رئيس مجلس الادارة : محمد حبوشة
رئيس التحرير : أحمد السماحي

عصام السيد يكتب: يوم أن ( شخطت ) في (عبد الرحمن أبو زهرة)!

عصام السيد يكتب: يوم أن ( شخطت ) في (عبد الرحمن أبو زهرة)!

عصام السيد يكتب: يوم أن ( شخطت ) في (عبد الرحمن أبو زهرة)!
فوجئت به وقد خلع قميصه ووقف داخل الاستوديو بالفانلة الداخلية وهو يراجع الحوار مع نفسه

بقلم المخرج المسرحي الكبير: عصام السيد

غادرت ستوديو التسجيل لأستنجد بالاستاذ (عبد الرحمن شوقي) – كاتب الحوار الرائع في النسخة العربية من الأسد الملك – لكى يساعدنى على تهدئة انفعال الأستاذ (عبد الرحمن أبو زهرة)، الذى هدد بترك الاستوديو وعدم استكمال تسجيل دور (سكار) بسبب مطالبتى له بالإعادة عدة مرات.

والحقيقة أنه كان يعمل في ظروف غير طبيعية، فموعد التسجيل كان فى الثالثة ظهرا فى عز وهج الصيف، وكنا نضطر لإغلاق التكييف أثناء التسجيل لظهور صوت أزيز، وعندما عدت الى الاستوديو توقعت أن يصر الأستاذ (عبد الرحمن أبو زهرة) على الانسحاب، أو على الأقل تأجيل التسجيل ليوم آخر.

إلا أننى فوجئت به وقد خلع قميصه ووقف داخل الاستوديو بالفانلة الداخلية وهو يراجع الحوار مع نفسه بصوت خفيض، ثم نظر لى فى تحدى وقال: حاضر.. هاعملك اللى انت عاوزه.. اطفى التكييف وياللا نكمل.

قلت له: طب ارتاح شوية.

قال: لا.. ياللا و أنا سخن كده.

وكأن ماحدث أعطى له شحنة هائلة، فمضى يسجل الدور فى قدرة فائقة وسلاسة، بعدها بما يقرب من الساعة وجدت الاستاذ (عبد الرحمن شوقي) يدخل إلى الاستوديو  يجلس قليلا ليستمع للتسجيل ثم يحيي (عبد الرحمن أبو زهرة)، ويثنى عليه ويخرج من الاستوديو.

عقب انتهاء اليوم قلت لـ (عبد الرحمن أبوزهرة): معلش أنا باضغط عليك بس أنا عارف انك ممكن تطلع شغل افضل.

والحقيقة أننى كنت أسعى إلى تحقيق مستوى غير مسبوق، فإلى جانب مسئولية العمل مع شركة عالمية، ووجود ممثلين عمالقة يؤدون الأصوات في النسخة باللغة الإنجليزية هناك تحدى آخر، وهو ما صرح لى به المنتج و الموسيقار (سمير حبيب) بأن دوبلاج فيلم (الأسد الملك) هو بمثابة اختبار، ستكون نتيجته إما استمرار الدوبلاج لأفلام ديزنى في مصر أو تذهب لعاصمة عربية أخرى.

عصام السيد يكتب: يوم أن ( شخطت ) في (عبد الرحمن أبو زهرة)!
أصبحت أسعى لوجوده فى كل عمل لى سواء كنت مخرجا أو مديرا لمسرح

أنا كده فى الشغل!

ربما كل ما سبق جعلنى متشددا فى العمل، أحاول أن أصل الى درجة من الإجادة ترضينى أولا، ولا تقل عن جودة الأصل، ولهذا كنت دقيقا فى العمل الى أبعد مدى، مما استلزم أن أكون قاسيا فى بعض المواقف فى مطالبتى للممثلين بتقديم أقصى مالديهم.

ولكن رد الأستاذ (عبد الرحمن أبو زهرة) أراحنى إذ قال فى ابتسامة عريضة: ما أنا عارف، ماتزعلش من انفعالى أنا كده فى الشغل! وإنت اذا لقيت حاجة مش مظبوطة خلينى أعيد.

ومنذ ذلك اليوم صرنا أصدقاء، و أصبحت أسعى لوجوده فى كل عمل لى سواء كنت مخرجا أو مديرا لمسرح، فقد أصبحت (مفاتيح) الأستاذ (عبد الرحمن أبو زهرة) عندى – كما يقولون – وعندما يبدأ فى الانفعال فإن كلمة السر أملكها لإنهاء أى مشكلة:  (اهدى بس يا  عبده).

ولقد استخدمت تلك الكلمة السحرية عدة مرات، فلقد تواصل العمل بينى وبين الأستاذ لسنين طويلة.. أذكر أننى في بداية رئاستى للمسرح الكوميدى أنتجت عرضا من تأليف الدكتور محسن مصيلحى و اخراج المخرج الكبير ناصر عبد المنعم تحت اسم ( مساء الخير يا مصر) تم تقديمه طوال شتاء عام 1996.

