
بقلم الباحث المسرحي الدكتور: كمال زغلول
من الجماليات التمثيلية لـ (شعراء الهلالية): الوصف التمثيلي، والوصف فن قائم بذاته، ومفهومه قائم على بيان حال الشخص وصورته بدقة، وهو في مجمله يعني النعت والبيان، وجمالية البيان هي الوضوح والظهور، يعني أن يكون الأمر بيّنًا لا يحتاج إلى توضيح أو إبهام، ومن جماليته الفصاحة والبلاغة؛ ومعناهما حسن التعبير والقدرة على إيصال المعنى.
وبرع (شعراء الهلالية) من العرب في التعبير عن الحال بالبيان والإفهام، ونتذكر بيتًا من قصيدة عنترة بن شداد لنرى الحال والحكمة في شعره:
لا يَحمِلُ الحِقدَ مَن تَعلو بِهِ الرُتَبُ
وَلا يَنالُ العُلا مَن طَبعُهُ الغَضَبُ
والبيت هو حال عنترة من خبرته السابقة كعبد وفارس، ويقدم هذه الخبرة ليخبرنا عن حاله في كونه عبدًا للقبيلة، وكونه فارس القبيلة في ذات الوقت، وقد ارتقى من حال إلى حال، ولكنه لم يحمل الحقد في كونه كان عبدًا للقبيلة، وعندما أصبح فارسًا للقبيلة وعلا شأنه لا يغضب، فهذا ليس طبع من علا وارتقى من حال إلى حال.
وهذا البيت من أبيات شعر الفصاحة والبلاغة العربية، ولكن هل تقتصر الفصاحة والبلاغة على اللغة العربية الفصحى فقط؟
ويجيب عن هذا السؤال العالم الجليل الجاحظ في كتابه (البيان والتبيين)، ويفرق بين أنواع الكلام، وقال: (وكلام الناس في طبقات كما أن الناس أنفسهم طبقات.. فمن الكلام: الجزل والسخيف، والمليح والحسن، والقبيح والسمج، والخفيف والثقيل؛ وكله عربي، وبكل قد تكلموا، وبكل قد تمادحوا وتعايبوا).
وعندما نتعرض لـ (شعراء الهلالية)، فإن كلامهم ليس فصيحًا، بل يوصف بالعامية، فهل هم يمتلكون التعبير بفصاحة وتبيين عن الحال للشخصيات الممثلة في السيرة؟

فرق الجاحظ بين طبقات الناس
ويجيب الجاحظ: (ومتى سمعت حفظك الله بنادرة من كلام الأعراب، فإياك أن تحاكيها إلا مع إعرابها ومخارج ألفاظها.. فإنك إن غيرتها بأن تلحن في إعرابها أو أخرجتها مخرج كلام المولدين والبلديين، خرجت من تلك الحكاية فضل كبير..
وكذلك إذا سمعت بنادرة من نوادر العوام وملحة من ملح الحشوة والطغام، فإياك وأن تستعمل فيها الإعراب وأنت تحكيها، أو أن تتخير لها لفظًا حسنًا، أو تجعل لها من فيك مخرجًا سريًا، فإن ذلك يفسد الإمتاع بها ويخرجها من صورتها وعن الذي أريدت له، وتذهب استطابة السامعين إياها واستملَاحهم لها).
لقد فرق الجاحظ بين طبقات الناس وكلامهم، ومنه العربي الفصيح، ومنها غير الفصيح، الذي لا يراعي الحالات الإعرابية ومخارج الألفاظ والبلاغة اللفظية.. إلخ.
ومن كلامه يمكن لأصحاب الكلام غير الفصيح أن يبينوا وينعتوا الشخصية وفق مفهوم الحال في العربية الفصيحة، مع استخدام الكلام غير الفصيح.
ونرى براعة (شعراء الهلالية) في وصف الشخصيات وبيان وتبيين الحال عند هذه الشخصيات، ونبدأ بالشاعر العملاق جابر أبو حسين، ونرى كيف وصف حال رزق بن نايل في بداية السيرة الهلالية.
رزق بن نايل يقول:
جور الليالي حير الإنسان
أمنت لك يا دهر ورجعت خنتي
ولا كان حسابي إن الزمان خوان
بتخني ليه يا دهر تكسرني في العضا (العظام)
خليت دموعي مزقوا الأخفان
ألا يا عباد الله يا ميلة الزمان
تاريها الغرورة طبعها خوان
ونرى ما بحال الشخصية من هم وغم وشدة، في تذكره للدهر، فقد بلغ الستين وأكثر، ولم يُرزق بابن يحمل اسمه ويرثه، ويكمل جابر أبو حسين:
أبكي على الفرقة وعلى حيف ما جرى (حيف يعني ظلم)
دمعي سرى بل الأراضي طوفان
على ما جرى لي
يا ويح قلبي لما جرى
يا هل ترى أجعد مع الإخوان؟
أبكي على الأيام بعين وجيعة
عدم الخليفة هدني بمكان

