رئيس مجلس الادارة : محمد حبوشة
رئيس التحرير : أحمد السماحي

(القاهرة 30).. حين فضحت السينما فساد السلطة قبل أن يكتبه المؤرخون

(القاهرة 30).. حين فضحت السينما فساد السلطة قبل أن يكتبه المؤرخون

(القاهرة 30).. حين فضحت السينما فساد السلطة قبل أن يكتبه المؤرخون
أدرك نجيب محفوظ، قبل كثير من المؤرخين، أن سقوط الدول لا يبدأ بانهيار الجيوش
(القاهرة 30).. حين فضحت السينما فساد السلطة قبل أن يكتبه المؤرخون
د. محمد الطربيلي

بقلم الدكتور: محمد الطربيلي

لم تكن السينما المصرية يومًا مجرد شاشة كبيرة تعرض حكايات الحب والدموع، وإنما كانت – في أفضل تجلياتها – مرآةً صادقة للمجتمع، تكشف عيوبه، وتفضح تناقضاته، وتقرأ السياسة بلغة الفن.. ومن بين عشرات الأفلام التي حملت هموم الوطن، يبقى فيلم (القاهرة 30) واحدًا من أكثر الأعمال السينمائية جرأة وعمقًا.

ليس لأنه تناول قصة إنسانية مؤثرة فحسب، بل لأنه قدم محاكمة سياسية مكتملة الأركان لنظام كامل، دون أن يرفع شعارات أو يلقي خطبًا مباشرة.

عندما شاهد الجمهور فيلم (القاهرة 30) لأول مرة عام 1966، لم يكن يشاهد مجرد دراما اجتماعية مقتبسة عن رواية (القاهرة الجديدة) للأديب العالمي نجيب محفوظ، بل كان يشاهد تشريحًا دقيقًا لمجتمع أنهكه الفساد، وأصبح المال فيه طريقًا للنفوذ.

وأصبحت الوظيفة الحكومية تُمنح بالولاء لا بالكفاءة، وتحولت السلطة إلى وسيلة لإخضاع البشر وإذلالهم، بينما يقف الفقراء عاجزين بين مطرقة الحاجة وسندان أصحاب النفوذ.

لقد أدرك نجيب محفوظ، قبل كثير من المؤرخين، أن سقوط الدول لا يبدأ بانهيار الجيوش، وإنما يبدأ عندما تتحول الأخلاق إلى سلعة، ويصبح الضمير قابلًا للبيع والشراء.

ومن هنا جاءت شخصية (محجوب عبد الدايم)، التي لم تكن مجرد بطل روائي، بل كانت رمزًا لإنسان سحقه الفقر حتى فقد القدرة على مقاومته، فاختار أن يبيع كرامته مقابل وظيفة، وأن يتنازل عن كل ما كان يؤمن به في سبيل راتب ثابت ومكانة اجتماعية زائفة.

(القاهرة 30).. حين فضحت السينما فساد السلطة قبل أن يكتبه المؤرخون

(القاهرة 30).. حين فضحت السينما فساد السلطة قبل أن يكتبه المؤرخون
الاستقامة طريقًا إلى الجوع، والانتهازية أقصر الطرق إلى النجاح

الاستقامة طريقًا إلى الجوع

ولعل عبقرية فيلم (القاهرة 30) تكمن في أنه لم يقدم محجوب بوصفه شريرًا بالفطرة، بل إنسانًا عاديًا دفعته ظروف اجتماعية قاسية إلى الانكسار.. وهذه هى الرسالة الأخطر؛ فالفساد لا يصنعه الفاسدون وحدهم، بل تصنعه أيضًا بيئة سياسية واجتماعية تجعل النزاهة عبئًا، والاستقامة طريقًا إلى الجوع، والانتهازية أقصر الطرق إلى النجاح.

في المقابل، يقف قاسم بك باعتباره الوجه الحقيقي للسلطة حين تفقد ضميرها.. فهو لا يرى في الناس مواطنين لهم حقوق، وإنما أدوات يستخدمها لتحقيق رغباته ومصالحه.. الوظيفة عنده ليست حقًا للمجتهد، بل هبة يمنحها لمن يخدم مصالحه، والمرأة ليست إنسانة لها كرامتها، بل جزء من مظاهر النفوذ التي تؤكد سلطته.

ومن خلال هذه الشخصية، يكشف (القاهرة 30) كيف يتحول المنصب العام إلى ملكية خاصة عندما تغيب الرقابة ويختفي القانون، أما (إحسان شحاتة)، فهي ليست مجرد فتاة جميلة تدور حولها الأحداث، وإنما رمز لوطن أنهكه الفقر حتى أصبح جسده مستباحًا لأصحاب المال والسلطة.