وفي الصيف التالى تم إعداد جزء ثان لنفس العرض تحت اسم (مساء الخير تانى يا مصر) شارك فيه الأستاذ (عبد الرحمن أبو زهرة)، وأثناء البروفات وجدت أحد الموظفين يخبرنى بأن الأستاذ (عبد الرحمن أبو زهرة) ثائر فتركت مكتبى واتجهت الى صالة المسرح، فوجدت الصديق ناصر عبد المنعم صامتا بينما الأستاذ (عبد الرحمن أبو زهرة) منفعلا.

على الفور رفعت صوتى: فيه ايه يا عبده؟ هو أنا كل ما أوديك شغلانه تعمل مشاكل؟ فانفجر الأستاذ ضاحكا.

وعندما تحدثنا على انفراد، سألته: بتتخانق ليه؟  قال في عفوية: (خناق ايه؟ هو الشغل كده لازم يبقى فيه خد وهات واختلاف وخلاف، أنا عمال أشرح وجهة نظرى وهو مش بيرد عليا.. باصص لى و بيهز رأسه و بس).

قلت له: لأنك بتقول وجهة نظرك بانفعال وهو أكيد افتكرك بتتخانق، ففضل السكوت لحد ما تهدى.

واستمر بيننا التعاون داخل المسرح الكوميدى ليقدم بعدها (اللهم اجعله خير) مع الكاتب الكبير لينين الرملى والمخرج الكبير محسن حلمى، ثم (الخاطبة) مع الكاتب ماهر ميلاد والمخرج الكبير مجدى مجاهد.

عصام السيد يكتب: يوم أن ( شخطت ) في (عبد الرحمن أبو زهرة)!
المرة الوحيدة التي (شخطت) فيها في الأستاذ كانت في البروفة النهائية لعرض افتتاح (مهرجان القراءة للجميع)

المرة الوحيدة التي (شخطت) فيها

وعدنا مرة أخرى إلى الدوبلاج في فيلمى (علاء الدين، وعلاء الدين وملك اللصوص)، و قدم فيهما دور (جعفر) كما شاركنى في عرضين من عروض احتفالات أكتوبر.

المرة الوحيدة التي (شخطت) فيها في الأستاذ كانت في البروفة النهائية لعرض افتتاح (مهرجان القراءة للجميع)، الذى كانت تنتجه وزارة الاعلام وستحضره حرم رئيس الجمهورية في اليوم التالى.

و بينما الكل يستعد لبدء البروفة وعمال الصوت يضعون الميكروفونات حول أعناق الممثلين ويجرون عليها اختبارا، و يعلمونهم كيفية فتحها وغلقها، بحيث يفتح كل ممثل ميكرفونه عند دخوله الى المسرح و يغلقه و هو يغادره الى الكواليس.

في تلك اللحظة دخل إلى قاعة المسرح وزير الإعلام في ذلك الوقت السيد صفوت الشريف، و اقترب منى أحد كبار موظفيه لينبهنى بأن (معالى الوزير) قد وصل، وبينما كنت اتجه الى صالة المسرح لأرحب به – كما تقضى الأصول – اذا بصوت الأستاذ (عبد الرحمن أبو زهرة) يأتي عبر الميكروفون الذى نسى أن يغلقه : ايه اللى جاب الراجل ده، أنا ما بحبوش، ده….

وقبل أن يكمل الأستاذ قفزت الى المسرح صارخا: ايه يا عبده؟ فيه أيه؟ مش قلنا نجهز للبروفة؟ انت معطلنا ليه؟ اتفضل يا أستاذ على مكانك.

و بل أن يفيق الأستاذ من دهشته بسبب انفعالى كنت قد وصلت إليه وأغلقت الميكروفون، وهمست له: الميكروفون كان مفتوح و صوتك كان واصل الصالة.

ضحك الأستاذ (عبد الرحمن أبو زهرة)، وقال: وايه يعنى؟ اصل أنا مش….

قلت له: طب بعد البروفة نتكلم.

واتجهت إلى مهندسى الصوت لأصدر أوامر مشددة بأن يتحكموا هم في فتح وإغلاق الميكرفونات من المصدر الرئيسى وألا يتركوا تلك المهمة للممثلين على الاطلاق.

و بعد انتهاء البروفة كانت لى جلسة طويلة مع (عبده) حدثنى فيها عن حبه للزعيم جمال عبد الناصر وإيمانه بأفكاره الاشتراكية، و عن عشقه لرياضة اليوجا التى جعلته يحافظ على لياقته وحضوره العقلى، برغم اعتقادى أنها فشلت في كبح انفعالاته.

فهو شخص صريح، تعود ألا يدارى او يناور، فيقول (للأعور إنت أعور.. في عينه)، وأن هذا ربما أفقده بعض المكاسب، لكنه قانع و راضى.. وفي نهاية جلستنا قال لى: انا دايما كده، اختياراتى غريبة، يوم ما أدخل حزب، أدخل حزب التجمع، و يوم ما أشجع كورة، أشجع الزمالك!!

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.