هده وكسر خاطره ونفسه
ويصف حال الشخصية بالبكاء الشديد، ويستخدم المجاز، ويصف هذا البكاء بالطوفان، ويتساءل رزق: هل أجلس مع الإخوان؟ أبكي على حالي وأنا فارس العرب وقائدهم، ويجيب: أبكي وأحزن بينهم وأشتكي، ويبرر هذا بهمه الأكبر ويقول: (عدم الخليفة هدني بمكان)؛ أي عدم إنجاب طفل ذكر، هده وكسر خاطره ونفسه.
ونلحظ أبيات عنترة، ونلحظ أبيات جابر أبو حسين؛ بيت عنترة شعر عربي فصيح بليغ، بيّن وأبان حال عنترة، وهو شعر غنائي يعبر به الشاعر عن مشاعره، وجابر أبو حسين شعره تمثيلي (حواري)، مستخدمًا كلامًا عربيًا غير فصيح، ولكن الوصف في كلتا الحالتين أبان وبيّن حال الشخصية، فكله كلام عربي، كما قال الجاحظ.
وهنا تظهر براعة (شعراء الهلالية) في استخدام الوصف التمثيلي الخاص بنظرية التمثيل العربي، وبيان حال الشخصيات وتبيينه بفصاحة، أي بإيضاح وفهم ليس به إبهام أو التباس، بكلام عربي غير فصيح، ويعبر الشاعر من خلال المعنى الدلالي لكلمة (وصف) في العربية، كما عبر عنترة، ولكن مع اختلاف النوع الكلامي.
وشعراء السيرة قد برعوا حقيقة في وصف الشخصيات الخاصة بالسيرة الهلالية، بل الوصف عندهم من الأسس البنائية التي يرتكز عليها شعراء السيرة، فهم يستخدمون الوصف المكاني والزماني، والمادي (خيام، وسيوف.. وحراب)، وأهم ما في الوصف عندهم وصف الحال للشخصية.
ومن جابر أبو حسين ننتقل إلى الشاعر الفحل عز الدين نصر الدين، لنرى كيفية وصفه لحالة ابن نايل بعد علمه بخبر حمل زوجته خضرة.
يقول البطل رزق ابن نايل فيما نشد:
والفرح جاله..
والفرح جاله عم سكن أنوار
لما فرح ابن نايل يا خوان
كانت حمول البلى مش خفيفة
لما سمع بالبشرى دي بجي في أمان
لما شعر بحمل الشريفة

حالة الارتياح النفسي والأمان
بعد أن تزوج رزق بخضرة، وحدث الحمل، يصف الشاعر عز الدين حالة الفرح التي بدت على رزق، ويصف الحالة التي كان فيها قبل الحمل بقوله الوصفي: (حمول البلى مش خفيفة)، ويصور الشاعر في مقابلة بين الحالتين: الحالة التي كان عليها رزق قبل الإنجاب (الهم والكدر)، وحالة الارتياح النفسي والأمان بعد الحمل.
كما وصف الشاعر جابر أبو حسين، يكمل الشاعر عز الدين ويصور حالة رزق بعد الحمل، ولا يغيب عنه ماضي الشخصية قبل الحمل.. قمة البراعة في استخدام الوصف التمثيلي عند شعراء الهلالية، وتصوير حالة الشخصيات.
ونرى الوصف التمثيلي وحال شخصية خضرة، عندما واجهت رزق لتبعد الفتنة التي بثها القاضي فايد وعزجل.. إلخ، ونرى صلابة المرأة العربية في المواجهة بالحجة والإقناع:
أنا شريفة ومن قريش علي نقا
وأيه وصله ذا العبد يعلي جعفري
وأيه وصله ذا العبد يدخل كرمنه
وكرمنا عالي وضربه حنظلي
فعجبي علي رجل يعارض خالقه
فعجبي، أي حالة قمة في الروعة؛ فهي لم تبكِ وترتعد، بل واجهت وأقنعت، وبهذا نكون تعرفنا على جمالية الوصف التمثيلي عند شعراء الهلالية، وبيان وتبيان معنى الوصف في العربية الفصيحة والعربية غير الفصيحة، والكل عربي، ينتمي للمعنى العام للوصف في العربية الفصيحة، وكما قال الجاحظ: كله عربي.