

بقلم المستشار: محمود عطية *
في ظل التوسع الكبير في أنشطة (جمع التبرعات) خلال السنوات الأخيرة، سواء داخل مصر أو خارجها، ومع الاعتماد المتزايد على الفعاليات العامة والحملات الإعلامية والرحلات الخارجية للتعريف بالمشروعات الخيرية، برزت إلى السطح مجموعة من التساؤلات لدى قطاع من المتابعين والمتبرعين حول آليات إدارة هذه الأنشطة، وطبيعة تمويلها، ومدى وضوح البيانات المالية المرتبطة بها.
وتأتي هذه التساؤلات من منطلق عام يتعلق بحق المعرفة، وحرص طبيعي من المتبرعين على الاطمئنان إلى أن مساهماتهم المالية يتم توظيفها بأعلى درجات الكفاءة والشفافية، خاصة أن العمل الخيري بطبيعته يعتمد بشكل أساسي على الثقة بين المؤسسة والجمهور.
وخلال الفترة الأخيرة، تم تداول صور ومقاطع فيديو منشورة علنًا عبر وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي، تشير إلى تنظيم عدد من الرحلات الخارجية المرتبطة بأنشطة (جمع التبرعات)، شملت وجهات مختلفة مثل الولايات المتحدة الأمريكية وكندا وأستراليا، بمشاركة عدد من الشخصيات العامة والفنانين (الممثلين والمغنين)، مع ملاحظة تكرار ظهور بعض الأسماء في أكثر من فعالية أو أكثر من رحلة.
هذا التكرار في الرحلات وتنوع وجهاتها واتساع نطاق المشاركين فيها دفع البعض إلى طرح مجموعة من الأسئلة التي تتعلق بطبيعة هذه الأنشطة، ليس من زاوية التشكيك في النوايا أو الأهداف، وإنما من زاوية فهم الصورة المالية والإدارية الكاملة لهذه الجولات.
فمن الطبيعي في أي نشاط يعتمد على (جمع التبرعات) أن تكون هناك مصروفات تشغيلية تشمل السفر والإقامة والتنقلات الداخلية والإعداد الإعلامي والتنظيمي للفعاليات، غير أن الإشكالية التي يثيرها البعض تتمثل في غياب البيانات التفصيلية التي توضح العلاقة بين هذه المصروفات وبين حجم التبرعات التي يتم جمعها فعليًا خلال هذه الرحلات.


أموال (جمع التبرعات)
وفي هذا السياق، تبرز مجموعة من التساؤلات التي يتم تداولها بشكل عام بين المتابعين، من بينها طبيعة تمويل هذه الرحلات الخارجية، وهل يتم تغطية تذاكر السفر والإقامة والتنقلات من أموال (جمع التبرعات)، أم من مصادر تمويل أخرى مثل الرعاة أو الداعمين الخارجيين، أم أن المشاركين أنفسهم يساهمون في تحمل جزء من هذه التكاليف.
كما يثار تساؤل آخر يتعلق بالمعايير التي يتم على أساسها اختيار المشاركين في هذه الرحلات، خاصة مع تكرار ظهور بعض الشخصيات في أكثر من جولة خارجية خلال فترات متقاربة، وهو ما يدفع البعض إلى التساؤل حول طبيعة هذه المعايير ومدى وضوحها للجمهور.
وفي جانب آخر، يطرح المتابعون سؤالًا مهمًا يتعلق بالعائد الفعلي لهذه الأنشطة، فإذا كانت هذه الرحلات تهدف إلى دعم مشروعات خيرية و(جمع التبرعات)، فمن المهم أن تكون هناك بيانات واضحة توضح حجم التبرعات التي تم جمعها خلال كل رحلة على حدة، مقارنة بالتكلفة الإجمالية لها، بما يتيح فهمًا دقيقًا لصافي العائد الذي عاد إلى المستفيدين.
إن غياب هذه البيانات أو عدم الإعلان عنها بشكل دوري ومفصل يجعل مساحة التساؤلات مفتوحة أمام الجمهور، ويؤدي إلى تعدد التفسيرات والاجتهادات، وهو ما يمكن تفاديه بسهولة من خلال تعزيز مبدأ الشفافية والإفصاح المالي.
ولا يقتصر هذا الأمر على جهة بعينها، بل هو مبدأ عام في العمل الخيري حول العالم، حيث تعتمد المؤسسات الناجحة على نشر تقارير دورية تفصيلية توضح فيها مصادر التمويل، وأوجه الإنفاق، ونسب المصروفات الإدارية، وحجم العائد المباشر وغير المباشر لكل حملة أو نشاط.
كما أن الشفافية في هذا المجال لا تُعد مجرد التزام أخلاقي، بل هي عنصر أساسي في بناء الثقة مع المتبرعين، الذين يمثلون المصدر الرئيسي لاستمرار هذه الأنشطة، فكلما كانت المعلومات أكثر وضوحًا، زادت درجة الثقة، وكلما غابت البيانات، اتسعت مساحة الشكوك والتساؤلات.
ومن المهم أيضًا التأكيد على أن وجود تساؤلات حول آليات العمل لا يعني بالضرورة وجود خلل أو مشكلة، بل يعكس وعيًا متزايدًا لدى المتبرعين والرأي العام بأهمية متابعة كيفية إدارة الأموال التي يتم التبرع بها، وهو أمر إيجابي في حد ذاته إذا تم التعامل معه بشفافية ووضوح.


