رئيس مجلس الادارة : محمد حبوشة
رئيس التحرير : أحمد السماحي

عصام السيد يكتب: الدكتور (يوسف زيدان) والفيل محمود

عصام السيد يكتب: الدكتور (يوسف زيدان) والفيل محمود
علل الدكتور (يوسف زيدان) موقفه بإنكار حادثة محاولة هدم الكعبة المسمى باسمها عام (الفيل)

بقلم المخرج المسرحي الكبير: عصام السيد

ظهر الدكتور (يوسف زيدان) على شاشة التليفزيون ليتحدث مرة أخرى عن موضوع محاولة هدم الكعبة الذى يقال أنه وقع في عام ميلاد النبى صلى الله عليه وسلم، ولكن الدكتور ظهر هذه المرة على احدى القنوات المصرية.

ويبدو أن هذا الظهور كان لتبرير ما قاله في مقابلته السابقة – و ليس لتصحيحه – خوفا من رد فعل بعض المهاجمين له ، فلقد أكد في المقابلة احترامه للقرآن الكريم وأنه لا ينكره، وإنما ينكر التفسيرات التي قالت بوجود أبرهة الحبشي.

و كرر معلوماته الخاطئة عنه، من أنه قديس مسيحى عاش في الحبشة وأن لا علاقة له بأرض الجزيرة العربية، و شكك مرة أخرى في إمكان استخدام الفيلة في جنوب الجزيرة العربية، انطلاقاً من تصور جغرافي يرى أن طبيعة تلك البلاد لا تسمح بحياة هذه الحيوانات الضخمة.

وعلل الدكتور (يوسف زيدان) موقفه بإنكار حادثة محاولة هدم الكعبة المسمى باسمها عام (الفيل)، بأن القرآن لم يحدد من هم أصحابه وماذا فعلوا ولماذا غضب الله عليهم؟.. ثم عطف على تفصيلة جديدة وكأنه يذيع سرا لا أحد يعلمه سواه أن سور القرآن تمت تسميتها أثناء كتابة القرآن، وأن السورة سميت بالفيل لأنها تتحدث عنه كما سميت سورة البقرة وهكذا..

لم يصمت الدكتور (يوسف زيدان) عند هذا الحد وإنما عز عليه أن تمضى الحلقة دون أن يضيف خطأ تاريخيا جديدا بثقة يحسد عليها إذ قال أن (وهب بن منبه) الذى نقل عنه المؤرخون والمفسرون العرب قصة الفيل هو يهودى!

والحقيقة ان المراجع تقول أن (ابن منبه) – الذى كان من أهل اليمن و يقال أن أصل عائلته يعود الى فارس – كان من علماء عصره، و هو تابعى مسلم وثقة عند جمهور علماء الحديث و لم يُدن بغير الإسلام قط.

عصام السيد يكتب: الدكتور (يوسف زيدان) والفيل محمود
زيدان يدعي أن الفيل كان اسمه (محمود)!

الفيل كان اسمه (محمود)!

أما سبب اللبس أو الاشاعة التي تجعل (البعض) يظن أنه يهودى أنه (كان واسع الاطلاع على كتب أهل الكتاب وله معرفة بقصص الأنبياء وتاريخ الأمم السابقة، وكان ينقل الكثير من هذه الأخبار التي تسمى في علم الحديث (الاسرائيليات)، لكن الثابت تاريخيا أنه ولد و نشأ مسلما.

لكن الرجل لم يسلم من غمز ولمز الدكتور(يوسف زيدان)، وقال: (وبيقولوا أن الفيل كان اسمه (محمود)!.. ايه الكلام الـ..؟.. و لم يكمل الدكتور الجملة كعادته).

وعلى افتراض صحة كلام الدكتور (يوسف زيدان) أن قصة الفيل من الإسرائيليات التي لا ينبغي الاستناد عليها، ماذا عن الآثار التي وجدت في اليمن التي تثبت وجود أبرهة والأفيال؟

لقد ترك أبرهة الأشرم مجموعة من النقوش بخط المُسند، وهى من أهم الوثائق التاريخية الخاصة بتاريخ اليمن قبل الإسلام، ولا تكتسب هذه النقوش قيمتها لأنها توافق الرواية الإسلامية، وإنما لأنها تمثل شهادة معاصرة لصاحب الحدث نفسه، كتبها لتسجيل إنجازاته السياسية والعسكرية.

وأشهر هذه النقوش هو نقش (سد مأرب الكبير)، الذي يعود إلى منتصف القرن السادس الميلادي، ويقع في نحو مائة وستة وثلاثين سطراً، يوثق فيه أبرهة إخماده لثورة داخلية قادها ضده يزيد بن كبشة، وكيف قام بعدها بترميم سد مأرب بعد تصدعه.

ويذكر بالتفصيل ما أنفقه من اللحوم والدقيق والتمور لإطعام آلاف العمال المشاركين في الترميم، وهو نص يكشف عن دولة منظمة، وإدارة واسعة، واقتصاد قادر على تعبئة الموارد.

ثم يأتي نقش (مريجان الأول) المنقوش على صخرة في منطقة (تثليث)، والذي يؤرخ لحملة عسكرية سنة 552م شمالاً نحو نجد، حيث أخضع أبرهة قبائل معد وبني عامر، وعيّن عليها عمرو بن المنذر حاكماً باسمه. وهنا تتجلى حقيقة تاريخية لا خلاف عليها: أن أبرهة لم يكن حاكماً محلياً منعزلاً في اليمن، وإنما كان يقود حملات بعيدة المدى شمالاً، بما يجعل التحرك نحو الحجاز أمراً يدخل في سياق سياساته التوسعية.

