رئيس مجلس الادارة : محمد حبوشة
رئيس التحرير : أحمد السماحي

(خاصمت الشوارع).. متعة الاكتشاف بعد حين!

(خاصمت الشوارع).. متعة الاكتشاف بعد حين!
عمل مكتمل بأربعة كبار، رفع كل منهم الآخر إلى مقام أعلى
(خاصمت الشوارع).. متعة الاكتشاف بعد حين!
وائل شفيق

بقلم الكاتب والسيناريست: وائل شفيق

يقدم الشاعر الكبير عماد حسن نصاً لا يتكئ على الصور الكبرى الصاخبة، وإنما على التفاصيل الصغيرة التي تفتك على مهل، وهذه هي سمة صناعته النادرة كما في رائعته (خاصمت الشوارع).

لا يبتكر عماد حسن مفردات جديدة، في (خاصمت الشوارع)، بل يمنح المفردة القديمة وزناً جديداً وروحاً متجددة: (شارع، بيت، مطر، زحام) مفردات عادية، لكنه قادر على وضعها في سياق يجعلها تنزف. إنه يمتلك قدرة استثنائية على تجريد الأشياء من حياتها بهدوء، ثم إعادة منحها معنى أكبر منها. هو شاعر الدلالة الخفية الذي يترك للمتلقي متعة الاكتشاف بعد حين.

وفي (خاصمت الشوارع) التي لحنها الموسيقار محمد ضياء، وأداها الفنان مدحت صالح، ووزعها الموزع الموسيقي الكبير عماد الشاروني، تبلغ هذه الصنعة ذروتها.. عمل مكتمل بأربعة كبار، رفع كل منهم الآخر إلى مقام أعلى.

يفتتح النص بفعل قطيعة شاملة: (خاصمت الشوارع، خاصمت البيوت، وكل الحاجات اللي كانت تفوت علينا سوا).. هنا يخاصم الشاهد قبل المشهود له.. يتحول المكان الحافظ للذاكرة إلى خصم.. إنه منطق العاشق المهجور: إذا غابت هي، فليسقط كل شيء.

(خاصمت الشوارع).. متعة الاكتشاف بعد حين!
تبلغ الصور أوجها حين تصير الطبيعة شريكة في الحزن

البيت الذي يفتت القلب

ويتضخم الفراغ فيتمدد الزمن: (طويلة السكة، وأنت بعيد، بدور في الزحام على إيد)، لم تعد المسافة أمتاراً، بل صارت عمراً.. والبحث في الزحام لا يقصد وجهاً، وإنما (يداً) واحدة كانت تعني الأمان كله.

ثم ينتقل النص من الخارج إلى الداخل: (تموت البسمة في عيوني، حاجات أكتر في قلبي تموت).. وبلاغة الحذف هنا هي موضع القوة. لم يسمِّ ما الذي يموت، وترك الفراغ ليمتلئ بوجع كل قارئ. تلك هي صنعة الكبار: أن تقول وتضمر في آن.

وتبلغ الصور أوجها حين تصير الطبيعة شريكة في الحزن: (عشان كان المطر صاحبك، بيجي معاكي ويصاحبك، حزينة الأرض من بعدك، ومن يومها المطر في سكوت) يربط بين المحبوبة والخصب.. بحضورها كان الهطول، وبغيابها جف كل شيء.

ويجيء البيت الذي يفتت القلب: (يا واخدة نهري وياكي، أنا عطشان بناديكي، بيبدأ نيلي من قلبك، ومن قلبك لقلبي يفوت).. إنه عطش وجودي. نهر شخصي. منبع توقف، فتوقفت معه الحياة.

هنا ينبغي الوقوف وإعادة قراءة النص برمته.. (نهري)؟.. (نيلي)؟.. فجأة يتسع نص (خاصمت الشوارع) اتساعاً مباغتاً. ندرك أن عماد حسن لم يكن يكتب عن امرأة فحسب، بل كان يكتب عن الوطن.

(الشوارع والبيوت)، هي مدن الوطن التي يخاصمها المغترب.. (طول السكة) هى غربة السنين.. (المطر الساكت) هو الخير الغائب.. و(يا واخدة نهري وياكي) صرخة من سلب منه النيل والانتماء.. (بيبدأ نيلي من قلبك) لأن الوطن هو المنبع، ومن قلبه يفيض الخير على الأبناء.

بهذه النقلة يتحول النص من رسالة غزل إلى بيان وجداني، من دون أن يفقد دفئه الإنساني.. وتلك هى عبقرية عماد حسن: أن ينطق بالوطن من دون أن يذكر اسمه مرة واحدة.

(خاصمت الشوارع).. متعة الاكتشاف بعد حين!
قدم محمد ضياء لحناً بارعاً يسير على إيقاع النص ذاته.. لحن متدفق، قوي

محمد ضياء.. لحن بارع

وعلى هذا البناء الشعري الرفيع، جاء اللحن.. قدم محمد ضياء لحناً بارعاً يسير على إيقاع النص ذاته.. لحن متدفق، قوي، يحمل في طياته حيوية الماء واندفاعه وحزنه.. لم يغالِ في الموسيقى على حساب الكلمة.. اختار طريق الصدق. جعل الموسيقى تسير إلى جوار الشعر، فغدا اللحن هو (النهر) الذي يتحدث عنه النص.

واكتملت متعة العمل مع الموزع عماد الشاروني، الذي منح الأغنية هيئتها النهائية دون أن يطغى على الكلمة أو اللحن. اختار الألوان الصوتية المناسبة، ورتب الطبقات بذوق، وترك للمعنى مساحته كي يصل إلى المتلقي.. وقد نجح الشاروني في أن يكون هذا الإطار المبهر الذي احتضن النص واللحن وأوصلهما مكتملين.

وختم النص بصوت لا يقل رفعة.. مدحت صالح لم يؤدِ الأغنية، بل عاشها. بصوت يجمع بين وقار الكبار وحميمية الاعتراف، وبين صلابة الجبل ورقة المطر، حول الخصام إلى مناجاة، والاشتياق إلى ابتهال.. صدق كل كلمة، فصدقناها نحن ضعفين.

(خاصمت الشوارع).. تجربة تختزل صنعة جيل: نص لعماد حسن يكتب التفاصيل الصغيرة بمعنى كبير، ولحن لمحمد ضياء يمشي إلى جوار الكلمة بصدق، وتوزيع لعماد الشاروني يمنح العمل بهاءه، وأداء لمدحت صالح يحمل الوجع في صوته ويوصله كما هو.

وأن أصدق ما نكتبه عن امرأة، قد يكون في جوهره ما نكتبه عن وطن.

👀 Views:

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.