
بقلم الباحث المسرحي الدكتور: كمال زغلول
جماليات إبداعات (شعراء الهلالية).. والمناجاة.. الجمالية المسرحية لشعراء (السيرة الهلالية)، ترتكز على الحبكة التمثيلية للعرض المسرحي، وهذا النوع من الحبكة لم ينل حظه من الدراسة التحليلية المسرحية ، وفي محاولة لإلقاء الضوء على الحبكة المسرحية للسيرة الهلالية ، نوضح أن الحبكة الخاصة بـ (السيرة الهلالية) ليست خاصة فقط ببناء الأحداث وترابطها، ولكن هذا النوع من النصوص له حبكة معينة.
إذ تلك الحبكة تعتمد على دمج جميع عناصر العمل الفني بداخلها، بمعنى أنها تصور وتمثل جميع العناصر الذي يشملها عرض (السيرة الهلالية)، فإذا كانت الحبكة في المسرحية الكلاسيكية تختص ببناء الأحداث وظهور الشخصيات وتصوير الصراع القائم بين تلك الشخصيات، فإن حبكة السيرة نجد بها ذلك أيضا.
ولكن بجانب ذلك فإنها تحوي تصوير وتمثيل بقية العناصر المسرحية من ديكور، وإضاءة، وملابس، ومكان.. إلخ، إذ هي حبكة معدة لكي يمثلها ممثل فرد والممثل يمثل هذه الأشياء أيضا للمُشاهِد أثناء تمثيله للسير.
ولكن من المسئول عن إعداد هذه الحبكة وتقديمها للجمهور؟ أنه شاعر (السيرة الهلالية)، والمفاجأة أن هذه الحبكة ، هي حبكة ارتجالية بحته ، فهي ليست حبكة مؤلفة كما يحدث في المسرحية الأوروبية ، بل يقوم شاعر السيرة بارتجالها لحظيا ، فشاعر السيرة هو من يقوم بمعالجة الموضوع التاريخي للسيرة وتحويله إلى عمل فني.
وهو يقوم بذلك الإجراء لحظيا، أي أثناء العرض المسرحي، وهذا بناءً على طلب الجمهور في الاستماع إلى جزء معين من (السيرة الهلالية)، ولهذا فإنه يعتمد على أسلوب التمثيل الارتجالي، وهذا ما وضحه الشاعر عز الدين نصر الدين- رحمه الله – أثناء المقابلات الميدانية معه بقوله: إن السيرة بها حوالي مليون بيت، فسألته هل تحفظها؟ فأجاب بالنفي.
وقال أنا عندما أصعد إلى مكان العرض يَطلُب مني الكثير من الجمهور قصة معينة، فأنا أقوم بعمل تلك الأشعار وقتيا، ومعنى ذلك أنه يقوم بإعداد النص وتمثيله معتمدا على الارتجال، وعن كيفيه هذا الارتجال، أجاب عز الدين وقال أنا أتصور جميع أحداث القصة في خيالي كأني أراها، وأقوم بعمل الأشعار.

مسرح السرد التمثيلي
والغريب أن ما قاله عز الدين ، قد ذكره فرانثيسكو جارثون ثيسبدس في كتابه (من مسرح أمريكا اللاتينية مسرح السرد التمثيلي)، ويقول (على الراوي أن يرى الصور والمناظر في خياله قبل أن يبدأ في السرد)، كما يشتمل هذا على الأحداث والشخصيات والجو المحيط. كل ذلك يجب أن يراه بجميع تفاصيله وبكل دقه.
فمن المعلوم أن الشيء إذا شوهد من قبل فلن يلجأ من رآه لوصفه بجميع تفاصيله؛ بل سيكتفي فقط بذكر مجموعة من أهم العناصر المعبرة بوضوح عن الغرض الذي يسعى إليه وهو إيضاح الصورة للجمهور بالشكل الذي يساعده على استيعاب الموضوع الجيد لتفاصيل الحكاية (أليس هذا ما قاله شاعر السيرة الهلالية عز الدين نصر الدين رحمه الله)؟.. الإجابة نعم.
إذا نحن أمام اكتشاف جديد مبهر ، وهو الحبكة الارتجالية ، ومن أهم إبداعات شعراء الهلالية في إبداع الحبكة الارتجالية المسرحية، ظهور المنولوج (المناجاة الفردية) داخل بناء الحبكة المسرحية، وهو من المشاهد الصعبة التأليف في الأعمال المسرحية، وأن يرتجل الشاعر منولوج لحظي فهذا في غاية الصعوبة.
