

بقلم الكاتب والسيناريست: وائل شفيق
ما إن تعلن الأجهزة الأمنية القبض على أحد المشاهير من أصحاب النفوذ والسلطة، حتى تنتاب بعض الإعلاميين نوبة مفاجئة من (الشجاعة).. يتحول الصمت الطويل إلى حديث مستفيض، ويتبدل التردد إلى خطاب عن العدالة وسيادة القانون.. وكأن لحظة السقوط هى الإشارة الوحيدة التي كانوا ينتظرونها ليبدأوا الكلام.
وهذا ما لا يليق بمهنة قامت منذ البداية على السبق لا على رد الفعل.. فذاكرة الجمهور ليست قصيرة.. هو يذكر جيداً أن الحديث عن هذا الملف لم يكن مستحيلاً بالأمس، وأن القلم لم يكن مكسوراً، لكن ثمن الكلمة كان باهظاً فاختار كثيرون العافية.. واليوم وقد صار ثمن الكلمة مجانياً بعد أن فتحت الدولة الملف، خرج علينا البعض ليطالبنا بالتصفيق لمبادئ استيقظت متأخرة.
إن (الشجاعة) الحقيقية لا تُستدعى بعد أن يأمن المرء العاقبة.. (الشجاعة) أن تسمي الأشياء بأسمائها والخطر قائم، أن تفتح الملف والنفوذ قائم، أن تكتب والناس خائفة.. أما أن تصمت سنيناً ثم تنفجر فجأة بعد أن يأوي الخصم إلى قبضة القانون، فذلك ليس بطولة.. ذلك أقرب إلى انتظار سقوط العجل ليخرج الجميع بسكاكينهم.
ولا يُفهم من هذا جلد لمن اختار الحذر.. فالحذر مفهوم، والصمت بشرف مقدر، والمهنة لا تطلب من أحد أن يلقي بنفسه في التهلكة. لكن المرفوض أن يتحول الحذر بالأمس إلى تنظير اليوم، وأن يتحول التردد إلى دروس في الوطنية.. فثمة فرق كبير بين من يصمت احتراماً لعقله وعقل متلقيه، وبين من ينتظر الضوء الأخضر من الحدث ليشرع في الكلام.

حين يكون الرأي مكلفاً
لمن أراد أن يمارس (الشجاعة) بصدق، فالفرصة لا تزال قائمة.. هناك ملفات أخرى لا تزال تنتظر من يفتحها، وأخطاء أخرى لا تزال تنمو في الظل، وأسماء أخرى لا تزال قادرة على الرد. هناك فقط يثبت المرء أنه صاحب مبدأ لا صاحب توقيت.
وخلاصة الأمر أن الإعلام شريك في البناء لا سكرتارية بيانات.. ومن لم يملك جرأة الرأي حين يكون الرأي مكلفاً، فليس له أن يطالب بحق الرأي حين يصبح بلا كلفة. فإما أن يتكلم المرء بشجاعة حين يكون للكلمة ثمن، أو يصمت بشرف حين لا يملك ثمنها. أما المسافة الرمادية بينهما فلا تصنع إعلامياً، ولا تحفظ ماء وجه، ولا تقنع مشاهداً.
يقول المتنبي: (الرأي قبل شجاعة الشجعان.. هو أول، وهي المحل الثاني)، فهو لم يمدح الشجاعة وحدها، بل قدّم الرأي عليها، وجعل الحكمة ووضوح الرؤية هما الأصل، و(الشجاعة) فرع يأتي بعده. ومن يملك الرأي يتكلم والخطر قائم، لأنه يرى الطريق قبل أن يقع صاحب السطوة.
أما من أخر الرأي واكتفى بالصمت حتى رأى سقوطه، ثم علا صوته بالجلد والتشهير، فلم يمارس شجاعة الشجعان. بل مارس شجاعة الجزار بعد وقوع العجل.