ذكري يكتب حكايتي مع الإعلام وصناع الاعلام (45).. (صلاح عبد المقصود)

إبراهيم أبو ذكري يكتب حكايتي مع الإعلام وصناع الاعلام (45).. (صلاح عبد المقصود)
جاء الجواب بتعيين الصحفي (صلاح عبد المقصود) وزيرًا للإعلام

* كيف تاه (وزير المقال) صلاح عبد المقصود في دهاليز ماسبيرو

* بين مِقصلة الموروث ونوايا التغيير: كيف ابتلعت (ثقافة ماسبيرو) وزير الثورة؟

بقلم الدكتور: إبراهيم أبو ذكري*

لم يكن مشهد مصر في صيف عام 2012 مجرد مشهد سياسي عابر، بل كان زلزالًا تاريخيًا تتداخل فيه الرؤى وتتصادم الإرادات، حين اعتلى الدكتور محمد مرسي سدة الحكم، خُيل للكثيرين أن صندوق الانتخابات قد حسم الحكاية، وأن الرايات البيضاء التي رُفعت إنما تُبشر بفجر ديمقراطي وليد، على أثر تعين (صلاح عبد المقصود) وزيرا للإعلام.

لكن الكواليس التاريخية كانت تروي فصولًا أخرى؛ فخلف الستار، كانت توازنات القوى ومجالس القرار تدرك أعماق المشهد وتفاصيله المعقدة، حيث دارت إدارة البلاد بموازين شديدة الحساسية، تتقاذفها مراكز القوى التقليدية والوافدون الجدد إلى سدة الحكم.

في قلب هذا المخاض العسير، وفي بلدٍ يُصنع وعيه داخل أروقة الإعلام، اتجهت الأنظار صوب مبنى (ماسبيرو) العتيق، كان التساؤل الحارق: هل تستطيع ثورة يناير أن تطهر شاشات التلفزيون من (ثقافة التوجيه) التي ورثتها الدولة منذ عقود، وتحديدًا منذ محطات مفصلية كمهرجان التلفزيون عام 1993، الذي رسّخ مفهوم الإعلام التابع للبيروقراطية والمجافي للمجتمع المدني؟

وجاء الجواب بتعيين الصحفي (صلاح عبد المقصود) وزيرًا للإعلام.

لم تكن أزمة الإعلام المصري يومًا أزمة كفاءات، بل كانت أزمة (ثقافة مؤسسية) متوارثة، منذ تسعينيات القرن الماضي، وتحديدًا مع انطلاق مهرجانات الإذاعة والتلفزيون، تكرست في وعي القيادات المتعاقبة نظرة ارتياب تجاه أي كيان إعلامي مستقل أو عربي يحاول التغريد خارج السرب الحكومي.

وهنا تبرز قصة (الاتحاد العام للمنتجين العرب)، هذا الاتحاد الذي كان – ولا يزال – يمثل نبض المجتمع المدني الإعلامي، ويسعى لتقديم أفكار تفاعلية تسبق الروتين الحكومي بخطوة.. كانت خطوة الاتحاد دائمًا في صالح الدولة المصرية، مستلهمة من دور مصر التاريخي كقائد للقوة الناعمة العربية، إلا أن الوزراء السابِقين تعاملوا معه بمنطق (العداء التنافسي) والخشية من المبادرة الحرة.

إبراهيم أبو ذكري يكتب حكايتي مع الإعلام وصناع الاعلام (45).. (صلاح عبد المقصود)
ثقافة ماسبيرو) أقوى من الأشخاص. إنها ثقافة (ورث مهرجان 1993) ثقافة الحذر من الآخر

رهان على التغيير.. ولكن!

مع قدوم (صلاح عبد المقصود) وزيرا يمثل خلفية وثقافة جديدة، استبشر الوسط الإعلامي والمجتمع المدني خيرًا.. قيل يومها: (عسى أن يكون هذا الرجل مختلفًا عن سابقيه)، وبالفعل، بدأ الرجل عهده بمرونة واضحة، وفتح الأبواب، وأبدى استجابة تامة واستسلامًا إيجابيًا للأفكار التنويرية والمشاريع التي طرحها الاتحاد العام للمنتجين العرب.

بدا المشهد لأول وهلة وكأن الإعلام الرسمي سيتصالح أخيرًا مع محيطه العربي ومع مجتمعه المدني.

لقد رحبنا بالرجل، وكان مستعدًا للتعاون إلى أبعد حد، لكن النوايا الطيبة لا تكفي دائمًا لهدم الجدران العتيقة.”

