

بقلم الكاتب الصحفي: محمود حسونة
يبدو أننا نعيش موسم الهجرة من الشاشات التليفزيونية إلى الشاشات الرقمية ومن البرامج التقليدية إلى (البودكاست) في مصر، بعد أن اتجه عدد من مشاهير الإعلام المصري إلى عالم (البودكاست)، سواء نتيجة أن المحطات أدارت ظهورها لهم ولم يعد لهم لا المكان ولا المكانة التي كانت، أو سعياً وراء نجاح لم يعد الإعلام التقليدي يضمنه لهم بعد أن انصرف قطاع عريض من الجماهير عن مشاهدة المحطات إلى متابعة المنصات الرقمية، التي تضمن مرونة في المشاهدة مع مساحة أوسع من الحرية.
والأهم محتوى إعلامي أكثر تميزاً لا يعتمد على مجرد اسم لمذيع مشهور أصابه الإفلاس وتوهم القدرة على الفتي فيما يعلم ولا يعلم، ولكن يعتمد محاورة أهل الاختصاص والتفتيش في عمقهم الإنساني والبحث عن المجهول في حياتهم مما يمكن أن يستفيد منه الناس.
لم يعد الانتقال من شاشة التلفزيون إلى (البودكاست) مجرد تجربة جديدة يخوضها إعلامي هنا أو مذيع هناك، بل تحول إلى ظاهرة تستحق التأمل؛ فمنذ سنوات قليلة كان شباب مجهولون يصنعون برامجهم بكاميرا بسيطة وميكروفون متواضع، ويحققون ملايين المشاهدات بعيدًا عن استوديوهات الفضائيات.
وتجارب مثل ABtalks للإماراتي (أنس بوخش) الذي حاور نجوم سياسة وفن ورياضة ودين باحثاً عن الجانب الإنساني المجهول فيهم ووصل عدد متابعيه إلى 40 مليوناً، وهو رقم لا يتحقق ربعه لمن يعتبر نفسه الأشهر والأنجح والأغلى في الإعلام التقليدي.

بود كاست لميس الحديدي
بجانب تجارب أخرى حققت نجاحات مشهودة مثل (فنجان، سوالف بزنس)، وأثبتت أن الحلقة الجيدة يمكن أن تتجاوز مليون مشاهدة بسهولة، وأن بعض الحلقات تصل إلى 3 ملايين أو أكثر، بينما كانت برامج تلفزيونية كثيرة لا تحصد على المنصات الرقمية نفسها سوى عشرات الآلاف. وفي المقابل، كان نجوم الشاشة ينظرون إلى هذه المنصات باعتبارها مجرد وسيلة ترفيه أو موضة عابرة.
اليوم، تغير المشهد تمامًا، وأصبح بعض أشهر الإعلاميين المصريين يتجهون إلى (البودكاست)، آخرهم لميس الحديدي، وقبلها (محمود سعد، وعادل حمودة)، وكأنهم يعلنون أن المستقبل لم يعد يسكن شاشة التلفزيون وحدها.
هذا التحول لا يمكن قراءته باعتباره مجرد تنويع في أدوات الظهور، بل هو اعتراف ضمني بأن كثير من الجمهور غادر مقاعد المشاهدة التقليدية، وانتقل إلى الهاتف المحمول وسماعات الأذن، فالمذيع لم يعد ينافس زميله في القناة المجاورة، بل ينافس آلاف صناع المحتوى الذين يخاطبون الجمهور بلغته.
ويمنحونه ما يريده في الوقت الذي يختاره هو، لا في الموعد الذي تحدده الخريطة البرامجية؛ ولعل المقارنة الرقمية هنا تكشف الكثير: حين تتجاوز حلقة بودكاست ناجحة مليون مشاهدة، بينما لا يتخطى كثير من المقاطع التلفزيونية المعاد نشرها 100 أو 200 ألف مشاهدة، فإن الفارق لا يكون في الاسم فقط، بل في طبيعة التلقي نفسها.
(لميس الحديدي) اعترفت عند إطلاق أول تجربة لها في عالم (البودكاست) بأنها تأخرت في دخول هذا المجال وهو ما يعكس إدراكًا متزايدًا لدى الإعلاميين بأن المنصات الرقمية لم تعد منافسًا هامشيًا، وإنما أصبحت ساحة رئيسية للصراع على الجمهور.
السؤال الأهم: هل يكفي التاريخ المهني الطويل لضمان النجاح في (البودكاست)؟
الإجابة تبدو أكثر تعقيدًا من مجرد (نعم)، أو (لا).. النجومية التلفزيونية تمنح صاحبها دفعة أولى، لكنها لا تضمن الاستمرار. جمهور (البودكاست) لا يبحث فقط عن اسم كبير، بل عن محتوى مختلف، وحوار عفوي، وإيقاع هادئ، وقدرة على الإنصات أكثر من الخطابة؛ إنها بيئة إعلامية تختلف جذريًا عن البرامج التي اعتادت على الفواصل الإعلانية والإيقاع السريع والإخراج الصاخب.


