أحمد صبحي يكتب: (الحلم) الذى بدأ من شاشة صغيرة (2).. أبطال على الورق فقط!




بقلم الكاتب والسيناريست: أحمد صبحي
لم يكن (محمود سالم) مجرد كاتب بالنسبة لنا، بل كان شخصًا دخل حياتنا ليعيد تشكيلها بالكامل. شخصياته لم تكن أبطالًا على (الورق) فقط، بل تحولت مع الوقت إلى جزء من تكويننا النفسي والوجداني؛ تختخ، ونوسة، ولوزة، وعاطف، ومحب.. كنا نشعر أنهم أصدقاؤنا الحقيقيون الذين يعيشون معنا، وأن مغامراتهم تحدث في الشارع المجاور أو في المدرسة القريبة من بيوتنا.
كانت الألغاز التي يطرحها علينا تشعل الخيال بطريقة مدهشة، لكن الأهم من ذلك كله كان تلك الخلطة السرية الساحرة التي امتلكها في مزج الواقع بالخيال من خلال (الورق).
فمن خلال مغامرات بسيطة وبريئة تعرفنا على أبو طرطور، ووادي الذئاب، وواحة سيوة، وشوارع الإسكندرية، وحتى منطقة المعادي التي لم يكن أيٌّ منا قد زارها في ذلك العمر، ومع ذلك أحببناها كما لو كنا نعيش فيها، فقط لأن الحكايات جعلتنا نراها بعين الخيال.
وفي الوقت نفسه، كان هناك سحر آخر يأتينا من شاشة التليفزيون المصري عبر (الورق) من خلال برنامج (القصة العالمية) كنا نجلس مأخوذين أمام حكايات مثل (الحذاء الأحمر، الجميلة والوحش، البجعات السبع).
لم نكن ندرك وقتها أن تلك القصص الهادئة والرقيقة كانت تشكل وجداننا ببطء، وتعيد ترتيب حساسيتنا تجاه العالم والحب والخوف والخيال.
وكانت الحياة نفسها تمنحنا إحساسًا خفيًا بأن الفن ليس بعيدًا عنا.. فقد كان (حسن حسني) يسكن في نطاق منطقتنا، بينما كانت (حنان سليمان) تسكن في الشارع نفسه الذي أعيش فيه.

برنامج نادي السينما
كنت أترقب أي فرصة لأذهب إلى العمارة التي يسكنها الأستاذ (حسن حسني) فقط لأراه للحظات، وكأن رؤيته حدث استثنائي لا يتكرر، أما حنان سليمان فكانت بالنسبة لنا مثالًا للرقة والهدوء؛ تستمع إلينا بابتسامة صافية حين نستوقفها في الشارع، وتتحدث معنا بمحبة حقيقية.
لم تكن هناك هواتف محمولة ولا صور سيلفي تحفظ تلك اللحظات، لكن مجرد أن نراهم ونتحدث إليهم كان يبدو وكأنه شيء خارج حدود الواقع.
إلى أن جاء اليوم الذي استطعت فيه، عن طريق أحد أبناء أصدقاء أبي، أن أدخل لأول مرة إلى قاعة العرض في المعهد العالي للسينما.. بالنسبة لي، لم يكن المكان مجرد معهد، بل كان العالم الذي أشعر أنني أنتمي إليه دون أن أصل إليه بعد.
هناك شاهدت فيلمًا أعتقد أن اسمه (طيري يا طيارة).. كان يحكي عن طفل فلسطيني صغير يلعب بطائرة ورقية، وحين رآها جنود الاحتلال شنوا غارة قتلته وأسقطت الطائرة.. لكن المفاجأة التي هزتني أن السماء امتلأت فجأة بطائرات ورقية لا تستطيع الطائرات الحربية أن تنال منها، بينما ينطلق صوت فيروز يغني شادى
خرجت من القاعة وأنا أشعر للمرة الأولى أنني فهمت معنى السينما.. فهمت كيف يمكن للصورة أن تكون أقوى من الكلام، وكيف يستطيع فيلم قصير أن يترك داخلك أثرًا لا يزول.
ثم عدت مرة أخرى إلى المعهد لأشاهد فيلمًا آخر بعنوان (بص مع اللي جنبك).. كان فيلمًا قصيرًا عن طفل فقير يحاول بكل الطرق أن يحصل على كتاب خارجي مثل باقي زملائه في الفصل.
ربما كانت الحكاية بسيطة على (الورق)، لكن تأثيرها كان عظيمًا؛ لأنها أكدت لي أن الإنسان يستطيع أن يقاوم المستحيل حتى من أجل حلم صغير جدًا.. هناك بدأت أدرك أن الفن لا يصنع التسلية فقط، بل يصنع الأمل أيضًا.
وفي مساءات السبت، ومع برنامج (نادي السينما).. شاهدت فيلمًا بعنوان (الفتى الذي استطاع الطيران).. كان بطله طفلًا يعاني الوحدة ويرى نفسه مختلفًا عن الجميع، وكان هذا الاختلاف يؤلمه لأنه يظنه نقصًا داخله. لكن في النهاية يكتشف أن اختلافه هو ميزته الحقيقية.

فيلم (حلق حوش)
أتذكر أنني بكيت وقتها، ليس بسبب الفيلم فقط، بل لأنني شعرت للمرة الأولى أن الاختلاف ليس عيبًا، وأن من حقي أن أختار طريقي حتى لو بدا غريبًا عن الآخرين.
وكانت لديّ آنذاك أفكار طفولية ساذجة لكنها صادقة جدًا. كنت أعتقد أن الذين يسكنون بجوار سينما الأهرام هم أشخاص محظوظون للغاية، لأن السينما الصيفية تسمح لهم بمشاهدة الأفلام مجانًا كل ليلة من شرفات بيوتهم، كما في فيلم (حلق حوش)، وكنت أحلم أن ننتقل من شقتنا إلى شقة تطل على السينما، فقط لأستطيع مشاهدة الأفلام مرارًا وتكرارًا دون أن أدفع ثمن التذكرة.
كان حلمًا مستحيلًا بالطبع، لكنه يكشف كم كنت أرى السينما عالمًا سحريًا يستحق أن أعيش بداخله ولو حتى على (الورق).
ثم جاءت المفاجأة الأخرى، حين عثرنا أثناء ترتيب مكتب (عم عبده) على كتب مصطفى محمود.. وهناك بدأت مرحلة جديدة تمامًا من القراءة.. لم تعد الحكايات وحدها تكفينا، بل بدأ كل منا يشعر أن عليه أن يعيد النظر في أفكاره وطريقته في فهم الحياة.
في ذلك العمر الصغير، بدأت أكتشف أن القراءة ليست مجرد متعة، بل محاولة دائمة لإعادة اكتشاف النفس والعالم من خلال (الورق).