(سينتيا خليفة) تعود إلى أول الطريق.. (كارجو) يفتح دفتر الذكريات بعد 11 عامًا


كتب: مروان محمد
هناك أفلام تنتهي علاقتها بأبطالها بمجرد أن تنتهي أيام التصوير، وأخرى تظل معلقة في الذاكرة، كلما مرت السنوات أعادت أصحابها إلى لحظة قديمة لم يدركوا وقتها أنها ستكون جزءًا مهمًا من رحلتهم الفنية، وهكذا يبدو فيلم (كارجو) بالنسبة للفنانة (سينتيا خليفة)، فبعد 11 عامًا كاملة على تصويره، تعود (سينتيا خليفة) لتستعيد تفاصيل تلك التجربة الأولى، لكن هذه المرة من القاهرة، بالتزامن مع عرض الفيلم ضمن فعاليات الدورة الثامنة من مهرجان ميدفست مصر للأفلام القصيرة.
حكاية (كارجو) بدأت في عام 2015، عندما كانت (سينتيا خليفة) لا تزال تدرس السينما في جامعة القديس يوسف في بيروت، حيث كانت تدرس الإخراج، وهناك جمعتها الدراسة بزميلها المخرج كريم الرحباني، الذي تولى إخراج الفيلم، وشارك في كتابة السيناريو مع والده غدي الرحباني.
وبينما كانت التجربة وقتها واحدة من تجارب الدراسة والعمل السينمائي المبكر، لم يكن أحد يعرف أن الفيلم سيغادر حدود الجامعة، ليبدأ رحلة طويلة في المهرجانات العربية والدولية، وبعد 11 عامًا، أصبح (كارجو) واحدًا من الأفلام القصيرة التي تركت بصمة واضحة في مسيرتها، بعدما شارك في أكثر من 50 مهرجانًا حول العالم، وحصد 19 جائزة، في رحلة تتجاوز بكثير اللحظة التي بدأ منها أمام الكاميرا.
الأكثر خصوصية في علاقة (سينتيا خليفة) بالفيلم أنها لم تكن بحاجة إلى ابتكار شخصية بعيدة عنها تمامًا، إذ تظهر خلال أحداثه بشخصية قريبة من حقيقتها في تلك الفترة.. كانت وقتها تعمل ممثلة ومذيعة، وتظهر في الفيلم كفتاة تعود من التصوير وتتفاعل مع متابعيها، قبل أن تتقاطع حياتها مع طفل سوري وجده المريض، فتجد نفسها أمام مأساة إنسانية تدفعها إلى محاولة مساعدتهما.

لم يكن مجرد محطة في مشوارها
وهنا تبدو التجربة أشبه بلقطة من أرشيف حياتها الشخصية؛ فالفنانة التي كانت في بداياتها أمام الكاميرا، تعود بعد أكثر من عقد لتشاهد نسخة قديمة من نفسها، في فيلم لم يكن مجرد محطة في مشوارها، وإنما وثيقة فنية لمرحلة كاملة من حياتها.
يحكي الفيلم قصة طفل سوري صغير وجده المريض، يهربان من أتون الحرب السورية، ليجدا نفسيهما تائهين في منطقة البقاع اللبنانية، قبل أن يحاولا الوصول إلى بيروت وسط ظروف بالغة القسوة.
ولا يعتمد الفيلم على ضخامة الأحداث بقدر ما يراهن على التفاصيل الإنسانية؛ طفل يبحث عن الأمان، وجد يحاول النجاة، وطريق طويل لا يعرفان إلى أين يقودهما.
ومن خلال هذه العلاقة، يطرح (كارجو) أسئلة أكبر عن النزوح واللجوء وفقدان الوطن والأمان، ويضع المشاهد أمام الجانب الإنساني من واحدة من أكثر أزمات المنطقة قسوة.
خلال رحلته الطويلة، حصد (كارجو) 19 جائزة، من بينها جائزة أفضل فيلم قصير في مهرجان الفيلم العربي في روتردام، وجائزتا أفضل مخرج وأفضل سيناريو في مهرجان الفيلم في أيندهوفن، إلى جانب جائزة أفضل فيلم روائي دولي في مهرجان نيبال الدولي لحقوق الإنسان، وجائزة الفيلم الدولي القصير الأكثر إثارة للجدل في مهرجان رامدام البلجيكي.
ولم تكن القاهرة بعيدة عن هذه الرحلة، إذ سبق للفيلم المشاركة في الدورة الـ 39 من مهرجان القاهرة السينمائي الدولي عام 2017، وحصل وقتها على جائزة لجنة التحكيم الخاصة ضمن مسابقة سينما الغد الدولية للأفلام القصيرة.
والآن، وبعد نحو تسع سنوات من تلك المشاركة، يعود (كارجو) إلى القاهرة من جديد، لكن بذكريات مختلفة؛ فالفيلم الذي كان وقتها محطة في بداية الطريق، أصبح اليوم جزءًا من أرشيف تجربة فنية امتدت لسنوات.


سينتيا أمام شاشة الماضي
عرض (كارجو) في ميدفست مصر لا يمثل مجرد عرض جديد لفيلم قديم، وإنما لحظة استعادة لمرحلة كاملة من حياة سينتيا خليفة؛ مرحلة كانت فيها طالبة سينما وممثلة ومذيعة، قبل أن تتسع خطواتها وتتشكل تجربتها الفنية بصورة أكبر، وبعد 11 عامًا، تعود سينتيا إلى الفيلم وهي تحمل معها مسافة زمنية كافية لتعيد النظر في تلك التجربة بعين مختلفة.
فما بدأ كمشروع سينمائي خلال سنوات الجامعة، تحول إلى فيلم يجوب المهرجانات ويحصد الجوائز، ثم يعود أخيرًا إلى القاهرة ليذكّر صاحبته بأن بعض البدايات لا تختفي مهما ابتعدت السنوات.
ويأتي عرض (كارجو) ضمن فعاليات الدورة الثامنة من مهرجان ميدفست مصر، التي تقام في الفترة من 10 إلى 14 سبتمبر، بمشاركة أكثر من 85 فيلمًا من أكثر من 25 دولة، موزعة على 11 برنامجًا سينمائيًا.
وبالنسبة لسينتيا خليفة، يبدو أن (كارجو) لم يعد مجرد فيلم صورته قبل 11 عامًا، بل أصبح صندوقًا مفتوحًا على ذكريات البدايات.. كلما عادت إليه، وجدت فيه نسخة قديمة من نفسها، ووجدت معها حكاية لم تنتهِ بعد.