أما المفاجأة التي أضافتها الاكتشافات الحديثة، فهي النقش الذي أعلن عنه الباحث الفرنسي (كريستيان روبان) عام 2025، والذي ورد فيه ذكر الفيلة صراحة، بما يقدم لأول مرة دليلاً أثرياً مباشراً على معرفة جيش أبرهة بالفيلة واستخدامها في سياق تحركاته العسكرية، وهنا لا يعود الحديث عن الفيل مجرد خبر روته المصادر الإسلامية، بل يصبح حقيقة تدعمها المادة الأثرية نفسها.

عصام السيد يكتب: الدكتور (يوسف زيدان) والفيل محمود
تبدأ نقوش أبرهة بصيغة مسيحية واضحة

نقوش أبرهة بصيغة مسيحية

ولعل أهم ما تكشفه هذه النقوش أنها تتوافق مع كتب التاريخ الإسلامي في الخطوط الكبرى دون أن تكون نسخة منها، فالاسم هو الاسم، والديانة هي الديانة؛ إذ تبدأ نقوش أبرهة بصيغة مسيحية واضحة: (بقوة الرحمن ومسيحه وروح القدس) – فقد كان من اتباع المذهب المونوفيزيتي (طبيعة المسيح الواحدة).

وتؤكد هذه النقوش ان ابرهة لم يكتف بحكم اليمن، بل سعى الى التوسع العسكري كما تقول كتب الأخبار الإسلامية، كما أن وجود الفيلة أصبح اليوم مثبتا بأدلة أثرية جديدة.

ويبقى السؤال الذي يطرحه المشككون دائماً: لماذا لم يترك أبرهة نقشاً يروي قصة حملته على مكة؟

والجواب يكاد يكون بديهياً لكل من يعرف طبيعة النقوش الملكية القديمة؛ فهي لم تكن سجلاً محايداً للأحداث، وإنما كانت أدوات للدعاية السياسية، فالملوك ينقشون انتصاراتهم، ولا ينحتون هزائمهم على الصخور.

ولم يعرف التاريخ ملكاً أمر بأن يخلد انكساره في نقش رسمي.. ومن هنا فإن غياب نقش عن حملة انتهت بفشل لا يصلح دليلاً على عدم وقوعها، تماماً كما أن غياب الوثيقة ليس دليلاً على غياب الحدث.

أما الفارق الزمني بين نقش (مريجان) المؤرخ سنة 552م، وبين التاريخ المشهور لعام الفيل سنة 571م، فلا يمثل تناقضاً حتمياً، بل يفسره كثير من المؤرخين بأن حملة مريجان كانت حملة تأديبية في وسط الجزيرة، بينما كانت حملة مكة حملة لاحقة في أواخر عهد أبرهة، أو ربما في عهد أحد أبنائه الذين ورثوا سلطته وجيشه، ولم تُخلَّد بنقش لأن نهايتها لم تكن مما يفتخر به الملوك.

عصام السيد يكتب: الدكتور (يوسف زيدان) والفيل محمود
أصبحت الحجارة اليوم تتكلم.. ونقوش المُسند، التي بقيت صامتة أكثر من أربعة عشر قرناً

التاريخ لا يُبنى على الظنون

ولعل القضية الأعمق من ذلك كله ليست في أبرهة نفسه أو الفيل، وإنما في منهج فالتاريخ لا يُبنى على الظنون قراءة التاريخ ، فالتاريخ لا يُبنى على الظنون، ولا على الانطباعات، ولا على الرغبة في مخالفة المألوف، وإنما على جمع الشهادات المختلفة: النصوص، والنقوش، والآثار، والمرويات، ثم موازنتها جميعاً بميزان النقد العلمي.

ومن هنا يصعب أن أتصور أن باحثاً بقامة الدكتور (يوسف زيدان) قد غابت عنه هذه الحقائق الأثرية، وهو المتخصص الذي أفنى عمره بين المخطوطات والوثائق، ولعل الأقرب إلى الفهم أن الرجل – الذي اشتهر بإثارة الزوابع وكسر أفق التوقع – يدرك تماماً أن الرأي الصادم يجد طريقه إلى المنصات الإعلامية أسرع من الرأي الهادئ.

وأن مخالفة المألوف والسائد تضمن انتشاراً لا تحققه الآراء التقليدية، غير أن الإثارة، مهما كانت مشروعيتها في المجال الإعلامي، لا ينبغي أن تتقدم على صرامة الدليل حين يكون الحديث عن التاريخ.

لقد أصبحت الحجارة اليوم تتكلم.. ونقوش المُسند، التي بقيت صامتة أكثر من أربعة عشر قرناً، صارت شاهداً لا يمكن تجاهله.. وهى لا تثبت كل تفاصيل الرواية الإسلامية، لكنها ترسم الإطار التاريخي الذي يجعلها ممكنة ومعقولة :حاكم اسمه أبرهة، مسيحي الديانة، يقود حملات عسكرية إلى قلب الجزيرة، ويستخدم الفيلة، ويترك وراءه سجلاً مادياً يلتقي مع الرواية الإسلامية في أهم معالمها.

وهكذا، حين يتكلم الحجر، يصبح من الحكمة أن يصمت محبى الشهرة و مثيرى الجدل.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.