لكن رياح التغيير سرعان ما اصطدمت بصخرة البيروقراطية الراسخة. لم يدرك الوزير الجديد – أو ربما أدرك متأخرًا – أن (ثقافة ماسبيرو) أقوى من الأشخاص. إنها ثقافة (ورث مهرجان 1993) ثقافة الحذر من الآخر، والتقوقع داخل الأنماط التقليدية، والخوف من التفاعل الحر مع المجتمع المدني.

تحت وطأة الضغوط السياسية للمرحلة، والصراعات التي دارت حول (أخونة الإعلام) من جهة، ومقاومة (الدولة العميقة) داخل المبنى من جهة أخرى، تلاشت وعود الانفتاح.

وجد الوزير (صلاح عبد المقصود) نفسه مدفوعًا – طوعًا أو كرهًا – لإعادة إنتاج نفس السياسات القديمة؛ حيث يُقصى المستقلون، ويُوجس خيفة من المبادرات العربية الشابة، ويُعاد حصر الإعلام في زاوية التوجيه السياسي الضيق بدلاً من الفضاء المعرفي الرحب.

إبراهيم أبو ذكري يكتب حكايتي مع الإعلام وصناع الاعلام (45).. (صلاح عبد المقصود)
لم يكن يعلم الذين أتوا بالصحفي (صلاح عبد المقصود) أن بين (كتابة المقال) و(صناعة الإعلام) برزخًا عميقًا

كيف تاه (وزير المقال) في دهاليز ماسبيرو

لم يكن يعلم الذين أتوا بالصحفي (صلاح عبد المقصود) سدّة وزارة الإعلام، أن بين (كتابة المقال) و(صناعة الإعلام) برزخًا عميقًا لا يعبره إلا ذوو المراس والخبرة والأكاديمية والتطبيق.

لقد ظنّ أصحاب القرار الرئاسي وقتها أن من يجيد صياغة الكلمات على الورق، بمقدوره أن يقود الماكينة الإعلامية المعقدة لبلد بحجم مصر، وغاب عنهم أن للإعلام مواصفات خاصة ورجالاً لا تجود الأيام بمثلهم؛ رجالاً من عينة (الدكتور عبد القادر حاتم، وصفوت الشريف)، والذين لطالما ردّد الوسط الإعلامي أنه (لم يأتِ بينهما وزير).

بل إن (صفوت الشريف) نفسه كان يقول صادقًا: أنا آخر وزراء الإعلام؛ ولقد صدق، فلم يأتِ من بعده من يملك كفاءته في صناعة الإعلام وصياغة الريادة المصرية وتصديرها للعالم العربي بأسره.

جاء (صلاح عبد المقصود) بخلفية متواضعة لا تتعدى كتابة المقالات، فكان في شهوره الأولى بمثابة الرجل (المستسلم تمامًا) لمن يملك الخبرة، تواقًا للفهم والتعلم، ومدركًا لقلة حيلته في هذا الفضاء الواسع.

وفي تلك الأثناء، وتحديدًا في شهر رمضان المبارك، كنا نعدّ لاحتفالية كبرى دأبنا عليها سنوات؛ تكريم رموز (إذاعة صوت العرب) في عيدها.

تلك الإذاعة التي لم تكن مجرد موجات صوتية، بل كانت سفيرة الهوية المصرية، والتي صدرت للعالم العربي كله الكوادر الإبداعية والهندسية والفنية التي أسست لأغلب الإذاعات العربية. ولطالما حظيتُ بصداقة رموزها الكبار، من لدن نجمها ومؤسسها أحمد سعيد، وصولًا إلى مهندسي ومعدي ومخرجي تلك الماكينة الإبداعية العظيمة.

وجهتُ الدعوة للوزير الجديد الذي لم يكن قد أمضى في منصبه شهرًا أو شهرين.. أقمنا حفل الإفطار في قاعة فندق (المريديان) بميدان الرماية، بحضور حشد من الصحفيين والإعلاميين ورموز (صوت العرب).

المفارقة أنني لم أكن أعرف شكل الرجل ولا صورته، ولم أقرأ عن تاريخه سطرًا واحدًا!.. دخلت القاعة باحثًا عنه متخيلًا أنه لم يحضر، فإذ به يجلس متواضعًا وسط الكوادر الإذاعية.

تقدمت وسلمت عليه، وعشنا يومًا من أجمل الأيام، وتبادلنا حديثًا مفعمًا بالأمل حول مستقبل العلاقات بين (الاتحاد العام للمنتجين العرب) ووزارة الإعلام الجديدة، معتقدين – كما كان يُشاع – أن عهدهم سيطول، وقبل أن تتكشف لنا الحقائق والخلفيات بعد عام واحد.

