

بقلم الكاتب والسيناريست (وائل شفيق)
بعد 67 عاماً على نشرها، لا تزال (أولاد حارتنا) هى الاختبار الأصعب في العلاقة بين الإبداع والدولة والمجتمع، ومع كل محاولة لإحيائها درامياً، يعود السؤال المؤجل: لماذا أثارت هذه الرواية بالذات كل هذا الجدل؟.. ومن أين جاءت رموزها؟.. ولماذا اختارها نجيب محفوظ في تلك اللحظة من تاريخ مصر؟.. لكي نجيب، علينا أن نعود إلى ما قبل نشر الرواية بسبع سنوات، وإلى كتاب آخر كان يُكتب في زنزانة.
في كتابه (الله في رحلة نجيب محفوظ الرمزية) الصادر عام 1978 عن دار الطليعة ببيروت، فكّ الأستاذ جورج طرابيشي رموز الرواية قائلاً: (إن نجيب محفوظ يقلد الخط العريض لتاريخ البشر، ويستخدمه قالباً لروايته).
وذهب إلى قراءة صريحة: فالجبلاوي رمز الذات الإلهية، وأدهم هو آدم، وجبل هو موسى، ورفاعة هو المسيح، وقاسم هو محمد، وعرفة هو العلم. وقد أقر نجيب محفوظ نفسه هذه القراءة، وأرسل إلى طرابيشي رسالة شكر أعرب فيها عن تقديره.
لكن هذا (القالب) لم يأت من فراغ.. لسبعة وستين عاماً انشغل الجميع بسؤال: هل الجبلاوي في (أولاد حارتنا) هو المعادل الموضوعي للذات الإلهية في رواية محفوظ؟ وغفلوا عن سؤال أدق: من أين استلهم نجيب رموز روايته؟.. الإجابة في خمس سنوات صمت.
فبعد ثورة يوليو 1952 دخل نجيب محفوظ في حالة تأمل استمرت خمس سنوات لم يكتب خلالها أي عمل روائي، وفي الفترة ذاتها كان سيد قطب ينشر تباعاً الأجزاء الأولى من كتابه (في ظلال القرآن) الذي بدأ صدوره في أكتوبر 1952.
وما الذي فعله قطب في (الظلال)؟.. لقد ابتكر قانوناً تكفيرياً جديداً في قراءة التاريخ.. كسر القصة من زمنها وحوّلها إلى نموذج متكرر.. فلم يعد فرعون اسم ملك بعينه، بل صار نموذجاً لكل حاكم لا يحكم بما أنزل الله. ولم تعد بنو إسرائيل قوماً بعينهم، بل صارت نموذج الجماعة المؤمنة المستضعفة.
هذا هو القانون الذي اقترضه نجيب محفوظ بحذافيره، ولكنه ترجمه إلى لغة رواية (أولاد حارتنا).. فلم يعد الفتوة شخصاً، بل صار نموذج السلطة.. ولم تعد الحارة مكاناً، بل صارت نموذج الوطن.