لم يختر الفيلم هذا المصير لإثارة التعاطف، بل ليقول إن المجتمع الذي يعجز عن حماية شرف أبنائه وبناته هو مجتمع يحتاج إلى ثورة أخلاقية قبل أن يحتاج إلى ثورة سياسية.

وربما لهذا السبب ظل (القاهرة 30) حيًا في ذاكرة السينما العربية، لأنه لم يكتفِ بتصوير مظاهر الفساد، بل بحث عن جذورها. فلم يكن الفقر وحده هو المشكلة، ولا السلطة وحدها هي الأزمة، وإنما العلاقة المشوهة بينهما؛ حيث ينتج الفقر مواطنًا مكسورًا، وتنتج السلطة الفاسدة مسؤولًا متجبرًا، وبين الاثنين تضيع العدالة.

ومن أروع ما قدمه المخرج صلاح أبو سيف أنه رفض أن يجعل الفيلم مجرد عمل سياسي مباشر. فقد ترك الصورة تتحدث، والحوار يكشف، والأداء التمثيلي يفضح ما لا تستطيع الخطب السياسية أن تقوله. ولهذا جاء الفيلم أكثر تأثيرًا من عشرات المقالات والندوات، لأن الفن الصادق يصل إلى القلب قبل العقل.

ولا يمكن الحديث عن (القاهرة 30) دون الإشادة بالسيناريو العبقري الذي كتبه محسن زايد، والذي نجح في تحويل رواية نجيب محفوظ إلى عمل سينمائي نابض بالحياة، محافظًا على روح الرواية، ومضيفًا إليها لغة بصرية جعلت المشاهد يشعر أنه يعيش داخل القاهرة في ثلاثينيات القرن الماضي، بكل ما فيها من تناقضات طبقية وصراعات سياسية وأزمات اقتصادية.

(القاهرة 30).. حين فضحت السينما فساد السلطة قبل أن يكتبه المؤرخون

(القاهرة 30).. حين فضحت السينما فساد السلطة قبل أن يكتبه المؤرخون
المجتمع الذي يغيب فيه العدل، وتضيع فيه تكافؤ الفرص، يتحول تدريجيًا إلى مصنع كبير لإنتاج الانتهازيين

طبيعة السلطة حين تنحرف

لقد كان الفيلم شهادة فنية على مرحلة تاريخية سبقت ثورة يوليو 1952، لكنه في الوقت نفسه تجاوز حدود الزمن، لأن الرسائل التي يحملها لا ترتبط بعصر معين، بل تتعلق بطبيعة السلطة حين تنحرف، وبطبيعة الإنسان حين يُدفع إلى حافة اليأس.

ولعل أهم سؤال يطرحه الفيلم، وما زال مطروحًا حتى اليوم، هو: هل الفساد مسؤولية الفرد وحده، أم أنه نتيجة طبيعية لنظام يسمح له بالنمو؟ والإجابة التي يقدمها العمل، دون تصريح، هي أن المجتمع الذي يغيب فيه العدل، وتضيع فيه تكافؤ الفرص، يتحول تدريجيًا إلى مصنع كبير لإنتاج الانتهازيين.

وهنا تتجلى عظمة السينما عندما تتحول من وسيلة للترفيه إلى وثيقة تاريخية وسياسية، فالأفلام العظيمة لا تكتفي بإمتاع الجمهور لساعتين، بل تدفعه إلى التفكير سنوات طويلة، وهذا ما فعله (القاهرة 30)؛ فقد جعل المشاهد يعيد النظر في معنى السلطة، وفي قيمة الكرامة، وفي الثمن الذي قد يدفعه الإنسان عندما يقرر أن يبيع ضميره.

ولذلك، لم يكن هذا الفيلم مجرد نجاح سينمائي، بل كان إعلانًا بأن الفن الحقيقي يستطيع أن يفضح ما تخفيه السياسة، وأن يقول ما يعجز عنه كثير من الخطباء والكتاب.. لقد أثبت أن الكاميرا قد تكون أصدق من الوثائق، وأن مشهدًا سينمائيًا واحدًا قد يلخص تاريخ أمة بأكملها.

ولذلك، سيظل (القاهرة 30) شاهدًا على زمن، وتحذيرًا لكل زمن، ورسالة خالدة تؤكد أن سقوط الأخلاق هو البداية الحقيقية لسقوط الأوطان، وأن العدالة ليست شعارًا سياسيًا، بل هي الأساس الذي تقوم عليه الدول، فإذا انهارت، لم يعد للسلطة معنى، ولا للوطن أمان.

👀 Views:

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.