الجهات الرقابية والتنظيمية
كما أن استخدام الشخصيات العامة في حملات جمع التبرعات ليس أمرًا جديدًا أو غير مألوف، بل هو جزء من استراتيجيات الاتصال والإعلام في العديد من الدول، حيث يُنظر إلى هذه الشخصيات باعتبارها وسيلة فعالة للوصول إلى جمهور أوسع.. إلا أن هذا الاستخدام يظل بحاجة إلى إطار واضح يحدد التكلفة والعائد والمعايير التنظيمية المرتبطة به.
وفي هذا الإطار، يظل السؤال الأساسي الذي يطرحه البعض قائمًا: هل العائد من هذه الرحلات الخارجية يتناسب مع حجم الإنفاق عليها؟.. وهل يتم توثيق هذا العائد ونشره بشكل يتيح للجمهور تقييم النتائج بشكل موضوعي؟
إن الإجابة على هذه الأسئلة لا يمكن أن تعتمد على الانطباعات أو التقديرات، بل تحتاج إلى بيانات رقمية واضحة ومعلنة، توضح التكلفة الكاملة لكل رحلة، وعدد المشاركين فيها، وحجم التبرعات التي تم جمعها، وصافي العائد الذي عاد إلى المشروعات الخيرية المستهدفة.
كما أن نشر هذه البيانات بشكل منتظم لا يخدم فقط المتبرعين، بل يخدم المؤسسات نفسها، لأنه يعزز مصداقيتها، ويغلق الباب أمام أي تأويلات أو تفسيرات غير دقيقة قد تنشأ نتيجة نقص المعلومات.
وفي السياق ذاته، فإن الجهات الرقابية والتنظيمية المعنية بالعمل الأهلي والخيري تلعب دورًا مهمًا في متابعة هذا النوع من الأنشطة، والتأكد من التزام المؤسسات بالقواعد المنظمة، وضمان وجود شفافية كافية في عرض البيانات المالية والتشغيلية.
ولا شك أن وجود رقابة فعالة وواضحة يمثل عنصر دعم أساسي للعمل الخيري، لأنه يحمي المؤسسات الجادة، ويعزز ثقة المجتمع في هذا القطاع الحيوي، ويضمن في الوقت نفسه أن تذهب التبرعات إلى أهدافها الحقيقية دون أي غموض في آليات الإنفاق أو الإدارة.
وفي النهاية، تبقى هذه التساؤلات المطروحة جزءًا طبيعيًا من النقاش العام حول العمل الخيري من (جمع التبرعات) وطرق إدارته، وتعكس رغبة حقيقية لدى المتبرعين والرأي العام في فهم الصورة بشكل أوضح.. وهي تساؤلات لا تهدف إلى التشكيك في أحد، بقدر ما تهدف إلى تعزيز مبدأ الشفافية، وضمان أن تظل العلاقة بين المتبرع والمؤسسة قائمة على الوضوح والثقة والمعلومة الدقيقة.
ففي عالم يعتمد فيه العمل الخيري على الدعم المجتمعي، تصبح الشفافية ليست خيارًا إضافيًا، بل ضرورة أساسية لضمان الاستمرار، ولحماية هذا القطاع من أي لبس أو غموض، ولتعزيز الثقة التي تُعد أساس وجوده واستمراره.
* المحامي بالنقض – منسق ائتلاف مصر فوق الجميع