الشباب يتفوقون رقميًا
ولهذا السبب، لم تحقق جميع الأسماء الكبيرة الأثر نفسه الذي صنعته على الشاشة، فما يزال كثير من نجوم (البودكاست) الشباب يتفوقون رقميًا بفضل جمهور بنوه عبر سنوات من التفاعل المستمر، وليس عبر الشهرة الموروثة من التلفزيون.. لقد صنع هؤلاء علاقة مباشرة مع الجمهور، تقوم على الثقة أكثر من النجومية، وعلى القرب أكثر من الرسمية.
من المفارقات أن بعض حلقات (البودكاست) الشبابية تحقق ملايين المشاهدات خلال أيام، بينما تحتاج حلقات يقدمها إعلاميون كبار إلى وقت أطول للوصول إلى الأرقام نفسها، رغم الفارق الكبير في الخبرة المهنية، وهذا لا يعني أن الإعلاميين التقليديين فقدوا تأثيرهم، لكنه يؤكد أن قواعد اللعبة تغيرت، ففي التلفزيون كان الجمهور يذهب إلى المذيع، أما في البودكاست فعلى المذيع أن يذهب إلى الجمهور.
ومع ذلك، سيكون من الظلم إعلان وفاة الإعلام التقليدي.. فما تزال الشاشات الفضائية تمتلك عناصر قوة لا يستهان بها، خصوصًا في تغطية الأخبار العاجلة، والبرامج السياسية المباشرة، وصناعة الرأي العام في القضايا الكبرى، كما أن كثيرًا من الضيوف الكبار ما زالوا يعتبرون الظهور التلفزيوني أكثر تأثيرًا ورمزية من أي منصة أخرى.
في المقابل، يمنح (البودكاست) الإعلامي ما حرمته منه الفضائيات؛ وقتًا أطول، وأسئلة أكثر عمقًا، وحوارًا أقل مقاطعة، ومساحة تسمح بإظهار الجانب الإنساني بعيدًا عن القيود الصارمة التي فرضتها الشاشات طوال عقود.
ولهذا، فإن ما نشهده اليوم ليس صراعًا بين التلفزيون و(البودكاست)، بقدر ما هو إعادة توزيع للأدوار؛ فالتلفزيون لم يعد المنصة الوحيدة لصناعة النجوم، كما أن البودكاست لم يعد مجرد منصة للهواة، لقد أصبح مؤسسة إعلامية قائمة بذاتها.
ومن المرجح أن تتسع هذه الموجة خلال السنوات المقبلة، فكلما تقلصت ميزانيات الفضائيات، وازدادت كلفة الإنتاج التلفزيوني، واتجه المعلنون نحو المنصات الرقمية، سنرى أسماء أخرى من كبار الإعلاميين تحاول اقتحام (عالم البودكاست)، ليس حبًا في التجديد فقط، وإنما بحثًا عن جمهور انتقل بالفعل إلى هناك.
غير أن النجاح لن يكون من نصيب الجميع، فالمشاهد الرقمي أكثر قسوة من مشاهد التلفزيون، وهو لا يمنح فرصة ثانية بسهولة. بضغطة واحدة ينتقل إلى حلقة أخرى إذا شعر بالملل، ولا تعنيه الألقاب ولا سنوات الخبرة إذا لم يجد قيمة حقيقية فيما يسمع.

الرهان على المحتوى
السؤال الذي يطرح نفسه هو: هل يستطيع الإعلاميون المهاجرون إلى عالم (البودكاست) تغيير طريقة تفكيرهم، والتخلي عن عقلية (المذيع الذي يتحدث) لصالح عقلية (المحاور الذي يستمع)؟
الرهان في النهاية ليس على المنصة، بل على المحتوى، فالجمهور لا يهاجر إلى البودكاست لأنه يكره التلفزيون، وإنما لأنه يبحث عن حديث أصدق، وأقرب، وأقل صخبًا، ومن يدرك هذه الحقيقة سيبقى حاضرًا، سواء جلس أمام كاميرا فضائية، أو أمام ميكروفون بودكاست.
وعلى المهاجرين الجدد إدراك أن (البودكاست) ليس مجرد ستوديو أصغر، ولا كاميرا أقل تكلفة، بل فلسفة مختلفة بالكامل.. في التلفزيون كانت المؤسسة تصنع النجم، أما في (البودكاست) فالجمهور هو من يصنعه، وفي التلفزيون كان الوقت يُقسم بالدقائق والفواصل الإعلانية، أما في البودكاست فيُقاس بقدرة الضيف والمحاور على الاحتفاظ بانتباه المستمع.
لذلك، فمن المرجح أن نشهد خلال السنوات القليلة المقبلة موجة أوسع من انتقال نجوم الفضائيات إلى المنصات الرقمية، لكن الناجين لن يكونوا أصحاب الأسماء الأكبر، بل أصحاب المحتوى الأعمق، فالتاريخ المهني يفتح الباب، لكنه لا يضمن البقاء، أما القرار الأخير فسيظل في يد جمهور لم يعد يعترف إلا بما يستحق أن يمنحه ساعة من وقته.