(أحمد سعد).. شهقة في نفس مقطوع!


بقلم الكاتب والسيناريست: وائل شفيق
في الأيام الماضية، كتب العميد محمد سمير، المتحدث السابق باسم القوات المسلحة، منشوراً انتقد فيه الفنان (أحمد سعد)، واصفاً إياه بأنه (مسخ يخدم الأهداف الماسونية).. كلمات أشعلت عاصفة من الجدل، وأعادت إلى الواجهة سؤالاً قديماً متجدداً: إلى أين نسير بذوقنا؟ ومن المسؤول حين تضيع البوصلة؟
ما عاد يليق بنا أن نُفني أعمارنا في استجداء فنان أن (يسترجل)، أو مناشدة فنانة أن (تُقلع عن الإدمان)، ما عاد يليق بمصر أم الدنيا أن نجعل من أخبار زواج الفنانين وطلاقهم وقضايا النفقة في محكمة الأسرة مادة يومية، وننسى أن للأغنية رسالة، وللفن رسالة أسمى من الضجيج.
ومن هنا يبدأ السؤال الحقيقي: لماذا نُرهق أنفسنا في تقويم من اختار طريقاً لا يرضينا؟
الفنان ليس ابناً يتيماً ننهال عليه بالنصيحة والتوجيه.. من اختار طريق الكلمة الراقية واللحن الصادق، فمرحباً به في بيتنا الكبير، نرفعه على رؤوسنا.. ومن اختار درباً آخر، فله دربه، ولسنا عليه بمسيطرين.
أفهم أن الأب لا يكل ولا يمل من تقويم ابنه الوحيد، يصبر عليه ويعاقبه ويحتضنه، لأنه لا يملك سواه. يرى فيه عمره كله.
أما الدولة فهي أمٌّ ولود، لا تعرف العقم.. لديها ملايين المواهب التي لم تر النور بعد.. في أروقتها شعراء لو مُنحوا قلماً لكتَبوا تاريخاً، وملحنون لو أُعطوا عوداً لصنعوا خلوداً، ومطربون لو فُتح لهم الباب لأسمعوا الدنيا ما لم تسمعه من قبل.
فإذا كانت البدائل موجودة، فلماذا نكبّل أنفسنا باسم واحد، ونرتجف خوفاً من غيابه كأنه نهاية العالم؟
ليذهب من يذهب، وليغب من يغيب.. فالبديل قادم لا محالة، والبدائل كثيرة كقطرات المطر. العشرة، والمائة، والألف.

الإعلام الصانع للنجوم
وهنا نصل إلى المفارقة التي توجع القلب: أن نُصبح نحن مُصدّرين للنجوم، ومُستوردين للإسفاف.. أن يأخذ غيرنا أبناءنا، ويجني مجدنا، بينما نقف على الرصيف نتحسّر. نحن الذين علّمنا العرب كيف تُغنى القصيدة، وكيف يُبكى اللحن، وكيف تحيا الكلمة مئات السنين.
فما الحل إذن؟ الحل ليس في جلد الذات، بل في بناء المستقبل.. الدولة العظيمة ليست التي ترتجف من زلة فنان، بل التي تمتلك إعلاماً ومنصات تصنع النجوم.. نجوماً من صُنعها، وعلى مقاسها، وبصمتها التي لا تُمحى. حين نملك الإعلام الصانع للنجوم، لن نخاف على ذوقنا، ولن نرتجف من زلة أحد.. لأن الورق الرابح سيظل دائماً في يد الوطن.
ولا شك أن (أحمد سعد) موهبة استثنائية، وصوت يملك من الإمكانات ما يجعله قادراً على أن يحفر اسمه في ذاكرة الغناء العربي. والدليل على ذلك أنه هو نفسه من لحّن وغنى (مش باقي مني غير، شهقة فى نفس مقطوع، وانا صوتى مش مسموع، ياحلمنا الموجوع، من المرور ممنوع، مستنى لما يمر موكب سلاطينك) للشاعر الكبير جمال بخيت.. أغنية عاشت، وسكنت القلوب، وصارت علامة باقية.
وهنا تكمن الحقيقة التي يثبتها الزمن كل يوم: أن الفن الجيد وحده هو الذي يعيش. وأن التاريخ لا يحتفظ بالضجيج، ولا يأبه بالترند الزائل.
أما المونولوجات الفكاهية التي تكسر الدنيا اليوم، فمصيرها أن تذبل وتُنسى، لأنها تُستهلك سريعاً كما تُستهلك النكتة التي تُقال مرة فتُضحك، ولا تُضحك ثانية.. ما يُبنى على الضحكة السريعة تمحوه الأيام، وما يُثري الوجدان يبقى عبر الزمان.
واليوم، حين يختار مطرب أن يتحول إلى مونولوجيست، وأن يجعل من النكتة والمونولوج السريع بضاعته، فهو حر في اختياره.. هو اختار الطريق الذي يدرّ الدولارات، ويملأ المسرح ضحكاً لحظياً. لكنه يعلم أيضاً، في قرارة نفسه، أن ما يُبنى على (الترفيه) لن يبقى بعد انقضاء الأجل.
قد يترك لعياله مالاً وفيراً. لكنه لن يترك لوطنه لحناً يُردّد، ولن يترك لتاريخه أثراً يُذكر.. لأن التاريخ لا يكتب أسماء المهرجين.
وفي الختام، هذا المقال ليس دفاعاً عن فنان، ولا هجوماً على آخر.. هو تذكير بأن الأمم العظيمة لا تُبنى على لطم الحاضر، ولا على جلد أبنائها.. الأمم العظيمة تُبنى حين تملك الجرأة لتصنع بدائلها، والثقة في أن أبناءها القادمين سيكونون دائماً أعظم.