بل والأصعب هو جعل المنولوج البداية الاستهلالية لأول عرض في ديوان المواليد، ونسوق مثال من عند الشاعر جابر أبو حسين، يقول البطل رزق بن نايل:
جور الليالي حير الإنسان
أمنت لك يا دهر ورجعت خنتي
ولا كان حسابي إن الزمان خوان
بتخني ليه يا دهر تكسرني في العضه ( العظام
خليت دموعي مزقوا الأخفان
ألا يا عباد الله يا ميلة الزمان
ناريها الغرورة طبعها خوان
أبكي على الفرقة وعلى حيف ما جرى
دمعى سرى بل الأراضي طوفان
على ما جرى لي
يا ويح قلبي لما جرى
يا هل ترى أجعد مع الإخوان
ابكي على الأيام بعين وجيعة
عدم الخليفة هدني بمكان
أنا الذى قد أصباني البين والنيا
أشكو لربى واحد رحمن
كنا برفعة قد خفضنا زماننا
صبحنا أذلة والعزيز إتهان
ياما ضحكنا وكان البكى عند غيرنا
وأدى اليوم بكينا وخصمنا فرحان
إن عادت الأيام بالفرح والهنا
أركب على المهرة وأطوى حزان
واخلى بنات البدو ترخي شعورها
واخلى دما أعدائنا طيفان
وادق طبل الفرح قدام بابنا
وأقول عطاني مقتدر رحمن
بلغنى الكبر يا ظهرى
وحنيت من الله تقضى المصالح
بكيت على البلاوى وحنيت
في بيتي ما فيش طفل فالح
بلوج بعني يمين وشمال
على طفل عندي يلاغيني
جتني الليالي سودة وشمال
قادر يا رب أنت تعطيني

بناء الحبكة المسرحية
ومن المثال السابق نرى أن بناء الحبكة المسرحية الافتتاحي قائم على فن المنولوج، وتظهر شخصية رزق بن نايل، شاكية لما تعانيه بكل ما تحمله نفسه من معاناه، وهذا من ابداعات جابر أبو حسين، لقد تمكن هذا الشاعر بجرأة وبراعة، وبدأ العرض بمنولوج، وهذا ما لم نعهده في الأعمال المسرحية.
وقد احتوى هذا المنولوج على المشكلة الرئيسية لبطل السيرة رزق بن نايل، والتي سوف تبني عليها أحداث ديوان المواليد بأكمله، لقد صور الشاعر المعاناة والمرارة الداخلية لهذا البطل ، ومثلها كأن المشاهد يراها، لقد مثل الشاعر الألم، والمرارة، والوحدة ، بل مثل كبر سن البطل في قوله (بلغنى الكبر يا ظهرى وحنيت .. من الله تقضى المصالح).
إن جابر أبو حسين استطاع تمثيل الشعور الداخلي للشخصية بمنولوج غاية في البراعة بنيت عليه جميع احداث ديوان المواليد ، ومن جابر أو حسين ننتقل إلي الشاعر عز الدين نصر الدين لنرى كيفية احتواء حبكته على المونولوج ، في جمالية غير معهودة: مشهد بعد خروج خضرة الشريفة من النجع:
وجالت الشريفة
أمانه يا نسوم الهوي تروح لبني هلال
واحكي لهم علي الحكاية
وانظر مني واسمع للاقوال
علي ما جري للصبايا
وجالت يا نجد
جالت يا نجد منك رحنا
وأنا بكيت بدمعه عيوني
أنا ريت قتلت
ولا طلعت رحلنا
ولاامشي عدي يطلعونا
عيني آه.. آه
وجالت يا نجد منك رحلنا
جالت يا نجد
جالت يا نجد منك رحلنا
كما ن و ان بكيت اوعوا تلومني
أنا ريت مامتي وتطلع رحلنا
ولا العرب كانوا يتهمونا
لكن روح لسرحان وقوله
ربي يعمر ديارك
ياللي فعلت الخير كله
بين العرب يعلي وقارك
وروح لغانم وجوله
ده عين الغضب وعيالك
ياللي فعلت للشر كله
رب العرش يتم عيالك
ياعين..
وروح للقاضي وجوله
جوله يا شيخ روح جل جهدك
روح يا شيخ يجل جهدك
واللي في علمه ربك يتامه
بين العرب تفضل لوحدك
وتصبح عيالك يتامي.
لقد مثل عز الدين نصر الدين، الألم والمرارة الداخلية للشخصية في هذا المنولوج، ومن الأمثلة السابقة، نرى أن إبداعات شعراء (السيرة الهلالية) في إعداد الحبكة التمثيلية الارتجالية، ومدى اعتمادهم على المنولوج في العمل المسرحي ، ونرى أن جابر أبو حسين من الرواد في بناء حبكة مسرحية يستهلها بمنولوج.
ويبني على هذا المونولوج جميع الأحداث المستقبلية، وهذا مالم نعهده عند كبار الكتاب المسرحيين العالميين ، والعرب، لقد برع شعراء (السيرة الهلالية) في الفهم الدقيق لمعنى التمثيل في العربية، معتمدين على الجهاز الحسي عند الإنسان (فنان .. جمهور) لتمثيل العمل المسرحي، وكل هذا يتم بارتجال فني.