سيرة سيد قطب
وهنا تتضح الرموز التي تعمد البعض تجاهلها.. بيت الناظر في حكاية جبل هو بيت الحكم، والناظر لفظ يقارب عبد الناصر، وآل حمدان هم المعادل الموضوعي لبني إسرائيل، وكان المقصود بهم جماعة الإخوان، أما جبل فهو ابن آل حمدان الذي نشأ قريباً من الناظر ثم انقلب عليه، وهذا يتقاطع مع سيرة سيد قطب الذي كان قريباً من ثورة يوليو ثم انقلب عليها.
والعلاقة بين محفوظ وقطب لم تبدأ في 1959.. بدأت قبل ثورة يوليو في مقاهي الأوبرا وكازينو ريش، حيث كان قطب أول من كتب نقداً أدبياً عن روايات نجيب في الأربعينيات وأثنى على (خان الخليلي، وزقاق المدق).
وبعد الثورة تباعد الطريقان: دخل قطب السجن وكتب (في ظلال القرآن)، ودخل محفوظ في صمته خمس سنوات كان يقرأ خلالها (الظلال) ويقتبس منه قانونه التكفيري في (تعميم التاريخ وتحويله إلى نموذج متكرر).
وبعد سنوات السجن الأولى زاره نجيب في بيته بحلوان عام 1965 ومعه آل السحار.. وقد روى نجيب هذا اللقاء لرجاء النقاش في كتابه (صفحات من مذكرات نجيب محفوظ)، قال نجيب عن قطب: (رأيت أمامي إنساناً آخر.. حاد الفكر.. متطرف الرأي.. يرى أن المجتمع عاد إلى الجاهلية الأولى)، وانتهى اللقاء بصمت، ولم يتكرر. فأخذ محفوظ من قطب أداة (الرمز التاريخي) للرواية، ورفض نتيجته السياسية، والتزم هو طريق القلم.
وحين نضع القانون القطبي بجانب الرموز المحفوظية، تتضح نقطة الاصطدام، فرواية (أولاد حارتنا) في سعيها لتقديم (نموذج متكرر) للتاريخ، لم تراع أصولاً دينية راسخة في الإسلام، فالإسلام يقوم على التنزيه المطلق لله (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ) – [الشورى: 11]، والتوقير المطلق للأنبياء.. أي إسقاط يجعل الإله بشراً يُقتل، ويجعل الأنبياء يدخلون في صراعات على السلطة، يصطدم مباشرة مع هذا الأصل.
وكان يمكن لنجيب أن يطرح أسئلته دون هذا الرمز، فقد فعل ذلك لاحقاً في (الحرافيش، والشحاذ، اللص والكلاب) واختلف معه الناس، لكن لم يحدث الانفجار.

إسقاط على مجلس قيادة الثورة
المشكلة إذن كانت في مكان النشر.. المسؤول الأول عن قرار النشر كان الأستاذ محمد حسنين هيكل، رئيس تحرير (الأهرام) وقتها، وهيكل كان يعلم أن الرواية فيها نقد لاذع للسلطة، وأن (الفتوات) إسقاط على مجلس قيادة الثورة، ومع ذلك نشرها حلقات يومية في ملحق رمضان عام 1959.
ويجب كسر وهم شائع.. الرافضون للرواية لم يكونوا فقط من علماء الدين.. عدد كبير من المثقفين رفضوها.. يكفي أن نذكر أن الأستاذ عباس العقاد والدكتور طه حسين امتنعا تماماً عن الدفاع عن الرواية أو عن نجيب وقتها.
والمفارقة أن الدولة التي هاجمتها الرواية هى التي حمت كاتبها.. كان نجيب موظفاً كبيراً رقيباً في وزارة الثقافة ولم يمسه أحد بأذى، بل حظي بتقدير خاص من الرئيس عبد الناصر، واختارت الدولة حلاً وسطاً: سمحت بالنشر خارج مصر، واشترطت لطبعه في مصر موافقة الأزهر الشريف.
والدليل الأهم على وعي نجيب نفسه جاء بعد 35 سنة في عام 1994 وبعد حادثة الطعن، غضب حين نشرت جريدة (الأهالي) الرواية وأصر على عدم نشرها في مصر إلا بموافقة الأزهر.. لم يتراجع عن أفكاره، لكنه تراجع عن الطريقة.. نجيب محفوظ لم يكن خارجاً عن الإسلام، والرواية نفسها تقر بكل أصول الدين.
إذن الأزمة لم تكن في الكتابة وحدها، بل في التوقيت وفي المنبر وفي القانون الذي استعاره النص.. لقد حولت الرواية التاريخ إلى معادلة جامدة، وحولت السلطة إلى فتوة أبدية.. وهذا ما جعلها تتجاوز حدود الأدب إلى حدود السياسة.. ولكي نفهم أثر هذا القانون، علينا أن نسأل: إلى أين قادنا بعد ذلك؟ ومن الذي دفع الثمن؟