إبراهيم أبو ذكري يكتب حكايتي مع الإعلام وصناع الاعلام (45).. (صلاح عبد المقصود)

إبراهيم أبو ذكري يكتب حكايتي مع الإعلام وصناع الاعلام (45).. (صلاح عبد المقصود)
لم يكن يعرف عبد المقصود الفرق بين الاتحادين

خلط المفاهيم.. وفترة الودّ القصيرة

توطدت علاقتي بـ (صلاح عبد المقصود) في البداية، حتى بات التواصل بيننا شبه يومي؛ فكان يتصل بي باستمرار لأمده بالمعلومات المعرفية التي كان يفتقر إليها تمامًا في كل ما يخص منظومة الإعلام العربي المشترك.

لقد كان الرجل يخلط خلطًا عجيبًا بين (اتحاد إذاعات الدول العربية) وبين (الاتحاد العام للمنتجين العرب)، ورغم أن كلاهما يعمل تحت مظلة جامعة الدول العربية – إلا أنه لم يكن يدرك الفارق الجوهري بينهما.

وهو أن الأول اتحاد رسمي يمثل الحكومات والدول، بينما الثاني يمثل التجمعات المدنية والقطاع الخاص، وأمام هذا الجهل بآليات العمل العربي المشترك، كنت أخذ على عاتقي الشرح والتفصيل له، فكان يجدد معلوماته الإعلامية ويستقيها من خلالنا.

دامت فترة الودّ هذه شهرًا أو شهر ونصف على الأكثر، قبل أن ينقلب المشهد رأسًا على عقب، وتتحول المرونة إلى جفاء غير مبرر.

وفجأة، وبلا أي مقدمات، تغير الوزير؛ أصبح يتهرب من المكالمات، ويعتذر بالرسائل المقتضبة عبر (الواتساب)، ثم انقطع حتى عن ذلك، وانقلب رأساً على عقب تحت تأثير ذات (الثقافة البيروقراطية المقيتة) التي تحارب المجتمع المدني.

تبدّت ذروة هذا التحول الصادم عندما كنا نستضيف اجتماع الجمعية العمومية لـ (اتحاد إذاعات الدول العربية) في القاهرة، وبذلتُ جهداً مضنياً بالترتيب مع الأستاذ إسماعيل الششتاوي (رئيس اتحاد الإذاعة والتلفزيون المصري آنذاك)، وحجزنا الفندق، ونسقنا مع وزارة السياحة لتقديم برنامج سياحي وخدمات تليق بالوفود العربية القادمة.

ولكن، وبدلاً من الشراكة والترحيب، أرسل (صلاح عبد المقصود) خطاباً لرئيس اتحاد إذاعات الدول العربية، يبلغه فيه بغطرسة أن الاجتماع سينقل في فندق (سميراميس)، وخاطب وزارة السياحة ليتم تحويل البرنامج السياحي والخدمات التي أعددناها بالكامل لتكون باسم (اتحاد الإذاعة والتلفزيون المصري) لا اتحاد المنتجين   العرب !

لقد تم السطو علنًا على كل الترتيبات والجهود التي قمنا بها، وجرى الاجتماع بعيدًا عنا.

وفي غمرة ذلك التخبط، وبينما كنا نعدّ لدورة خاصة من (مونديال القاهرة للإعلام)، دارت الأيام دورتها السريعة، وخرج (صلاح عبد المقصود) من مبنى ماسبيرو، تاركاً وراءه قصة وزيرٍ هزمته (صناعة الإعلام) التي لم يتقنها يوماً، وابتلعته الثقافة التي ظنّ أنه جاء ليغيرها.

إبراهيم أبو ذكري يكتب حكايتي مع الإعلام وصناع الاعلام (45).. (صلاح عبد المقصود)
غياب الرؤية المؤسسية المرنة، والوقوع في أسر الثقافات البالية الموروثة، كفيل بإحباط أي محاولة للإصلاح

العبرة التاريخية

إن تجربة (صلاح عبد المقصود) مع الإعلام المصري، والاتحاد العام للمنتجين العرب على وجه الخصوص، تؤكد حقيقة تاريخية واضحة: إن غياب الرؤية المؤسسية المرنة، والوقوع في أسر الثقافات البالية الموروثة، كفيل بإحباط أي محاولة للإصلاح، مهما بلغت مرونة المسؤول أو حسن نواياه.

لقد ذهبت المناصب، وتغيرت العهود، وبقيت الدروس مستمرة: الإعلام الحقيقي لا يقوده الخوف من الابتكار، بل يقوده التلاحم مع نبض الشارع والمجتمع المدني، وهي الخطوة التي كان الاتحاد يسبق بها دائمًا، وظلت الدولة تتهيب خطوها.

* رئيس الاتحاد العام للمنتجين العرب

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.